‘أنا في المطار’ كتبت إلي في رسالة هاتفية.
‘في أي مطار؟’ صرت أتساءل ‘هل تقف الآن بين صفوف المغادرين في انتظار أن تصعد إلى الطائرة أم أنها تهرع راكضة مع القادمين لحمل حقيبتها من حزام الامتعة؟’ المسافة التي تفصل بيننا لا تقل عن الفي كيلومتر. بين البلد الذي تغادره والبلد الذي ستذهب إليه مسافة هي أقل من الف كيلومتر. سأتخيل أنها ستقضي ساعة واحدة على متن الطائرة. إنها تفضل أن تجلس في المقعد الذي يقع إلى جوار النافذة، قبل الجناح بكرسيين. فيما كانت قد اتجهت ببطء إلى مقعدها، أتوقع أنها كانت تفكر في الحديقة اليابانية. تلك السجادة النباتية التي يرسمها خيالها وسط مجموعة من البرك المائية. أندلس صغيرة تقع بين هضبتين ويحيط بها النور من كل الجهات. نور خفيف وبارد ينبعث هادئا من ينابيع خفية. تنظر إلى أثار قدميها في ممر الطائرة برضا. تبتسم كما لو أن عشبة من تلك الجنة قد التفتت إليها وكلمتها.
بمزاج أخضر وغض تجلس على المقعد وتمد يدها إلى الحاجز البلاستيكي الذي كان يغلف النافذة. تزيح ذلك الحاجز وتنظر إلى بلد لم تزره إلا باعتباره فاصلة صامتة بين صرختين. شعرها الكثيف ممتلئا بالفراشات يسرب مشاعر هادئة إلى رأسها. لا تنظر إلى المسافرين وهم يتحركون من حولها باحثين عن مقاعدهم. المشهد يتكرر، هو نفسه دائما. كعادتها تنظر من خلال الزجاج لكي لا ترى بل لتفكر. عينها الخبيرة في الانصات تطارد ذكريات لا تزال فاكهتها طازجة. ‘إنه بلد ميت’ تقولها من غير أن تغلف التعاسة صوتها. لقد قضت أربعة أيام خفيفة، وهو ما ترك نوعا من الخفة على صوتها. كانت قد وعدت عصافير مخدتها بالنوم ما أن تضع راسها على أعلى الجزء الخلفي من مقعد الطائرة. لكنها لم تنم هذه المرة كعادتها. كانت هناك جملة تربك ايقاع صلاتها الوثنية. ‘لينا يا لينا’ كان مندلسون يبتسم بعد أن غرر به الأخوان رحباني عربيا.
كانت هناك معابد كثيرة تحت الغيوم.
زقورات وكهوف واديرة واضرحة ومخابئ سرية ومساجد رملية. كانت الصحراء توزع فريق أنبيائها بين الكثبان. لك أن تمضي وحيدا، من غير أن يتبعك مريدوك. تراقب المسافرة الوحيدة المشهد من فوق. من بين الغيوم تتفتت ظلال الأجساد، تصل بقايا الأجساد مثل مقاطع في سلم موسيقي. تضع نظارتها الطبية على عينيها. تبدو امرأة أخرى. بلقيس التي ترغب في أن ترى الصرح الممرد من قوارير في قصر سليمان قبل أن تكشف عن ساقيها. كانت الجنة هناك. على الأرض التي صارت الغيوم تترك ظلالها عليها. لقد كف الأنبياء عن التلفت. هو ذا الوعد الالهي ينجز جمعته قبل أن يحل سبت الصمت العظيم. ‘لا أريد لهذه الأرض أن تنتهي’ كانت هناك حقول تنظر إليها أشجارها بقدر هائل من المحبة. تتلمس باطن قدمها اليمنى وقد خلعت الحذاء لتحس أن هناك شيئا من الندى قد تسلل إلى أعصابها. تشعر بالارتخاء. من أين تصعد العاطفة إلى الرأس؟
‘سأخيط ثوبا للدمية’ تضحك فرحة بالفكرة.
تتذكر أن صديقها كان قد اقترح عليها لقبا هو امرأة ما فوق الغيوم، فلم تجد ذلك اللقب مناسبا. ‘أنا عنيدة’ قالت له كما لو أنها تضرب غيمتين، واحدة بالأخرى لتريه برقها. تشفق عليه في اللحظة التي تبدو لها الأرض من تحت على هيأة مربعات مزروعة. تعرف أن هناك حربا وأن الماضي النوراني الذي تحمله بين ثنيات روحها يمكن أن يبكيها. تلك بلاد أخرى. بلادك وبلادي وبلاد الآخرين. بلاد زنوبيا التي تسبح في العطر. ولكنني لا أفكر إلا في أن تكوني أنتِ تلك البلاد. البلاد المتخيلة، بلاد باربعة وأربعين قدما وستة أجنحة واله يحلم بأربعائه ناعما قبل أن يصنع من سبته مخدة للأموات. تنظر إليك جانبيا. تلك هي نظرتها العميقة. النظرة التي تعيد من خلالها ترتيب عناصر الكون. ‘أراك بعد قليل’ تقول وهي تعرف أنها لم تتحرر من صورتك. ‘لا تحزن’ كان يقول لصديقه وهو يعده بالوصول سالمين إلى يثرب.
كانت الجميلة تتثائب من غير أن تستسلم للنوم.
كانت مسافرة بين مسافرين، غير أنها كانت الوحيدة التي يحرسها ملاك، صارت تراه من خلال نافذة الطائرة وهو يشير إليها بعصاه الفضية. كنت أفكر في أن تلك الطائرة لن تهبط على الأرض. ستبقى محلقة في الفضاء لأن معدنها أكتسب شيئا من خفة إحدى المسافرات فصار يقاوم الجاذبية. مثل الطيور، مثل الغيوم، لغته تتماهى مع ما يزول، ما يسلم ايقاعه لربيع يقيم في سلة تفاح غامضة. صرت أفكر بطائر برانكوزي. نغمه يتشبه بأناقة خطوتك. تعيدين الزخرف إلى عائلته. تحبك نباتاته. ‘ما أحلى الهندسة’ تقولين. أرمم شوقي بتلك الجملة المبهمة. المرأة ذات المزاج الناري تعرف كيف تهندس خيالها. إنها تبني مدنا، بيوتها من هواء ينعس بين ممراته الجمر. لقد تعلمت أن ترعى كائناتها منذ الفجر لتذهب بها إلى المرعى. هنالك ثلمة في الثغاء تطعمها نغما أضافيا وهنالك نهار أقل يقع على جدار ستهبه شيئا من نور روحها. شيء منك يقع لتعيد الجاذبية النظر في قانونها.
كان في طيرانها النهاري ليل كثير.
أين يقع ذلك الليل؟ كان علي أن أصل بقناع رجل قرر أن يبدأ شتاءه بأغنية صيفية. أنا لست أنا وانت لستِ أنت. ما أحلى أن نلتقي باعتبارنا غريبين. أسبح في بحيرات جسدك وأنا أعرف أن مياهها الجوفية ستغذي عظامي بالكثير من الغرام.
‘أنت تصطاد أسماكي السرية’ تقولين. في الوقت الذي أكون فيه قد أنزلقت على صخورك المرجانية. اراهن أني أعيد اكتشافك. وأضحك. ذلك لأنك سبقتني إلى الكشف عن جغرافية عاطفتك الغامضة. هنالك كون سري يتبعك باعتباره خادما لشغفك في أن تكوني آلهة بلاد قُدر لها أن تكون في حجم باطن واحدة من قدميك.
يخيل إلي أن الموسيقي يرى أنغامه على هيأة صور. يخترع النحات مجسداته في الهواء. أتخيلك جالسة على مقعد في طائرة. يتسرب نغمك من تحت المقاعد. هناك قدماك تضربان بقلق على أرض الطائرة. يلتهمك الحنين إلى بيت لا يقع في بلدك. ستكونين غريبة هناك أيضا. في بيتك كما أنتِ في الطائرة. كما أنتِ في البلد الذي غادرته. سيكون على النحات أن يهدم التمثال الذي تخيله. سيكون على الموسيقى أن يمحو الجمل التي رآها. ‘هل كنتُ حيا؟’ أتسأءل كمن يجلس في صالة الانتظار في أحد المطارات.
‘أنتظرك’
تضحكين. ‘كما لو أنك تصدق أني موجودة فعلا’
كنتُ أراها قبل أن تُخلق. ينزلق ظلها على زجاج النافذة. تعبث بجناحي فراشتها بالمشهد الذي يمتد إلى الحقول القريبة. ينقص ذلك المشهد ويزيد بتأثير من ذلك الخفق. أمد يدي إليها لنمشي معا، غير أنها كانت تفضل أن تغيب في اللحظة التي تقع فيها يدي على يدها. حين قرأت جملتها ‘أنا في المطار’ تذكرتُ أني التقيتها ذات مرة في مطار ما. كانت جالسة بهدوء وبين قدميها وضعت على الأرض حقيبتها. ولأني ملأت حقيبتها بنفسي فقد كنت أعرف أنها لا تحتوي على مشطها الذهبي الصغير. حين رأتني اقترب منها قالت لي بعتب ‘لقد نسيتُه مرة أخرى’ كانت تقصد المشط وكنت أفكر في قلبي.