الموقف الأوروبي من التصعيد الأمريكي في الشرق الأوسط

صادق الطائي
حجم الخط
0

بدا الموقف الأوروبي من الأزمة المتصاعدة بسبب الضغوط الأمريكية على إيران في أضعف حالاته، فالكل يعرف أن أساس الأزمة الحالية هو قرار إدارة الرئيس ترامب القاضي بخروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي المبرم بين إيران ومجموعة دول (5+1) في 8 ايار/مايو 2018 والعمل على تقويض بنوده والضغط على إيران للجلوس مجددا إلى طاولة المفاوضات لفرض شروط أمريكية جديدة، وهذا ما رفضته حكومة الرئيس روحاني، وهددت مؤخرا بالانسحاب من الاتفاق ككل.

بدا واضحا من تصريحات المسؤولين الأوروبيين انهم لا يستطيعون الوقوف بوجه اندفاع ترامب المتزايد يوما بعد آخر، وأنهم يخشون تهديداته بفرض عقوبات على الشركات التي ستتعامل مع طهران بغية تخفيف حدة العقوبات الاقتصادية التي فرضها على إيران، وقد تفاقمت الأزمات وازدادت حدتها بعد تطبيق حزمة عقوبات جديدة غايتها الوصول إلى تصفير صادرات البترول الإيراني مما يعني انهيار النظام. لكن الأوروبيين يطالبون إيران بالبقاء ضمن شروط الاتفاق النووي والتمسك بتعهداتها للسداسية الدولية حتى بعد انسحاب الولايات المتحدة، مع إطلاق بعض الوعود لإيجاد منافذ ملتوية للتعاطي مع الاقتصاد الإيراني لإيقاف تدهوره نتيجة العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب.

وصرحت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل الخميس الماضي تعليقا على الأزمة بالقول: “إن الاتحاد ‏الأوروبي يريد تجنب تصعيد الخلاف مع إيران بشأن برنامجها النووي” وأضافت، “أن على طهران أن ‏تعترف بأن مصالحها مرتبطة بمواصلة الالتزام بالاتفاق النووي”‎.‎ كما صرح وزير الخارجية الألماني هايكو ماس على هامش لقائه وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في بروكسل الاثنين الماضي قائلا: “إن برلين لا تزال تنظر للاتفاق النووي كأساس لعدم ‏امتلاك إيران لأسلحة نووية في المستقبل، ونرى في ذلك بعداً وجودياً بالنسبة لأمننا”. وأكد على أن الاتحاد الأوروبي لن يرضخ لضغط الولايات المتحدة في ‏الخلاف حول الاتفاق النووي مع إيران، إلا أنه أضاف أن لا أحد يريد أن تمتلك إيران قنبلة ‏نووية‎. ‎

أما الموقف البريطاني من الأزمة فقد اتضح من تصريحات وزير الخارجية جيريمي هانت الذي دعا في اجتماع بروكسل إلى “فترة هدوء” محذراً بوضوح من خطر دفع ‏إيران من جديد نحو تطوير أسلحة نووية. وقال: “نحن قلقون من خطر نزاع يندلع عن طريق الخطأ ‏بسبب تصعيد غير مقصود من الطرفين”. وتابع أن: “الأهم هو أن نعمل على عدم عودة إيران ‏إلى طريق التسلح النووي‎”.

أما مسؤولة الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني فقد شددت على أهمية الحوار لأنه: “الطريق الوحيد والأفضل لمعالجة الخلافات وتجنّب ‏التصعيد” في المنطقة. وأضافت: “نواصل دعمنا الكامل للاتفاق النووي مع إيران، وتطبيقه كاملاً” ‏مشيرة إلى أنه “كان ويبقى بالنسبة لنا عنصراً أساسياً لأسس عدم انتشار الأسلحة على الصعيد الدولي ‏وفي المنطقة”‎.

وحاولت إيران من طرفها الضغط على الأوروبيين للتحرك باتجاه الوقوف معها للخروج من الأزمة مقابل تعهدها الالتزام بالاتفاق النووي، وإلا فإنها سوف تسعى إلى الخروج منه وأعطت مهلة لمدة 60 يوما لذلك، فقد صرح وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف: “إن على دول الاتحاد الأوروبي التقيد ‏بالتزاماتها في الاتفاق النووي مع الجمهورية الإسلامية وتطبيع العلاقات الاقتصادية على الرغم من ‏العقوبات الأمريكية”. وجاء تعليق ظريف ردا على بيان للاتحاد الأوروبي الذي طالب طهران بمواصلة ‏الالتزام بالاتفاق‎.‎

واتخذ الموقف الروسي من الأزمة جانبا أكثر وضوحا وصلابة، فقد جاء في تصريح للخارجية الروسية إن: “الولايات ‏المتحدة فرضت لتوها حزمة جديدة من العقوبات تستهدف صناعة المعادن في إيران. ونحن ندين بشدة هذه ‏الخطوة”. وأضاف “أهمية التطورات الحالية، تدعو روسيا إيران والدول الأخرى المعنية ‏إلى الاجتماع لتحديد سبل تطبيع الوضع‎”.

وبدا واضحا الموقف الأمريكي المهادن تجاه التصلب الروسي، إذ ارتفعت حدة الخطاب الروسي تجاه التصعيد الأمريكي بعد ما تسرب عبر وسائل إعلام إمريكية، إن وزير الدفاع الأمريكي بالوكالة باتريك شاناهان قدم خطة ‏عسكرية إلى ترامب تتمحور حول إرسال 120 ألف عسكري أمريكي إلى الشرق الأوسط‎ لمواجهة التهديدات التي قد تحصل في أي وقت. وحسب صحيفة “‏‏نيويورك تايمز” أن “المسؤولين قالوا إن ذلك لا يعني غزوا بريا لإيران، إذ ان الأمر يتطلب ‏المزيد من القوات‎”.

وجاء رد الفعل الروسي بتصريح وزير الخارجية سيرغي لافروف الذي عبر عن أمله في ان لا يكون للشائعات حول إرسال 120 ‏ألف جندي أمريكي إلى الشرق الأوسط أساس من الصحة‎. ‎‏وقال عقب لقائه وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في سوتشي الروسية الثلاثاء الماضي: ‏‏”آمل أن ينتصر العقل وأن الشائعات حول إرسال 120 ألف عسكري أمريكي إلى المنطقة تكون لا ‏أساس لها من الصحة، لأن المنطقة متوترة بالفعل نتيجة ما تشهده من بؤر صراع مختلفة”.

أما صرامة الموقف الروسي تجاه الأزمة فقد تجلت في تصريحات الرئيس بوتين يوم الأربعاء الماضي في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره النمساوي ألكسندر فان دير بيلن‏، إذ قال: “إن الأحرى بإيران البقاء في الاتفاق النووي وعدم ‏الخروج منه مهما كانت الظروف، لأن الجميع سينسون لاحقا أن واشنطن هي من انسحبت أولا ‏وسيتهمون طهران” مشيرا إلى “ان روسيا لا تستطيع ان تلعب دائما دور (فرقة إنقاذ) على الساحة ‏العالمية”‎.

المحصلة النهائية هي حالة التوتر التي تسود منطقة الشرق الأوسط نتيجة ارسال القطع العسكرية الأمريكية إلى المنطقة وتصاعد التوتر نتيجة حوادث تخريبية جرت قبالة سواحل الفجيرة مرة وفي الداخل السعودي عندما ضربت محطات ضخ البترول، ليقف العالم كله كاتما أنفاسه متوقعا ان يقود أي حدث عسكري صغير إلى حرب إقليمية لا أحد يعلم مدى سرعة انتشارها وتأثيراتها العالمية، وفي الوقت الذي يشعر الأوروبيون بالضعف وعدم القدرة على مواجهة ضغوط صقور إدارة ترامب إلا انهم يسعون جاهدين للتمسك بحبل السلام الهش القائم على التمسك بالاتفاق النووي لآخر لحظة، فهل سيصمدون تجاه الضغوط الأمريكية، أم سيكون التدخل الروسي – الصيني في الأزمة هو المخرج الحقيقي؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية