الموقف الأوروبي من الملف الحقوقي للسعودية وولي عهدها

في غضون أشهر قليلة من تسميته وليا للعهد، بات محمد بن سلمان الرجل الأقوى في السعودية ممسكا بوزارة الدفاع وكل ما يتعلق بالشؤون العسكرية والأمنية، والاقتصادية من خلال رئاسته مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية الذي يشرف على مجموعة “أرامكو” الشركة الأولى عالميا في مجال تصدير النفط، وإدارة ملف حرب اليمن والعلاقات الخارجية وغيرها.

أسس محمد بن سلمان علاقات واسعة ووطيدة مع صناع القرار في الإدارة الأمريكية من خلال عدد من أركان الإدارة الأمريكية، الرئيس الأمريكي ووزير خارجيته، والعلاقة “الشخصية” التي ربطته بكبير مستشاري البيت الأبيض، جاريد كوشنر، زوج ابنة الرئيس دونالد ترامب والمكلف بملف مبادرة السلام الشامل بين الفلسطينيين والإسرائيليين المعروفة إعلاميا باسم “صفقة القرن”.

التراجع في العلاقات مع الولايات المتحدة دفع باتجاه تقوية علاقات السعودية بدول مثل روسيا والصين والهند وباكستان، والاتحاد الأوروبي.

ويواجه قادة دول الاتحاد الأوروبي انتقادات واسعة لعدم اتخاذ إجراءات “عقابية” ضد السعودية على خلفية مقتل جمال خاشقجي والحرب في اليمن.

وخلافا للموقف الألماني، فإن دول الاتحاد الأوروبي الأخرى، فرنسا خاصة، واصلت سياستها التي تدين مقتل جمال خاشقجي وتطالب بفرض عقوبات على منفذي الجريمة والمسؤولين عنها في ذات الوقت الذي ترفض تجميد صفقات الأسلحة التي أبرمتها مع السعودية في أوقات سابقة.

ويسود اتجاه عام في دول الاتحاد الأوروبي بضرورة تبني موقف موحد من الانتهاكات التي يتعرض لها دعاة حقوق الإنسان في السعودية انطلاقا من القيم الأوروبية ومعاييرها في رفض أي انتهاكات ضد ناشطي الحقوق المدنية أو أصحاب الرأي.

قد تكون المرة الأولى منذ تأسيسه عام 2006، التي يصدر فيها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة “توبيخا” للسعودية لسجلها في انتهاكات حقوق الإنسان.

أدانت 36 دولة عضو في مجلس حقوق الإنسان من أصل 47 دولة، بما فيها دول الاتحاد الأوروبي بجميع أعضائه الثمانية والعشرين، الاعتقالات المستمرة في السعودية والتي وصفها بـ “التعسفية” للمدافعين عن حقوق الإنسان وتوظيفها قوانين مكافحة الإرهاب لإسكات معارضيها، في الوقت ذاته الذي منع أعضاء الاتحاد الأوروبي إدراج اسم السعودية على قائمة الدول الضالعة بعمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

بحلول الأسبوع الماضي، نقلت تقارير إعلامية عن البدء في محاكمات “جنائية” لناشطات في مجال حقوق المرأة يواجهن اتهامات بالتعامل مع دول أجنبية “معادية” للسعودية.

المحاكمات تأتي في وقت تشهد فيه العلاقات السعودية الأمريكية تأرجحا وضبابية وانقساما في أوساط الإدارة الأمريكية حول الموقف من قضيتي مقتل جمال خاشقجي والحرب في اليمن وما له صلة بسجل السعودية في مجال انتهاكات حقوق الإنسان.

وتتوزع اهتمامات الناشطات في مجال حقوق الإنسان عموما بين ما يعرف بولاية الرجل على المرأة، وانتقادات لحظر قيادة المرأة للسيارة قبيل إصدار السلطات السعودية قرارا أجاز للمرأة مثل هذا الحق، وقضايا أخرى تتعلق بحرية التعبير وتشكيل الجمعيات وغيرها.

وفي الوقت الذي لم تجر محاكمات علنية، فإن معظم ما يتم تداوله من أخبار حول المعتقلين والمعتقلات تستقيه وسائل الإعلام من مقربين من المعتقلين، بما في ذلك “مزاعم” التعذيب بالصعق الكهربائي والإيهام بالغرق وأيضا التحرش.

وطالما دعا قادة حول العالم السعودية لإطلاق معتقلي الرأي وناشطات حقوق الإنسان اللواتي أفادت تقارير إلى تعرضهن للتعذيب النفسي والجسدي، إلا أن دعوات كهذه دائما ترد عليها السعودية بنفي “مزاعم” التعذيب وعدم وجود سجون سرية والإشادة بالقضاء السعودي ونزاهته.

تشير بعض التقارير إلى أن ما لا يقل عن عشرة نساء اعتقلن خلال العام 2018 على خلفيات دعاوى الحقوق المدنية وحرية التعبير.

وأفادت منظمة “هيومن رايتس ووتش” المعنية بحقوق الإنسان بأن أربع نساء تعرضن للتعذيب بالصدمات الكهربائية على أيدي محققين سعوديين.

وبالعودة إلى بيان مجلس حقوق الإنسان، فقد دعا السعودية إلى اتخاذ خطوات لضمان تمكين المدافعين عن حقوق الإنسان والصحافيين من ممارسة حقوقهم في حرية التعبير وتكوين الجمعيات بعيدا عن الاعتقال.

وحثت الدول الموقعة على بيان “التوبيخ”، منها استراليا وكندا، السعودية على التعاون مع لجنة التحقيق الأممية في قضية مقتل جمال خاشقجي والتي من المنتظر أن ترفع تقريرها إلى المجلس في حزيران/يونيو المقبل.

ويفتقر الاتحاد الأوروبي إلى إمكانية اتخاذ موقف موحد بشأن السياسة تجاه السعودية لطبيعة المصالح الاقتصادية التي تربط بعض الدول الأعضاء مع المملكة.

لكن السعودية أيضا تملك أوراقا ضاغطة على الدول الأخرى، مثل دول الاتحاد الأوروبي المورد الرئيسي للأسلحة وسلع أخرى بعشرات مليارات الدولارات تستخدمها المملكة وسيلة ضغط وتهديد بوقف مثل هذه الصفقات المليارية.

كما أن الاتحاد الأوروبي وعلى لسان أكثر من مسؤول، انتقد ما اعتبره تسييسا يفقد الاتحاد مصداقيته في حال إدراج اسم السعودية على قائمة الدول الممولة للإرهاب والمتهمة بغسل الأموال في الوقت الذي تنفق فيه السعودية مليارات الدولارات في التحالف الدولي الذي دعت لتأسيسه عام 2014 بالشراكة مع الولايات المتحدة وهي في المرتبة الثانية في تنفيذ ضربات جوية ضد تنظيم “داعش” الذي تشكل التحالف للحرب عليه بعد أحداث الموصل 2014.

من المستبعد أن دول الاتحاد الأوروبي سوف تمارس ضغوطا “قاسية” بعد أن تعدت مرحلة “الحماس” التي رافقت وأعقبت حادثة مقتل جمال خاشقجي؛ إلا أن هذه الدول ستحاول الفصل بين التعامل مع السعودية الدولة وولي عهدها الذي نشرت وسائل إعلام غربية أن قادة أوروبيين ضغطوا على الحكومة المصرية لإبعاده عن حضور القمة الأوروبية العربية التي استضافتها مصر في الشهر الماضي.

ولا تبدو دول الاتحاد الأوروبي في مواجهة واسعة النطاق مع السعودية سواء الدولة أو ولي العهد الذي تدرك تلك الدول أنه يمسك بكامل القرار الاقتصادي وتوقيع الصفقات ذات البعد الاقتصادي في مشروعه رؤية 2030 الذي تنظر إليه تلك الدول بأنه مشروع انفتاح متعدد الجوانب، من اجتماعي واقتصادي بالدرجة الأولى وقريب من تلبية المعايير الأوروبية في جانبه الاجتماعي.

وسيظل التأثير الأوروبي بدوله الرئيسية الثلاث، ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، محدودا طالما ظلت تلك الدول تعمل بشكل ثنائي يعتمد التنافس الاقتصادي بينها للفوز بالعقود السعودية والصفقات، إلى جانب أن دول الاتحاد الأوروبي تبدي رغبتها في الإبقاء على الشراكة الإستراتيجية مع السعودية التي تلعب دورا إقليميا مركزيا في المنطقة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية