رام الله ـ «القدس العربي»: بعد تسريبات حول ما تضمنه اجتماع المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر “الكابينيت” يوم الخميس الماضي من فرض عقوبات ضد الفلسطينيين، على خلفية توجههم إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي لإصدار قرار قانوني حول الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية. وجاء فيما رشح من أخبار أن جيش الاحتلال وجهاز “الشاباك” عرضا على الكابينيت مسارين للعقوبات المقترحة ضد الفلسطينيين، مبينة أن المسار الأول هو فرض عقوبات ضد مسؤولين كبار في السلطة الفلسطينية، أبرزها سحب بطاقات “VIP” التي يستخدمها المسؤولون في عبور الحواجز الإسرائيلية. أما المسار الثاني المقترح للعقوبات، فهو عقوبات اقتصادية من شأنها أن تؤثر على المجتمع الفلسطيني بأكمله. وحملت الأخبار ادعاء الجيش و”الشاباك” بأنهما قدما توصيات بعدم اتخاذ أي خطوة من شأنها إلحاق الأذى بالجمهور الفلسطيني، وأن تقتصر العقوبات على القيادات التي تقف خلف الذهاب لمحكمة العدل الدولية.
يوم الجمعة تم الكشف عن فحوى المسارين حيث تم تضمينهما في خمس نقاط محددة صادق عليها الكابينيت الإسرائيلي، وهي على النحو التالي: اقتطاع حوالي 139 مليون شيكل من عائدات الضرائب الفلسطينية وتحويلها لصالح عائلات مستوطنين قتلوا في عمليات فلسطينية، والبدء فورًا بسحب ما يوازي المخصصات التي تدفعها السلطة الفلسطينية للأسرى الفلسطينيين وعائلاتهم، وتجميد خطط البناء الفلسطينية في مناطق “ج” التي كانت قد وافقت عليها حكومة يائير لابيد، إضافة إلى سحب بطاقات “VIP” من المسؤولين في السلطة الضالعين في إعداد مقترح القرار أمام الأمم المتحدة للتوجه إلى محكمة العدل، واتخاذ إجراءات ضد منظمات أهلية فلسطينية سياسية وحقوقية تنشط في الضفة الغربية.
وحسب ما قاله وزير الأمن القومي ايتمار بن غفير فإن “حكومتنا اليمينية اتخذت قرارًا في الكابينيت باتخاذ خطوات فورية ضد السلطة الفلسطينية وقادتها، ونأمل ونتمنى بأنه سيتم اتخاذ المزيد من الإجراءات ضد من يدعم الإرهاب ويحاول الضغط على إسرائيل”.
زعيم حزب الصهيونية الدينية، وزير المالية في حكومة الاحتلال المتطرف باتسلئيل سموطريتش صرح بما يتوافق مع رؤية بن غفير حيث شدد إن الإجراءات الجديدة التي اتخذت ضد السلطة الفلسطينية ليست سوى البداية، على اعتبار أن “من يعمل ضدنا سيدفع ثمنا باهظا”.
وفي تغريدة نشرها عبر حسابه على “تويتر” قال: “اتفاق التحالف الحكومي، أكد اتخاذ الإجراءات الكفيلة لوضع حد للرواتب والمزايا التي تدفع للأسرى وذوي الشهداء”.
وحسب المحلل السياسي والخبير في الشأن الإسرائيلي عصمت منصور فإن القرارات السابقة موجهة ضد الشعب الفلسطيني وليس مسؤوليه، والهدف منها الضغط والابتزاز ولا تمس المسؤولين كما اشيع في البداية.
وأضاف أنه يبدو ان التلويح بعقوبات ضد المسؤولين كانت رسالة تحذيرية حيث جاءت القرارات تتضمن تحويل 139 مليون شيقل من أموال المقاصة لصالح متضررين من العمليات الفدائية، وخصم فوري لمخصصات الأسرى والشهداء من أموال المقاصة عن العام 2022 وتجميد رخص بناء في مناطق “سي” وسحب امتيازات من شخصيات محددة تتولى قيادة النضال القانوني ضد الاحتلال.
ويبدو أن أربعا من العقوبات تتعلق بأمور تخص الشعب الفلسطيني وتترك أثرا مباشرا عليه إذا ما وضعنا البند الخامس الذي ينص على فرض عقوبات على مسؤولين في السلطة.
الرئيس الفلسطيني محمود عباس كان قد استبق إعلان العقوبات بالتأكيد على عزمه الاستمرار باتخاذ جميع الإجراءات القانونية التي تتيحها الشرعية الدولية، من أجل اتخاذ كل الخطوات الضرورية والمناسبة للرد على إجراءات الحكومة الإسرائيلية التي بدأت طلائعها باقتحام المسجد الأقصى.
قال ذلك في مستهل اجتماع اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية بمقر الرئاسة في مدينة رام الله، مساء الخميس، حيث زاد على ذلك بتوجيه انتقاد بوتيرة عالية عندما قال “إن من يقف وراء السياسة الإسرائيلية هي الإدارة الأمريكية”.
وتابع: “إن الذهاب لمحكمة العدل الدولية لتحدد طبيعة الاحتلال قد استغرق وقتا طويلا وجهدا أطول من أجل أن يذهب الطلب الفلسطيني من الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى المحكمة، والقضية الآن موضوعة أمام المحكمة، ونتمنى أن تسارع في اتخاذ القرار”.
وذكر عباس عن تعرض السلطة لضغوط كبيرة من أجل التراجع عن الخطوة التي لا يرى الشارع الفلسطيني أنها تحمل في طياتها جدوى حقيقية، فالتجارب الفلسطينية مع القرارات الأممية كثيرة وأكثر من أن تعد أو تحصى.
بدورها أكدت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية على التصدي ومواجهة الاحتلال وتحديدا برنامج الحكومة المعلن لحكومة نتنياهو على الصعد كافة، الذي يستند إلى محاولة فرض الوقائع على الأرض بالبناء والتوسع الاستعماري الاستيطاني غير الشرعي وغير القانوني.
رئيس الوزراء محمد اشتية تحدث يوم الجمعة عن القرصنة الإسرائيلية المستمرة لعائدات الضرائب التي تثقل على كاهل حكومته، وقال “رغم أنها تفاقم من أزمتنا المالية، وتتسبب في تعميق العجز في الخزينة، لكنها لن تثنينا عن مواصلة نضالنا السياسي والدبلوماسي في المحافل الدولية؛ لنيل حق شعبنا في تقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة؛ على خطوط الرابع من حزيران عام 1967 بعاصمتها القدس، وحق العودة للاجئين؛ وفق القرار 194”.
كما طالب اشتيه ضرورة ترجمة بيانات الدول إلى إجراءات وسياسات عملية تضع حدا لتلك الجرائم والانتهاكات وتعاقب مرتكبيها لمنع تكرارها.
الموقف الفلسطيني الفارق
المحلل السياسي هاني المصري قيم الردود الفلسطينية باعتبارها استمرارا لذات الفعل النمطي، الذي يكتفي بالشجب والإدانة والمناشدة للمجتمع الدولي من أجل التحرك.
ويرى المصري أن الموقف من السلطة الفلسطينية يعكس حالة من عدم اتخاذ إجراءات بمستوى التحدي والخطر، فالجميع يتحدث عن الخطر لكن العمل والفعل على أرض الواقع ليس بمستوى الحدث.
ويرى المصري أن المسارعة بردود فعل بمستوى الخطر تتطلب المسارعة للوحدة الوطنية على أساس برنامج سياسي وكفاحي قادر على عزل ومقاطعة الحكومة اليمينية الجديدة، والعمل على تشكيل جبهة عالمية لإسقاط نظام الاستعمار والاحتلال الإسرائيلي.
ويشدد المصري أن الخطوة الثانية بعد توحيد الفصائل عبر الوحدة الوطنية تتطلب توحيد الشعب الذي لا يجد حتى اللحظة أي استجابة سياسية وقيادية فلسطينية.
ويشدد المصري أن أي تحرك عربي ودولي إذا لم يستند إلى موقف فلسطيني فعال وموحد وصلب لن يكون مجديا، وبالتالي لن يكتب لأي من التحركات التأثير على الحكومة الإسرائيلية.
ويختم يجب أن يكون هناك استعداد جدي على الأرض للمواجهة المستمرة.
بدوره قال الأمين العام للمبادرة الفلسطينية مصطفى البرغوثي إن الحكومات الإسرائيلية جميعها ذات توجه عنصري ومتطرف، أما الذي تغير في الحكومة الحالية فيتمثل في أن الحركة الصهيونية كشفت عن وجهها الحقيقي، كما أنها تكشف أوراقها وتظهر نواياها ومقاصدها بوضوح.
ويرى أن الحكومة الحالية هي أصولية وفاشية ويتجلى ذلك في خمسة محاور، وهي: ضم الضفة الغربية وتوسيع المستوطنات في كل فلسطين التاريخية والجولان، وتوسيع المستوطنات الذي يعتبر أمرا له أولوية كبرى حيث يعكس ذلك قولا وفعلا أن فلسطين بكاملها حق حصري لليهود، ويحمل هذا إعلان نية التطهير العرقي وتكريس نظام الابارتهايد العنصري بالكامل.
ويقول إننا اليوم إزاء حكومة تعلن علنا ضم الضفة الغربية، وهو أمر يشير إلى أنه لم يعد أمام الفلسطينيين أي فرصة للاستمرار بأي اتفاق للسلام، كما أنه يفترض أنه لم يعد هناك أي فرصة لأي تنسيق أمني مع هذه الحكومة الإجرامية.
ويشدد البرغوثي أنه لم يبق أي مبرر لحالة التقاعس عن توحيد الشعب الفلسطيني، “كما أننا أمام تأكيد أن نضال الشعب الفلسطيني هو ما يوقف الاحتلال وممارساته، وهو ما يجعل السؤال الأبرز في مواجهة الحكومة الجديدة حول ما الذي سيفعله الفلسطينيون؟ وهو سؤال تتضمن الإجابة عليه فرصة مثالية لمقاومة الاحتلال بفعل جمعي وحدودي قوي”.
والمؤكد أنه لن يكتوي أحد بنار الحكومة اليمينية الجديدة أكثر من الفلسطينيين المنقسمين حتى اللحظة، والمهددين بمشروعهم الوطني وحلم دولتهم، وهو أمر يعزز من الانتباه إلى مكامن قوتهم وقدرتهم على خوض نضال، كما يرى خبراء، يكون مفتوحا وشاملا من أجل نزع الشرعية عن هذه الحكومة الجديدة التي تعتبر التجلي الأوضح لمفهوم الاستعمار والاحتلال.
وهو أمر يجعل من الموقف الفلسطيني بمثابة “بيضة القبان” في المواجهة المقبلة التي ظهر منذ أول أسبوع تسلمت فيه الحكومة الفاشية لمهامها بإنها ستكون مواجهة ساخنة ودموية ويمكن للفلسطينيين جعلها مواجهة فارقة ولصالحهم.