لندن – “القدس العربي”: كيف يمكن لروسيا وتركيا التوصل لاتفاق حول إدلب؟ يرى كيريل سيمونوف في تقرير نشره موقع “المونيتور” أن العملية الناجحة لقوات نظام بشار الأسد، المدعومة من الطيران الروسي، أدت لخروج مقاتلي هيئة تحرير الشام إلى الأطراف القريبة من منطقة خفض التوتر في إدلب.
وأدى الهجوم لمحاصرة موقع المراقبة التركي موريك، رقم 9، مما دعا موسكو وأنقرة لتوجيه الاتهامات لبعضهما البعض بانتهاك اتفاقية سوتشي العام الماضي.
وتؤكد أنقرة أنها لا تخطط لنقل نقطة المراقبة التي أصبحت عالقة خلف الجيش السوري أو أي من النقاط الأخرى. ولكن الوضع المتوتر كان وراء سفر الرئيس رجب طيب أردوغان إلى موسكو، الثلاثاء، لمقابلة نظيره الروسي فلاديمير بوتين. فتطبيق مذكرة سوتشي عام 2018 يعني ترديا في العلاقات الروسية – التركية. وتركيا في الوقت الحالي لم تعد قادرة على التعامل مع هيئة تحرير الشام التي تسيطر على إدلب؛ فهي لم تكن قادرة على إجبار الجهاديين على التراجع لمسافة 20 كيلومترا من المنطقة الآمنة حسب مذكرة أيلول/سبتمبر.
وفي المقابل، لم تكن موسكو قادرة على مواجهة جهود دمشق في التقدم إلى مناطق خفض التوتر. واستخدمت موسكو فشل أنقرة في منع المسلحين في إدلب من إطلاق الصواريخ على القاعدة العسكرية الروسية في حميميم كمبرر دعمها للنظام السوري وعملياته الأخيرة. وترفض تركيا خطوات كهذه باعتبارها خرقا لاتفاق سوتشي.
لكن الوضع في إدلب لن يمنع النظام من محاولة السيطرة عليها حتى لو خرج منها مقاتلو هيئة تحرير الشام. فالنظام لا يفرق بين معارضة معتدلة وأخرى جهادية، فكل من انتفض ضده يعتبر “إرهابيا”. وقد عانت الغوطة الشرقية قرب دمشق من هجمات النظام الكارثية في عام 2018 رغم أن عدد المقاتلين المعتدلين فيها كان حوالي 20000 مقابل مئات من الجهاديين.
ويرى الكاتب أن عملية خان شيخون كشفت عن تعرض نقاط التفتيش التركية في إدلب للخطر. ومهمة هذه النقاط هي المراقبة وكذا منع النظام من التقدم إلى منطقة خفض التوتر، إلا أن المهمة انتهت بالفشل، إذ ظلت قوات الأسد تتحرك بحرية بين نقاط المراقبة التركية، وحجبت نقطة موريك وحولتها إلى نقطة خلفية من دون آثار خطيرة.
وتقوم القوات التابعة للنظام بتكرار تجربة موريك للتعامل مع بقية نقاط التفتيش التركية في إدلب. وربما كانت تركيا قادرة على وقف تقدم القوات التابعة للنظام نحو مناطق خفض التوتر أو محاصرة نقاط المراقبة التركية عبر توفير السلاح والدعم للجماعات السورية المعتدلة. وهذا يعني تقوية الإمكانيات لدى الجبهة الوطنية للتحرير وجيش العزة المواليتين لتركيا، وتوفير أنظمة دفاعية صاروخية مضادة للدبابات وراجمات قنابل.
وربما أصبحت المنطقة مستقرة بسبب إعادة انتشار قوات النظام من درع الفرات. وكشفت المعارك ما بين أيار/مايو إلى تموز/يوليو عن فعالية هذا النهج الذي واجه فيه مقاتلو المعارضة عمليات النظام وردوا بهجمات مضادة قوية. إلا أن هذه الإستراتيجية تجلب معها انتصارات تكتيكية مؤقتة لأنها لا تمنع الرحيل الجماعي للاجئين من إدلب، وهو التهديد الذي تخشاه تركيا.
ويرى الكاتب أن مقاتلي المعارضة لم تقدم لهم حوافز للسيطرة على خان شيخون التي دمر نصفها، ولا على اللطامنة أو كفر زيتا، فقد فر السكان إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة القوات التركية أو إدلب عاصمة المحافظة، بعدما أصبحت الحياة فيها غير مناسبة نظرا للقصف الجوي والمدفعي. وفي حالة قصف الطيران الروسي والسوري المناطق الجنوبية والشرقية من منطقة خفض التوتر، فإن موجة نزوح منها ستبدأ باتجاه الحدود مع تركيا. ومن العبث استمرار المعارضة في التمسك بمدن أشباح، كما أن موجة نزوح جديدة باتجاه تركيا تعني ضغوطا جديدة على أنقرة للتحرك.
ومن هنا، فمن المفيد إلغاء مذكرة سوتشي لتحقيق الاستقرار في منطقة إدلب، وعلى أنقرة الاعتراف بأن الحفاظ على كل منطقة خفض التوتر يعتبر مهمة صعبة. وفي المقابل، على موسكو الاعتراف باسم الحفاظ على الشراكة الروسية – التركية بالدور الذي قامت به أنقرة لتحقيق تسوية في سوريا وحقها في حماية مصالحها بعيدا عما يراه النظام في دمشق.
ومن هنا، فانسحاب تركيا من جنوب وشرق منطقة خفض التوتر مقبول طالما حافظت على الشريط الحدودي القريب من طريقي أم فور وأم فايف، بما فيها عاصمة محافظة إدلب. وعلى خلاف حالة المنطقة المنزوعة السلاح، يجب أن يسمح لتركيا بالحفاظ على أمن المنطقة، مستخدمة في ذلك جيشها لمواجهة هجمات النظام. ولو تم تطبيق إجراءات كهذه فستكون حاجزا أمام موجات لجوء جديدة تجاه تركيا. وربما تمتعت المنطقة بالوضع نفسه الذي تتمتع به عفرين ومحور درع الفرات الواقعان تحت حماية تركيا.
وسيحصل نظام الأسد على منفعة من الاتفاقية رغم إصراره على تحرير “كل شبر من سوريا”، فهو يعني إعادة فتح الطريقين السريعين أم فور وأم فايف، اللذين يربطان حلب وشرقي سوريا مع دمشق واللاذقية، مما يعني دمج نظام النقل في سوريا.
ويقول الكاتب إن هناك منفعة أخرى للنظام وهي ديمغرافية، من ناحية الحفاظ على التوازن الإثني والديني. فنصف السكان السنة المعادين للنظام، ونسبتهم نصف سكان سوريا ما قبل الحرب، إما هربوا إلى الخارج (6.5 مليون نسمة) أو إلى إدلب (حوالي 3.5 مليون نسمة).
وربما قبل النظام بهذا الخيار لو بقي المشردون في منطقة خفض التوتر (بين أم فور وأم فايف والحدود التركية)، وفي نوع من “المحتشدات”، وإن بحماية تركية. وتظل مشكلة هيئة تحرير الشام من دون حل، فربما سمحت روسيا ببقائها على حالها طالما لم تصل الصواريخ إلى قاعدتها على الساحل. لكن مجرد وجودها يمثل عقبة لأي عملية تسوية.
وربما حاول جيش النظام السيطرة على المنطقة التي ستنقل إلى دمشق حال انسحبت القوات التركية منها، مقابل قيام تركيا وبشكل تدريجي بطرد العناصر المتشددة من معاقلهم بدءا من ممر باب الهوى. وتظل هذه أفكارا يتم تداولها بين أطراف اللعبة، وقد لا تساعد أردوغان وبوتين على إعادة التفاوض من جديد حول اتفاقية سوتشي.