لندن – “القدس العربي”:
كيف تعاملت روسيا مع الإحتجاجات في لبنان والعراق؟ تقول مارينا بلينكايا الكاتبة المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط بمقال نشره موقع “المونتيور” إن الإحتجاجات التي يشهدها البلدان لفتت انتباه المسؤولين الروس وكذا الناشطين على وسائل التواصل الإجتماعي مع أن الإهتمام عكس الواقع المحلي وعلاقاته بالتطورات في الشرق الأوسط.
ولهذا السبب تأخرت موسكو لفترة كي تعبر عن رأيها في الأحداث العراقية واللبنانية. ففي الخامس من تشرين الثاني (نوفمبر) التقى نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغاندوف والذي يعمل أيضا مبعوثا خاصا لمنطقة الشرق الأوسط بأمل أبو زيد، المستشار للرئيس ميشال عون. وبعد اللقاء أصدرت وزارة الخارجية بيانا اعتبرت فيه أن أي محاولة للتدخل الخارجي في لبنان غير مقبولة. وجاء فيه: “تدعم روسيا سيادة واستقلال ووحدة واستقرار لبنان وتؤكد موقفها الواضح والمستمر أن على اللبنانيين التعامل مع الموضوعات الوطنية داخل الإطار القانوني وعبر الحوار الذي يخدم مصالح السلم المدني والنظام”. وجاء فيه رفض روسيا لأي محاولة خارجية للتدخل في شؤون لبنان أو زيادة الخلافات الحالية.
وكان لقاء المسؤول الروسي مع أبو زيد الذي كان في زيارة لموسكو حيث حصل على جائزة السلام إلى جانب 15 شخصا من جنسيات مختلفة. وتزامن احتفال توزيع الجوائز مع يوم الوحدة الوطني في روسيا، وهو عطلة رسمية. وأشار أبو زيد إلى ما يجري في بلاده أثناء حفلة التكريم حيث قال متحدثا أمام الرئيس فلاديمير بوتين:” نراكم حماة ومنقذين من السياسات ضيقة النظر الغربية التي تحاول محو المجتمعات المتعددة الإثنيات بالمنطقة ودعم المتطرفين والإرهابيين ومنع الجهود الروسية لعودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم”. وقال “نقدر كثيرا عملكم لإحلال السلام والإستقرار”. وبعيدا عن رد فعل وزارة الخارجية على الأحداث في لبنان فقد كان موقف المسؤولين الروس هادئا ومقتضبا.
وفي ردها على استقالة رئيس الوزراء سعد الحريري أكدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية ماريا زخاروفا على أهمية “تجاوز الأزمة بناء على الحوار الشامل”. وطالبت القوى الخارجية باحترام سيادة واستقلال لبنان. وكان الرد المسهب من قسطنطين كوساشيف، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في المجلس الفدرالي حيث قال السناتور إن استقالة الحريري قد تكون خطوة نحو تسوية الأزمة. وقال إن مطالب المحتجين اجتماعية- سياسية وتتمحور حول مجموعة من المطالب المعروفة في المنطقة. وقال إن الغضب زاد وخرج بالجماهير إلى الشوارع وتساءل عما سيحدث لو “انزلقت التظاهرات السلمية وتحولت إلى شيء أكبر”. وأشار إلى بيان وزارة الخارجية الأمريكية الداعم لمطالب المحتجين قائلا إن هناك “من يرغبون بإعادة تغيير أوراق اللعبة اللبنانية”. واستشهد كوساتشيف بكلام زعيم حزب الله حسن نصر الله الذي قال “هناك أشخاص من الناشطين في حركة الإحتجاج مرتبطين بقنوات أجنبية وأجهزة مخابرات”. وقال إن القوى العاقلة في لبنان وجيرانه وروسيا، الصديقة تقليديا مع بيروت يريدون تسوية سلمية للأزمة. وأن استقالة الحريري هي خطوة في هذا الإتجاه “دعونا ننتظر رد المتظاهرين، والكل يعرف ما هو البديل، العنف، وهو السيناريو الذي تكشف في دول الجوار ولم ينتفع منه إلا اللاعبون الخارجيون”.
ما يجمع التصريحات الروسية أمر واحد وهو تعامل موسكو مع الأزمة كشأن داخلي ورفض التدخل الخارجي وترك الحل للبنانيين.
وكل ما يجمع التصريحات الروسية أمر واحد وهو تعامل موسكو مع الأزمة كشأن داخلي ورفض التدخل الخارجي وترك الحل للبنانيين أنفسهم، فروسيا الخائفة من الإحتجاجات تتعامل مع أي مظاهر غضب من خلال عكسها على شأنها الداخلي. فالكرملين الخائف من الثورات الملونة يعني تعامل الدوائر الليبرالية مع الأحداث في لبنان بعين الحسد. وهذا واضح من النقاشات على منابر التواصل الإجتماعي التي تحدث فيها الناشطون عن تنازلات الحكومة اللبنانية للمتظاهرين من خلال تخفيض رواتب الوزراء ونواب البرلمان إلى النصف. وحفلت صفحات فيسبوك والمواقع الساخرة بنكتة عن صديقين روسيين يتحدثان عن الوضع في لبنان وسأل أحدهما الآخر: “مليونا لبناني خرجا إلى الشوارع في تظاهرات معادية للفساد، هل تعتقد أن هذا ممكن في روسيا؟” ورد الآخر ضاحكا “كيف يمكن لروسيا تجميع مليوني لبناني”. ومن الملاحظ أن الإحتجاجات التي لفتت انتباه الروس هي تلك التي يشهدها لبنان وهونغ كونغ. فحتى العراق الذي يعاني من العنف ومنذ وقت طويل لا يتم نقاشه إلا داخل الدوائر الأكاديمية. وربما كان السبب هو التظاهرات في هونغ كونغ ولبنان كانت ذات طابع كرنفالي وليس مثل العراق الذي شهد قمعا للمتظاهرين ومقتل أكثر من 250 شخصا. ولم يهتم الكرملين بالتعليق على أحداث العراق بشكل مبكر، فقد تجنب وزير الخارجية سيرغي لافروف الحديث عن التظاهرات أثناء زيارته لبغداد. وأصدرت وزارة الخارجية بيانها الوحيد عن الأحداث في الأول من تشرين الثاني (نوفمبر)، أي بعد شهر من اندلاع الأحداث. وكان البيان عبارة عن متابعة لما جرى في لقاء مع السفير العراقي في موسكو حيدر منصور هادي وورد فيه دعوة لكل الأطراف السياسية في العراق ضبط النفس أمام التظاهرات الجماهيرية. وحمل البيان كل الملامح السياسة الروسية القائمة على رفض التدخل وتجنب عن إطلاق تصريحات قد تفهم على أنها محاولة للتدخل من المسؤولين العراقيين. وبالنسبة للتصريحات الروسية المتعلقة بلبنان فقد جاءت بعد استقالة الحريري. وقبل ذلك اكتفت وزارة الخارجية بتحذير المواطنين الروس الذي يريدون زيارة بيروت بتوخي الحذر والحيطة أثناء وجودهم. وفي الوقت نفسه لا تزال الخطوط الجوية الروسية تسير رحلتين يوميا إلى بيروت. وهناك ألاف من الروسيات المتزوجات من لبنان يعشن فيه. وتواصل الشركات الروسية عملها هناك فيما يستمر الطلاب في دورات اللغة المشتركة في المعاهد اللبنانية. ومن هنا فالإهتمام بلبنان يعكس العلاقات المشتركة بين البلدين مقارنة مع العراق الذي يظل فيه التعاون محدودا، ومن يعمل من الروس فيه تعودوا على المخاطر.