لأول مرة منذ سنوات لم يكن الميركاتو الصيفي الأوروبي ساخنا كسابقيه بسبب الظروف الصحية والصعوبات المالية التي تتخبط فيها كرة القدم العالمية، والتي دفعت بالكثير من الأندية نحو اللجوء الى تخفيض رواتب اللاعبين بنسب تتراوح بين 30 و70%، وفرضت عليها ترشيد نفقاتها سعيا لتقليل الخسائر التي تكبدتها بسبب تراجع مداخيل البث التلفزيوني والاشهار وعائدات بيع تذاكر الدخول الى الملاعب إثر منع الجماهير من حضور المباريات، وهو الأمر الذي أدى بكل الأندية الأوروبية بالخصوص الى تحديد سقف الإنفاق على الاستقدامات النوعية والاكتفاء ببعض الروتوشات وإبرام صفقات ثانوية بسيطة وضعت حدا لجنون الأسعار الذي ساد سوق الانتقالات خلال السنوات الماضية، باستثناء بعض الأندية التي كانت مضطرة من الناحية الفنية لدعم صفوفها.
تقرير مركز أبحاث النشاط الاقتصادي خلص الى أن الأندية الانكليزية أنفقت لوحدها 95% من مجموع ما صرفته أندية الدوريات الخمس الكبرى في فترة الانتقالات الصيفية، خاصة نادي تشلسي الذي عوض ما فاته بعدما كان محروما من الاستقدامات ليدخل السوق بقوة وينفق ما يقارب 254 مليون يورو لضم الألمانيين كاي هافيرتز و تيمو فيرنر مقابل 80 و53 مليون يورو، اضافة الى مدافع ليستر بن تشيلويل مقابل 50 مليونا والمغربي حكيم زياش من أياكس الهولندي بمبلغ 40 مليونا، ليختمها بالحارس الفرنسي لنادي رين ادوارد ميندي مقابل 25 مليونا، كما نجح ايفرتون في خطف الأضواء بخمس تعاقدات يتصدرها الكولومبي خاميس رودريغز، بينما أنفق المان سيتي ما يعادل 147 مليون جنيه استرليني من أجل تعزيز دفاعه بالهولندي نايثن أكي والبرتغالي روبن دياز، اضافة الى الجناح الإسباني الواعد فيران تورس.
وكان يمكن للسيتي أن يكون صاحب صفقة القرن لو ضم الى صفوفه الأرجنتيني ليو ميسي الذي كان يرغب في الرحيل عن برشلونة، وكان يمكن لمبلغ الصفقة أن يكون خياليا وغير مسبوق ليقلب عديد الموازين ويحدث زلزالا يخلف ارتدادات وتداعيات عميقة على كرة القدم الاسبانية التي فقدت نيمار سنة 2017، ثم رونالدو الذي توجه نحو إيطاليا منذ موسمين وكادت تفقد ميسي ليتوجه الى الدوري الانكليزي الممتاز التي تبقى أنديته الأكثر قدرة على استقطاب اللاعبين حتى في زمن كورونا، الذي تمت فيه أكثر من 100 صفقة بمبلغ يفوق المليار جنيه استرليني، بما في ذلك لدى الفرق التي تراجعت فنيا وتراجعت مداخيلها على غرار أرسنال والمان يونايتد وتوتنهام ووستهام، وكذا الصاعد الجديد ليدز الذي أنفق ما يقارب 100 مليون يورو من أجل دعم صفوفه لمواجهة تحديات البريميرليغ.
انكلترا خطفت الأضواء كالمعتاد وكأن تداعيات كورونا لا تعنيها، لكن الأندية الكبرى في باقي الدوريات الكبرى كان صيفها باردا جدا مقارنة بسابقيه، وبامكانياتها المادية الكبيرة وحاجتها الى الدعم والتجديد لمواجهة تحديات المسابقات المحلية والأوروبية، على غرار الريال الذي دخلت خزائنه موارد جديدة من خلال بيع غاريث بيل وريغيلون الى توتنهام وخاميس رودريغيز الى ايفرتون واشرف حكيمي الى الانتر، وهو نفس الاتجاه الذي سلكه البارسا بالاستغناء عن سواريز لأتلتيكو مدريد وراكيتيتش العائد الى اشبيلية، اضافة الى أرتورو فيدال الذي عزز صفوف الانتر أملا في الاطاحة باليوفي بقيادة أندريا بيرلو الذي حافظ على التوازن الفني للفريق من خلال دعم الهجوم بالثنائي فيديريكو كييزا من فيورنتينا وألفارو موراتا على سبيل الاعارة من أتلتيكو مدريد.
بطل دوري أبطال أوروبا البايرن أحد أغنى الأندية في أوروبا حافظ بدوره على استقراره وتوازنه على غرار وصيفه بطل الدوري الفرنسي باريس سان جيرمان الذي اكتفى بانتداب البرازيلي رافينيا والإيطالي أليساندرو فلورينزي على سبيل الاعارة، بعدما استغنى عن البرازيلي تياغو سيلفا والأوروغواني ايديسون كافاني اضافة الى ريتوشات بسيطة على غير العادة رغم إلحاح المدرب توماس توخيل على انتداب لاعبين جدد لمواجهة تحديات دوري الأبطال، لكن ذلك لم يحدث في سابقة للنادي الباريسي منذ سنوات، مثلما لم تحدث انتدابات على مستوى عديد الأندية الأوروبية التي عودتنا على دخول سوق الميركاتو الصيفي بمعدل مئة مليون يورو على الأقل.
الملفت هذا الموسم هو اعتماد الكثير من الأندية على الدفع بلاعبي أكاديمياتها إلى الواجهة بالموازاة مع عمليات تجميل وروتوشات محدودة على تركيباتها، خاصة بعدما بلغت خسائر الأندية الأوروبية ما يفوق الأربع مليارات دولار في زمن كورونا الذي كانت له تداعيات سلبية كبيرة على المداخيل والانفاقات، وسيكون لها تأثيرات أكبر لو استمر الحال الى نهاية الموسم الجاري، قد يدفع الجميع نحو اعتماد نظام المقايضة أو الاحتفاظ بما يملكون من لاعبين بسبب نقص الموارد تماشيا مع مبادئ قانون اللعب المالي النظيف.
إعلامي جزائري