الميكرو نوفيلا: هل يعيد الأدب تعريف نفسه؟

حجم الخط
4

توجد عشرات التجارب الروائية، التي تعتمد على التكثيف والإيجاز، ومغامرات تجريبية سردية متعددة حول العالم، خاصة في أمريكا واليابان وأوروبا. وقد تظهر في السنوات المقبلة أنماط جديدة للكتابات السردية والشعرية، في ظل ذوبان الحدود بين الفنون والكتابة، والتجديد في كل شيء. حتى أساليب الموت والدمار تطورت، ودخل الخيال في صناعة القتل، فلماذا نرفض أن تتغير طرق الكتابة والعرض والتلقي؟
الميكرو نوفيلا، أو الرواية القصيرة جدا، نمط من هذه الأنماط والأشكال التي بدأت مع منتصف القرن العشرين، وربما قبل ذلك مع ظهور السريالية، والكثير من التيارات الفنية والأدبية التي كفرت ورفضت النظريات والتنظير، ووضع الحدود والأشكال للنشاط الإبداعي، إذن، فهي ليست وليدة عربية حديثة جدا، أي قبل عام أو عدة أعوام. ربما أدركنا نحن، كمبدعين عرب، بعض هذه الأنواع مؤخرا، وبدأنا نمارس وننشر هذا النوع من الكتابة، ولكن لا يمكن لأي واحد منا أن يدعي أنه هو مخترع الميكرو نوفيلا أو الرواية القصيرة جدا، سواء على المستوى العربي أو العالمي. لا يمكننا أن نقول إن ما كتبه البعض من بيانات هو تنظير جديد، مثل إن الرواية القصيرة جدا تعتمد على التكثيف والإيجاز، وتحمل روح الرواية وتتجاوز القصة القصيرة، لأن العصر يفرض أشكالا مختصرة وموجزة، والمصغرات وليس المطولات. هذا الكلام موجود أصلا في مئات الدراسات النقدية والبحثية السردية، وبدأت حركة التكثيف والإيجاز والرمزية في الكتابات السردية منذ أكثر من قرن.
لنترك التنازع والجدل حول الصفات والتسميات، ونخوض تجاربنا بروح إبداعية. شخصيا، لديّ أربع روايات قصيرة جدا منشورة. بعض النقاد صنف بعضها كقصة قصيرة طويلة، أو نوفيلا قصيرة، أو حتى عمل أدبي، وبعضهم وصفها كرواية قصيرة جدا (ميكرو نوفيلا). لا أجد أن التسمية تقلل أو ترفع من العمل الإبداعي. وكمبدعين، نستفيد أكثر من النقد التحليلي وملاحظات وأسئلة النقاد، لأنها تجعلك تعود إلى قراءة عملك وتنبهك لمواطن القوة والضعف، وهذا أكثر فائدة من تصنيف العمل ووضعه ضمن نوع أو جنس.
في نقاش مع «شات جي بي تي» لساعات طويلة، أحالني إلى عشرات المقالات، ترجمت بعض هذه المقالات ودخلت إلى مواقع منصات ورش للكتابة السردية، ومواقع كتاب وكاتبات يكتبون مثل هذه الأشكال والأنواع السردية الوجيزة. تسمى أيضا الرواية القصيرة القصيرة، أو الرواية المكثفة أو المصغرة، ويعود تاريخ بعض الدراسات والمقالات لعدة عقود. بعضها ظهر في بداية القرن الواحد والعشرين مثل تجربة الكاتبة الأمريكية نانسي ستولمان وزملاء لها، حيث كتبوا ما يسمى الرواية القصيرة بحجم (100 × 100)رواية «مئة في مئة»، أي مئة فصل، وكل فصل يكون مئة كلمة فقط. فيكون عدد كلمات الرواية عشرة آلاف كلمة فقط، ويجب أن تتميز بتكثيف الأفكار والسرد إلى أقصى حد مع الحفاظ على انسجام النص ووحدة الحبكة. أيضا، هذه المميزات:
التكثيف الشديد: كل فصل مستقل بذاته ككتلة سردية صغيرة، ولكنه يتصل بالفصول الأخرى لتشكيل الرواية الكاملة.
ضرورة التركيز على الأحداث والشخصيات، دون أي تفاصيل زائدة لا فائدة منها.
الإبداع في السرد والمهارة الجيدة في الكتابة، لتحقيق التوازن بين الفكرة واللغة والتسلسل السردي. الإيحاء والرمز، لملء الفراغات التي لا تُذكر بشكل صريح وواضح. الحبكة بالمرونة والمراوغة، وقد تتناول موضوعات متصلة بشكل مباشر، أو غير مباشر، أو تكون عبارة عن لقطات منفصلة تربطها ثيمة واحدة، مع ضرورة الحفاظ على التشويق والإثارة في كل فصل على حدة. هذه المغامرة فيها تحديات فنية، خاصة أن الكاتب محدد بعدد من الكلمات لكل فصل، أي مئة كلمة، ما يفرض عليه استخدام لغة دقيقة موحية وجذابة. توجد عدة منصات لمثل هذا النوع السردي التجريبي، ويوجد موقع للكاتبة نانسي ستولمان يمكن لأي شخص الدخول إليه وقراءة مقالات ومقابلات وعناوين كتبها المتوفرة بالإنكليزية.
مصطلح الميكرو نوفيلا يترجمها «شات جي بي تي» بمصطلح الرواية القصيرة جدا، قد يقودك إلى أعمال مثل رواية «النورس» «جوناثان ليفنجستون» لريتشارد باخ، ورواية «الرجل العجوز والبحر» لإرنست همنغواي، وبعض روايات كافكا مثل «رسالة إلى الوالد»، «الجحر» أو «التحول». والعنصر المشترك هو المزج بين الرمزية والخيال بأسلوب مكثف، حتى الروايات التي تصل إلى عشرين ألف كلمة تحمل روح الميكرو نوفيلا.
الميكرو نوفيلا إذن أشبه بضغط للنوفيلا القصيرة، بحيث تكون كلماتها بين ألف إلى خمسة أو ستة آلاف كلمة. المسألة لا تتوقف على عدد الكلمات، ولكن، كما تعبر نانسي ستولمان في حوار معها، دور الكاتب يتمثل في تقديم رؤية إبداعية للعالم من حوله عبر إطار سردي يجذب انتباه الجمهور. وتؤكد أهمية تطوير «عدسات» خاصة تساعد على رؤية الجمال والتناقضات في هذا العالم. وتشير عشرات الدراسات إلى أن النص الوجيز، رواية أو قصة، يجب أن يمنح مجالا واسعا لتفسير القارئ واستنتاجاته، ما يخلق تجربة تفاعلية غنية. هذا يتيح للكتاب التجريب مع الشكل والمضمون، وتعكس هذه النصوص لحظات من التأمل أو الإدراك العميق. بعضها يتسم بالبساطة، وهناك نماذج ساحرة في الأدب الياباني وكتابات كواباتا ياسوناري الحائز جائزة نوبل، الذي اشتهر بأسلوبه المدهش في التكثيف والإيجاز.
بعض نماذج النوفيلا قد توصف بأنها روايات مكثفة جدا، أو مصغرات أو قصيرة جدا، حتى إن وصل عدد كلماتها إلى عشرة آلاف أو أكثر. فمفهوم النوفيلا يبدو واسعا ومرنا في الدراسات النقدية، التي تهتم أكثر بدراسة المحتوى الإبداعي، وقد تتجاوز مسألة التصنيف التقليدي خشية أن تندثر مع التطورات المستقبلية. إذن، الميكرو نوفيلا هي نوع أدبي حديث وجذاب، في حالة تطور متسارع تفرضه روح العصر. يجمع بين تكثيف السرد والإبداع في تقديم القصة بأسلوب مكثف ومختصر. تعتمد على الإيحاء والرمزية العالية لملء الفراغات، ما يمنح القارئ دورا نشيطا في استكمال المعنى والتأويل. أجد هذا النوع مغريا ومحفزا على الخيال. نحن كمبدعين عرب نحتاج إلى الاندماج في ثقافة العالم، فالابتكار والأصالة هما مستقبل الإبداع.

كاتب يمني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية