القاهرة ـ «القدس العربي»:زفي ظل ظلام دامس وأطباق فارغة وبطون ستظل طاوية على الأرجح لأيام مقبلة، يقضي الغزاويون أيامهم الرمضانية، إذ ودعت الشهامة والمروءة بلدان العرب والمسلمين وبات إلقاء وجبات الطعام شبه النادرة، التي لا تصل بالكاد إلا لعشرات الأفراد من المحظوظين، وسيلة لرفع العتب عن الأنظمة العربية، بينما الجماهير ارتضت أن تكتفي بالدعاء للشعب المناضل، في خطوة يراها بعض الدعاة هي أقرب لنصرة العدو بسلاح “الصمت” الملعون صاحبه في لحظة تستوجب الصراخ بأعلى صوت، لنصرة مليون غزي تعد لهم منذ ما يربو على خمسة أشهر مذبحة للإجهاز عليهم، إما قتلا أو جوعا.. يبدو السؤال وجيها على ألسنة بعض مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي حول صحة الصوم، بينما الأشقاء يتضورون جوعا، وأعرب العديد من الصائمين عن مخاوفهم من الوقوع في دائرة الظالمين لنصرة إخوانهم، بينما لاقى الحديث النبوي “ليس منا من بات شبعان وجاره جائع” حضورا واسعا. ورد الدكتور شوقي علام مفتي الديار المصرية، على التساؤلات المثارة حول صحة الإفطار على صوت مدفع الإفطار قبل أذان المغرب، مؤكدا أن الأذان هو الأساس في تحديد دخول وقت الإفطار، قائلا إن المؤذنين في المساجد يتحرون التوقيتات بدقة. وأشار إلى أن الصوم المقبول هو الذي يقصد به وجه الله تعالى، قائلا إن الصوم عبادة يبتغي بها الإنسان رضا الله تعالى، وعندما يتعبد الإنسان بقلب سليم يحصل على الطمأنينة والسكينة. واستشهد بقول الله تعالى «ألا بذكر الله تطمئن القلوب»، مؤكدا أن من ضمن العبادات التي تطمئن القلوب الصلاة والزكاة والحج والصوم. وأوضح أن الصوم الحقيقي الذي يقصد به وجه الله تعالى، يقي الإنسان من الوقوع في الخطأ. وحدَّد مفتي الجمهورية،، قيمةَ زكاة الفطر لهذا العام 1445 هجريا بـ35 جنيها كحدٍّ أدنى عن كل فرد، كما حدد قيمة فدية الصيام لمن يعجز عنه لسبب شرعي مستمر ومعتبر بـ(30 جنيها) لهذا العام.
وفي محاولة لإقناع الغاضبين بسبب الأوضاع القاسية: أكد الدكتور محمد معيط وزير المالية، أن الأوضاع الاقتصادية في مصر تتحسن، وتعهد بأن «الفترة اللي جاية أفضل»، ونتطلع إلى أن ما تتخذه الحكومة من إجراءات شاملة ومتكاملة ومتسقة، يسهم بشكل فعَّال في سرعة عودة النشاط الاقتصادي، مع دفع عجلة الإنتاج الزراعي والصناعي والتصدير، مشددا على المبادرات الداعمة والمحفزة للأنشطة الاقتصادية، رغم الضغوط الشديدة على الخزانة العامة؛ تأثرا بارتفاع تكلفة التمويل وأسعار الفائدة، وكذلك زيادة أسعار السلع والخدمات..
ومع ذلك لا يخجلون
عندما تنظر إلى الطفل يزن كفارنة وتعاين ذلك الوجه الكفيل برواية كارثة مجاعة غزة، ستتذكر تلقائيا وفقا لعلاء الغطريفي في “المصري اليوم” تلك الأيادي الممدودة للتطبيع مع الكيان الصهيوني بدعوى السلام، وستراها، رغما عنك، مخضبة بدماء أهل القطاع وأوجاع الباحثين عن لقمة من السماء أو البحار أو الأرض. لقمة ليست كافية لإنهاء لحظات البرد والجوع، فقط ستمنع موتا ببطن خاوية، في عبثية لا يمكن تخيلها، يجتمع فيها العالم على ظلم شعب، ويشارك في المذبحة، ويتعاطف في الوقت نفسه مع الضحية. على شواطئ غزة التي ستتلون بألوان المارينز قريبا برصيف العم سام البحري، أبلغ رسالة عن نهاية السياسة والإنسانية، الطعام الساخن المقبل من سفن الأذرع المفتوحة، ستفسده روائح الدم ودخان الدمار، فهو لا يكفي لإقامة حياة أو حتى شبه حياة. هنا أسقط نتنياهو قطار التطبيع في بحر غزة، وأنهى هرولة المنطقة تجاه مصافحات شهيرة، بل يهدد معاهدات قائمة، ويتدفأ مع سفرائه على وقع لقاء القنابل في أرض فلسطين وأجساد شعبها. السلام ليس مجانيا، كما تصوره البعض، فهو رغبة وإرادة، إقرار بواقع، وشراكة وسداد مستحقات، مع نتنياهو لا شراكة ولا مستحقات، فقط تطبيع في اتجاه واحد مع نوايا شريرة مهما كانت الأحضان دافئة، إنها أحضان الثعالب والأفاعي. لا يمكن بحال أن تسامح الشعوب من هرولوا أو ظنوا أن هذا الطريق ممهد للتعايش، وأن هناك من يجنح للسلم دون أطماع، فقراءة التاريخ كفيلة بالتفسير، بل بالتدبير. لم يعد في الشارع العربي من يمكنه أن يجاهر بالحديث عن علاقة مرتقبة أو مستقبلية مع إسرائيل، فهي كما قالت «نيويورك تايمز» صارت عبئا على كل من يرغب في التعامل معها.
سداح مداح
الغضب في القلوب العربية وفق ما يتوقع علاء الغطريفي سيمنع أي راغب في التطبيع من الحديث مجددا في الأمر، ولن تجد رغبات السياسة منفذا للناس إلا إذا كان هناك حل عادل، لا يشطب فلسطين من الخريطة ويدفع بالحياة على أرضها. أي خطوة في الاتجاه العكسي للتضحيات الفلسطينية، ستكون مرورا على أجساد «يزن» وغيره من أطفال غزة، عبورا على بحور الدم التي سالت من أجل القضية. لقد أحرج نتنياهو كفيله الأمريكي الضامن للتطبيع، عامله بندية ثم بتحدٍّ سيذكره التاريخ، ولم يخشَ مصير شامير عندما تحدى جورج بوش الأب في التسعينيات. السلام المكذوب هو اللافتة، الصوت الأعلى في مشهد التطبيع، لقد زال حلم اندماج الصهاينة في الإقليم، غزة وضعت تاريخا جديدا، لا يمكن نسيانه أو تجاهله أو المرور عليه. تُعاد حاليا السياسات وتُرسم الخطوط الفاصلة، وتُوضع الحدود في العلاقات مع تل أبيب، فالشر الذي زرعته قضى على أهداف الذوبان، لقد انتهى «التطبيع سداح مداح»، كما ننسخ من كلمة أستاذنا أحمد بهاء الدين عند وصف الانفتاح أيام السادات. الشعوب الحكيمة تقبل الآخر المختلف في الدين وليس صاحب العقيدة السياسية ومروج نظريات التمييز والكراهية، الممارس لعقده التاريخية على أطفال ونساء، المستعيد لذكرى المحارق وهو يلعب دور الجلاد. الإبادة لن تبني سلاما، فقد أزاحت أي سبيل في ظل هذه الكلفة البشرية والمادية والمعنوية، إنها حمولة ثقيلة لن يستطيع تجاوزها مطبع أو مهرول أو واهم بالسلام. لقد تسربت المياه إلى سفينة التطبيع، إنها «تايتانيك» ضخمة هائلة، تترنح وتتأرجح، تشارف اليوم على الغرق، يراقبها المهرولون بعد أن ظنوها سفينة نوح.
رام الله تنتظر
استمرار الجهود للتوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة، يعنى من وجهة نظر جلال عارف في “الأخبار” أنه ما زالت هناك فرصة لتحقيق الهدنة ووقف تصعيد يعرف الجميع أنه لن يتوقف عند غزة، بل سيمتد حتما إلى الضفة والقدس الأسيرة، وسيفجر الموقف في المنطقة كلها. كانت هناك آمال بتحقيق الهدنة قبل رمضان، لكنها لم تتحقق. ولو أن الولايات المتحدة الأمريكية مارست ضغطا حقيقيا على نتنياهو لكان الأمر مختلفا. لكن السياسة الأمريكية اكتفت بتغيير خطابها، بينما بقي صلب الموقف على ما هو عليه: هدنة مؤقتة وليس وقفا نهائيا لحرب الإبادة، ومساعدات إنسانية لشعب يقتل مع دعم كامل لمن يقتلونه، وشل للإرادة الدولية حتى لا تصدر قرارات نافذة لوقف المذبحة، وفى هذا الإطار يجيء رد نتنياهو متحديا الرئيس الأمريكي الذي قال إن نتنياهو يضر إسرائيل أكثر مما ينفعها بإدارته للحرب في غزة، فيقول له «أنت مخطئ»، وأنا أنفذ رغبة غالبية الإسرائيليين وأحقق مصالح إسرائيل. ثم يعلن أنه ماض في الحرب حتى النهاية، وأنه لا مكان لحماس ولا للسلطة الفلسطينية أيضا في غزة، ولن أسمح بدولة فلسطينية أبدا، هذا يعني أن نتنياهو اختار المواجهة معتمدا على أمرين: الأول هو أغلبية برلمانية يوفرها تحالفه مع زعماء عصابات اليمين المتطرف، وعلى رأسهم بن غفير وسموتريتش، والثاني والأهم هو أن الخلافات مع بايدن لا تمس صلب الدعم الأمريكي لإسرائيل، وأنه ما دام السلاح الأمريكي يتدفق، و«الفيتو»، الأمريكي مضمونا ومنحازا لإسرائيل مهما فعلت، فإن بعض المناوشات الكلامية لا تضر.. بل ربما تنفع في جمع كل قوى التطرف والإرهاب، وراء قيادته وتمنع سقوطه وتؤيد استمراره في حرب الإبادة. الرئيس بايدن يحذر الآن من اقتحام رفح، ومن انفجار في القدس والضفة الغربية في رمضان. ومن توابع ذلك في العالمين العربي والإسلامي، بل وفي العالم كله. لكنه يعرف أن نتنياهو لن يكترث ما دام السلاح الأمريكي يتدفق، والخزانة الأمريكية مفتوحة لدعمه، و«الفيتو»، الأمريكي جاهزا ليمنع العالم من إيقاف حرب الإبادة التي ما زالت أمريكا تؤيد استمرارها، وإن كانت تختلف مع نتنياهو على طريقة إدارتها.. فقط لا غير.
أسوأ رئيس
يعتقد عبد المحسن سلامة في “الأهرام” أن الرئيس جو بايدن هو أسوأ رئيس أمريكى على الإطلاق، وتصريحاته المتناقضة تؤكد ذلك، فهو يقول: «إن اجتياح رفح خط أحمر»، ثم يتراجع عن ذلك، ويقول: «لا يوجد خط أحمر، ولن أتخلى عن إسرائيل». هذا هو بايدن العجيب، والغريب، حيث أدلى بحديث متناقض لشبكة «إم، إس، إن، بي، سي» أجاب فيه عن سؤال حول التهديد الإسرائيلي باجتياح مدينة رفح في جنوب قطاع غزة، لكنه تراجع عن ذلك على الفور قائلا: «لا يوجد خط أحمر، ولن أتخلى عن إسرائيل قط»، مضيفا أنه «تم إرسال سفينة تحمل معدات لإنشاء رصيف بحري في غزة». الميناء نموذج آخر فج لتناقض بايدن، وأكاذيبه، فهو في البداية كان يشير إلى ضرورة فتح المعابر لإدخال أكبر قدر من المساعدات، خاصة معبر رفح، وردت مصر بحسم، ووضوح، معلنة أن الأزمة في الجانب الإسرائيلي الذي يقوم بالتضييق على إدخال المساعدات، وبدلا من أن يضغط عليها يقوم بإلقاء المساعدات من الجو في عملية فاشلة، ومهينة، ليؤكد أن الأزمة في الجانب الإسرائيلي. الآن انتقلت أمريكا إلى طريقة أخرى على طريقة «الحمل الكاذب»، فهي تريد إنشاء ميناء لإدخال المساعدات، وهو الأمر الذي يستغرق على الأقل مدة شهرين يكون الجوع تمكن خلالهما من افتراس أكبر عدد ممكن من سكان غزة، ثم يتم تقديم الغذاء لمن تبقى من السكان تمهيدا لقتلهم على يد النازيين الجدد في إسرائيل. بايدن في الحوار نفسه أكد أنه لا يمكن أن يقوم بقطع إمدادات الأسلحة إلى إسرائيل، ثم يقول إنه يرفض أن يقوم الجيش الإسرائيلي بقتل 30 ألف فلسطيني إضافي، وهو تناقض فج لأنه في حال استمرار تدفق الأسلحة، والمعدات، والدعم المالي على إسرائيل فإنها سوف تستمر في قتل الفلسطينيين، وسيتضاعف العدد إلى عدة أضعاف، سواء من خلال القتل المباشر، كما يحدث الآن، أو غير المباشر نتيجة الجوع، وسوء التغذية، أو نتيجة وفاة المصابين لعدم وجود العلاج اللازم، حيث يعاني ما يقرب من 70 ألف مصاب من نقص العلاج بعد تدمير الجيش النازي الإسرائيلي المستشفيات، ومنع دخول الأدوية، والمستلزمات الطبية، ما يعرضهم لخطر الوفاة. لكل هذا فإن فكرة إنشاء الميناء هي فكرة شيطانية كاذبة على طريقة بايدن المتناقض في أقواله، وأفعاله، رغم دخول الحرب شهرها السادس.
متناقض وكذاب
تصريحات الرئيس الأمريكي جو بايدن غير مفهومة، وبمثابة قنبلة دخان للتغطية على جرائم الإبادة الإسرائيلية بحق الفلسطينيين داخل قطاع غزة، وعلى الرغم من قوة ومكانة الولايات المتحدة الأمريكية في العالم، إلا أن رئيسها وفق ما يصفه كرم جبر في “الأخبار” ضعيف للغاية، ويضغط عليه اللوبي اليهودي بشدة. بايدن يعيش في فترة «البطة العرجاء» التي تسبق الانتخابات، ولا يستطيع فيها أي رئيس اتخاذ قرارات حاسمة، وتكون أيديهم مهتزة، ويتجهون إلى التكتلات أو اللوبي الذي يمتلك الكثير من الأصوات، وفي صدارتها اللوبي اليهودي. مواقف بايدن متناقضة، ولا يعترف بوجود إبادة إسرائيلية في قطاع غزة، ويصر على رفض وقف إطلاق النار، بينما يصرح بإنشاء رصيف بحري في غزة لاستقبال المساعدات، وقد يكون ذلك لاكتساب مزيد من الوقت، حتى تستطيع إسرائيل استكمال الحرب. الرئيس الأمريكي يتحدث بأكثر من لسان، فهو يحاول إرضاء الإسرائيليين أحيانا، والعرب أحيانا أخرى، وفي النهاية لا يرضي أحدا، ولم تعد هناك دولة عربية تقبل التعاون مع إسرائيل، إلا بعد حل القضية الفلسطينية، وإعطاء الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة، وإقامة دولته المستقلة. بايدن يدعو إلى عدم توسيع دائرة الحرب بالقول فقط، ولكن ما تفعله الولايات المتحدة ينذر بتوسيع نطاق العمليات، وتضرب الغارات الأمريكية شمالا وجنوبا من اليمن حتى شمال سوريا. تكلفة الحرب في الشرق الأوسط لن يدفعها الشعب الأمريكي، وعلى أشقائنا العرب الانتباه، لأن أمريكا تصنع الخطر لتدافع عمن يتعرض للخطر، والرئيس الأمريكي السابق ترامب كان شديد الوضوح في التصريح بأن أمريكا لا تقدم خدمات الحماية الأمنية مجانا. الولايات المتحدة تكرر أخطاءها الكارثية، وتفتح الطريق أمام إحياء الجماعات الإرهابية من جديد بعدما أنشأتها وتم القضاء عليها، بسبب الأفعال التي تقوم بها بداية من الدعم الأعمى لإسرائيل، وضرب الحوثيين الذي لم يقصد به التخلص من مخاطرهم، لأنها تدعمهم منذ سنوات، ولكن المقصود سيطرة أمريكا على البحر الأحمر.. الموقف المصري من البداية هو الثابت والواعي لكل المخاطر، ومنذ لقاء الرئيس مع المستشار الألماني بعد أيام قليلة من «طوفان الأقصى»، أكد عدم السماح بتهجير الفلسطينيين، لأنه سوف يشعل المنطقة بالكامل، فقد تصبح سيناء قاعدة لضرب إسرائيل، وهذا ما سيؤدي إلى دخول المنطقة بالكامل في حروب وصراعات لا تنتهي.
خيالهم مريض
من الخيال ما يوصفُ بأنه مريض. والخيال المريض مستوياتُ متفاوتة، كما يخبرنا الدكتور وحيد عبد المجيد في “الأهرام”: يبدو أنه بلغ أعلى مستوى في أوساط الحكومة الصهيونية التي تتخبط في قطاع غزة، ولا يستطيع رئيسُها وأعضاؤها سوى اللجوء إلى مناوراتٍ دعائية مكشوفة. وإذ سيطر الوهمُ على أذهانهم، فقد شطح خيالُهم إلى أبعد من تسيير الأوضاع في القطاع بطريقتهم، عن طريق خونة يُجندَّونهم ويُسَّمونهم إدارة مدنية. فقد وصل خيالهُم المريض إلى أنهم سيكتبون خُطبة الجُمعة أيضا. اضطرابُ وهامي Delusional تزداد أعراضُه بمقدار ما يستمر الفشل في إخضاع القطاع وأهله والقضاء على المقاومة الباسلة فيه. بدت هذه الأعراضُ واضحة وحادة على إسرائيل كاتس، الذي يُقال إنه وزير خارجية الكيان الصهيوني، رغم أن بلينكن لم يترك له من مهام هذا المنصب شيئا يُذكر. تحدث كاتس هذا قبل أيامٍ في مقابلةٍ مع قناة 14 العبرية. دافع بضراوةٍ عما يُسميها نتنياهو خطة اليوم التالي، التي تتضمن إقامة إدارة مدنية تابعة للصهاينة، وأكد أنها مدروسةُ وشاملة. هكذا وصف كلاما مُفككا مكتوبا بسرعةٍ وتعجلٍ في صفحة واحدة ونصف الصفحة قال، إن الصهاينة يستطيعون عن طريق هذه الخطة فرض وضع جديد تماما في القطاع، إلى حد أنهم سيكتبون خُطبة الجمعة لأئمة المساجد فيه، إلى جانب تغيير مناهج التعليم كليا وليس تعديلها فقط، في إطار ما سماها تربية ضد التطرف والعنف. وهذا بعض ما يتجلى حين تشتدُ أعراض الخيال المريض أو الاضطراب الوهامي الذي يبدو أنه بات مكشوفا حتى لمحللين إسرائيليين سخروا من خطة اليوم التالي، وآخرين اكتفوا بنقدها بغير تهكمٍ زائد. وكانت لوعا لينداو الكاتبة في صحيفة «هآرتس» أكثر الساخرين منها في تحليلها المعنون «مع بيبي.. اليوم التالي هو نفسه اليوم السابق». وبيبي هذا هو بنيامين نتنياهو، الذي سخرت لنداو من خطته لمستقبل قطاع غزة في إطار تحليل سياسي سعت فيه إلى إثبات كيف أنها تعتمدُ على تلاعب بالكلمات في محاولةٍ لإخفاء حقيقة أنها تفتقرُ إلى أي معنى، وخلصت إلى أن خطة نتنياهو لليوم التالي هي أنه لا توجد لديه خطةُ واقعية.
نكبة الديون
لا شك أن الاتفاق على هذا المشروع يسهم في منح الاقتصاد المصري فترة التقاط أنفاس، فبدلا من تحمل ذلك الهم المقيم حول كيفية سداد التزاماتنا الخارجية هذا العام، فإنه سيوفر وخلال شهرين ـ كما صرحت الحكومة ـ بما يكفي على الأقل للتخفيف من هذا العبء. وأكد الدكتور مصطفى كامل السيد في “الشروق”، أنه لا يستطيع أحد أن يجزم بالقدر الذي سينخفض فيه عبء سداد قيمة الأقساط وخدمة الدين الخارجي هذا العام، الذي تتفاوت تقديرات كل التزاماتنا الخارجية تفاوتا واسعا يتراوح بين 24 مليار دولار و42 مليارا و69 مليارا عندما ندخل ما يجب دفعه لشركات البترول الأجنبية العاملة في مصر، وترحيل أرباح المستثمرين الأجانب، لكن تثور تساؤلات مهمة لا تشفع في الإجابة عنها قلة المعلومات التي كشفت عنها الحكومة بالنسبة لهذا المشروع؛ فما هو أولا الأساس القانوني لبيع الحكومة مساحة واسعة تصل إلى 170 مليون متر مربع؟ حتى لحظة كتابة هذه السطور لم يُناقش هذا المشروع في مجلس النواب، ولم يصدر بشأنه قانون، ولذلك نحن لا نعرف الأساس القانوني الذي استند إليه. صحيح أشارت بعض التقارير الصحافية إلى أن الأراضي التي تخلت عنها الحكومة للشركة القابضة التي ستدير المشروع هي من بين الأراضي الخاصة بإحدى الوزارات السيادية، ويتعلق التساؤل الثاني بما إذا كان هذا المشروع يشكل خروجا عن نمط النشاط الاقتصادي، الذي أصبح النشاط الأثير للدولة ولشركات القطاع الخاص الكبرى، وهو ببساطة الاتجار بالأراضي، الحكومة تبيع الأراضي في العاصمة الإدارية وفي العاصمة الصيفية في العلمين، وتحتجز هذه الإيرادات بعيدا عن موازنة الدولة، والشركات الكبرى في القطاع الخاص، هي شركات المقاولات التي تحصل على الأراضي من الدولة، وتبيعها للمواطنين في صورة مساحات يقومون ببنائها للسكن أو العمل أو في صورة مساكن فاخرة وشقق سكنية في المنتجعات الجديدة في المدن الكبرى والساحل الشمالي.
وصلنا لهنا
هكذا بدلا من أن تنشغل الحكومة بدفع التنمية الصحيحة بالقفز بالإنتاج الصناعي والزراعي والخدمات الإنتاجية، نجدها بكل أجهزتها ومعها الشركات الكبرى في القطاع الخاص منهمكة، وفق ما أخبرنا الدكتور مصطفى كامل السيد في الاتجار بالأراضي، ولذلك تصبح قطاعات الزراعة والصناعة التحويلية هي من أقل القطاعات نموا، بينما هي تحديدا ما تتطلبه التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهي التي تكفل سد الفجوة بين وارداتنا وصادراتنا، على نحو يجنبنا الوقوع في أزمة المديونية التي لا نعرف كيف سنخرج منها، فبعد دفع 35 مليار دولار من الشركة القابضة لهذا المشروع هذا العام، علينا أن ننتظر اكتمال المشروع، الذي سيستغرق سنوات، لكي نحصل منه على 35% من أرباحه، بعد أن تعيننا الحيل في سداد المديونية الخارجية المستحقة هذا العام. صحيح أن مخطط مشروع رأس الحكمة يتضمن منطقة صناعات متقدمة، لكن خبرة كل الشركات الداخلة في المشروع تقتصر على إقامة المنتجعات الفاخرة، والدعاية للمشروع تركز على ما سيشيده من منتجعات فاخرة وسلسلة فنادق عالمية ومرسى لليخوت ومطار لاستقبال السياح، ولا توجد أي تفاصيل عن هذه المنطقة الصناعية. ومع الاعتراف بأن هذا المشروع يمكن أن يولد طلبا على منتجات شركات البناء والطرق، ويزيد بالتالي من الطلب على العمالة في هذه الشركات إلا أن ذلك لا ينفي أن مشروع رأس الحكمة على ضخامته وطموحه هو استمرار لتوجه السياسات الاقتصادية نفسها طوال السنوات العشر الأخيرة، بينما يدعو خبراء الاقتصاد إلى الخروج عن هذا النمط الذي أورثنا الوضع الاقتصادي المأزوم الذي شكل همنا الكبير طوال الشهور الماضية، وهناك فهم مهم للتنمية يسعى لإدماج المجتمعات التقليدية في عملية التنمية، بحيث تستفيد منهم ويستفيدون منها. لن يضير مشروع رأس الحكمة الإبقاء على المجتمعات التقليدية في المساحة المخصصة له مع تطويرها، وتصبح هي بدورها منطقة جذب فيه. أذكر أنه أثناء زيارتي لمدينة الدوحة عاصمة قطر، وهي مدينة ناطحات سحاب، كان زوارها ومواطنوها ومواطناتها يجدون سعادتهم عندما يتجولون ويترددون على مقاهي ومطاعم الحي الذي أعيد بناؤه ليضاهي الدوحة القديمة، وهذا هو الدرس الذي تعلمته من خبراء تخطيط المدن الإيطاليين، الذين عملت معهم سنتين في روما. كانوا يرون أن تطوير الأحياء والمدن القديمة هو بالحفاظ على طابعها واستمراره إلى جانب الأحياء والمدن الجديدة.
العجز المزمن
الاقتصاد المصري، كما شخصه الدكتور مدحت نافع في “الشروق”، يعاني عجزا توأما مزمنا في كل من الموازنة العامة وميزان المدفوعات (تحديدا ميزان التجارة). يتغذى العجزان على موارد الدولة بصفة منتظمة ومتزايدة، بما يضاعف أزمة الدين العام، الذي يعد المصدر الرئيس لتمويلهما. هذا الوضع المتأزم يجعل الاقتصاد أكثر انكشافا على العالم الخارجي، وأكثر هشاشة لدى التعرض لأي صدمات خارجية، مثل الاضطرابات والحروب والجوائح. يقلل من تلك الهشاشة تنوع وكبر حجم الاقتصاد المصري، ولكن استدامة التنوع وكبر الحجم تقتضي مزيدا من الانكشاف على العالم الخارجي، خاصة مع التطور التكنولوجي والمعلوماتي السريع. وهكذا تستمر الدائرة المفرغة للعجز الخارجي والداخلي دون انقطاع، إلى أن يتدخل صانع القرار بشكل عملي لعلاج المرض الأصلي، والتوقف عن التعامل المنفرد مع الأعراض النقدية والمالية، في معزل عن أزمة ضعف الإنتاجية، التي تلجئنا باستمرار إلى الخارج. القرارات التي اتخذها البنك المركزي مؤخرا تدور حول موجة عنيفة من التشديد النقدي (عنيفة لأنها تأخرت)، برفع أسعار الفائدة 600 نقطة أساس دفعة واحدة، وطرح شهادات بنكية بعائد استثنائي، وتخفيض سعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار بنحو 60% مع وضع سقف مرحلي لا يزيد على 50 جنيها للدولار في ظل تعطش شديد للأسواق. هذا السقف المرحلي أتوقع أن ينخفض تدريجيا، بعدما تعوض المصارف جانبا من خسائرها في تدبير العملة خلال الفترة الماضية، وبعدما تخف حدة النهم الدولاري، حتى تصل الأسعار إلى المستوى التوازني الأكثر تعبيرا عن سعر الصرف الحقيقي الفعال، وتماثل القوى الشرائية.
لم تبدأ
لست هنا والكلام للدكتور مدحت نافع في موقع الرجم بالغيب، أو التنبؤ غير المدعوم بنماذج قياسية، كتلك النماذج التي كنت أبنيها لدى عملي سابقا في مركز المعلومات، ودعم اتخاذ القرار، وكنت حينها أدير وحدة للتنبؤ بسعر الصرف. ولكن المؤشرات الأولية للعقود الآجلة غير المسلمة، وبعض المعاملات المؤيدة بالسيولة في أسواق الصرف الموازية، تشير إلى مستوى توازني أقل بنحو 20٪ على الأقل من السعر السائد في اليوم الأول للتحريك. السلطة النقدية في مصر لم تتخذ تلك القرارات الجريئة إلا بعدما توافرت لديها سيولة دولارية مناسبة، تعطى مساحة لتحريك سعر الصرف بصورة أكثر مرونة، هي أقرب إلى مفهوم الربط المرن soft peg. ولأن تلك الحصيلة مرتبطة بتدفقات رؤوس أموال أجنبية في مشروعات بعينها، فلا أمل في أن تستدام بمعزل عن سياسات مالية وتجارية انكماشية مكملة، وسياسات تصحيح هيكلي، تؤسس على تعميق المكون المحلي في الإنتاج الصناعي والزراعي، وتوطين العديد من الصناعات التي تستنزف العملة الصعبة. انكماش السياسة المالية لا يجوز له أن يتطرق إلى الإنفاق ذي الطابع الاجتماعي، المطلوب لتعويض الشعب عن بعض ما يعانيه من أزمات اقتصادية طاحنة، وللحد من وقوع المزيد من المصريين تحت خط الفقر المدقع. لكن أولويات الإنفاق يجب أن تستبعد الكثير من المشروعات الكبرى، التي تستنزف الموارد الدولارية الشحيحة، وتتطلب إنفاقا متزايدا للإنشاء والصيانة، يفوق بمراحل أي عائد في الأجل المنظور (ما يطلق عليه مشروعات الفيل الأبيض). لا يكفي هنا أن يشير السيد رئيس الوزراء إلى توقف المشروعات غير المكتملة التي لم ينفق عليها 75% من التكاليف وتلك التي لم تبدأ بعد.
صنائع المعروف
أكثر من 6.5 مليار جنيه حجم تبرعات المصريين لكل الجمعيات الأهلية سنويا، حسب دراسة أجراها مركز معلومات مجلس الوزراء حول العمل الخيري للأسر المصرية، وهو مبلغ حسب الدكتور محمد صلاح البدري في “الوطن” تدفق من 15.8 مليون أسرة مصرية يشكلون 86٪ من إجمالي عدد الأسر على مستوى مصر.. أرقام عظيمة إن دلت على شيء فهو حجم الخير في قلوب المصريين.. وتؤكد أن التكافل صفة متأصلة في داخلهم ولو أنكر البعض أنها موجودة. الرقم يبدو مهولا بالفعل.. ولكن إذا وضعنا إلى جانبه أنه يخدم أكثر من عشرة ملايين مواطن لا تتمكن الحكومة من الوصول إليهم.. وأن أوجه الصرف تتم مراقبتها بكل وضوح ودقة من وزارة التضامن الاجتماعي والرقابة الإدارية.. سندرك أنه منطقي.. وسندرك أننا نحتاج أضعافه لتغطية العديد من الاحتياجات لأبناء هذا الوطن في ظل الظروف الاقتصادية العسيرة على الجميع.. اللافت أن شهر رمضان تحديدا، أصبح الموسم السنوي للجدل حول قيمة هذه الجمعيات وأهمية التبرع لها.. بل أصبح الميعاد المتكرر للنقاشات حول أحقية جمعية دون الأخرى بالتبرع. فالبعض يدعو لمقاطعة الأورمان لصالح مصر الخير.. والبعض الآخر يرى أن مركز الدكتور مجدي يعقوب أحق من مستشفى سرطان الأطفال 57357. الكل يحاول أن يوجه لمكان ما بتوجيه الانتقاد لمكان آخر.. ودون أن يدرك أن كل الأماكن تحتاج.. وأن تبرعك لمكان لا يحتاج بالضرورة أن ترفض الآخر.. لقد كان الإعلان عن إطلاق التحالف الوطني للعمل الأهلي والتنموي منذ سنوات أفضل ما تم إنجازه في هذا المجال من وجهة نظري.. فقد أصبح هذا الكيان منظما للعمل بين المؤسسات بشكل كبير.. وأصبح الجهد المبذول من الجميع منظما غير متداخل.. وما يتم إنفاقه بات موزعا بين أوجه الإنفاق بشكل أكثر اتزانا.. وكانت مبادرة «كتف في كتف» التي تمت في العام الماضي خير دليل على هذا التنسيق..
التأجير التمويلي
تعودنا من البنك المركزي المصري على مدار سنوات طويلة سابقة وفق ما أخبرنا الدكتور محمد عادل العجمي في “الوفد” عدم صدور أي قرار إلا بعد مشاركة من سيطبق عليهم هذا القرار، سواء كان بنوكا أو شركات تعمل في السوق. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يفتح الباب بعد تطبيق القرار، ليأخذ استفسارات وتساؤلات المنوط بهم تطبيق القرار، ليضمن الهدف الذي من أجله صدر القرار، حيث إن قرارات المركزي ليست عشوائية، وإنما هناك أسباب دفعت لهذا القرار، وبالتواصل والحوار يكون قرار المركزي فعالا. ومؤخرا وبالتحديد في 29 فبراير/شباط 2024 صدر قرار من البنك المركزي كان مفاجئا لصناعة التأجير التمويلي، أغضب شركة التأجير التمويلي، ووصف بأنه قرار مدمر للصناعة، هذا إلى جانب أن معظم شركات التأجير التمويلي تشارك فيها البنوك نفسها ما يعني أن رقابة المركزي حاضرة وقوية بحكم رقابته للبنوك. فمن الضوابط التي أصدرها المركزي «ألا يتجاوز إجمالي التسهيلات الائتمانية المباشرة وغير المباشرة والاستثمارات في محافظ التوريث، لشركات التأجير التمويلي نسبة 5 في المئة من إجمالي محفظة القروض والتسهيلات الائتمانية للبنك، ولا تتجاوز 1 في المئة لشركة التأجير التمويلي الواحدة، ودون الاختلال بتعليمات الحدود القصوى للعميل الواحد والأطراف المرتبطة». وهذه التعليمات وفقا للاتحاد المصري للتأجير التمويلي يصيب الصناعة بالشلل والتوقف التام، ويأتي في توقيت صعب، حيث يفترض زيادة التمويل لهذه الشركات في ظل الارتفاع الكبير في الأسعار وانخفاض القيمة الشرائية للجنيه المصري. وإذا وضعنا في الاعتبار أن دور هذه الشركات مكمل لدور البنوك مثل شركات التمويل العقاري، والتمويل متناهي الصغر وغيرها، وكله يصب في صالح دفع عجلة الاقتصاد التي نحتاجها في هذا التوقيت خاصة مع توقف بطء الائتمان بعد القرارات الأخيرة للبنك المركزي المصري برفع الفائدة 6 في المئة وتخفيض قيمة الجنيه.
تداعياته لا تنتهي
هذا القرار الذي لفت الاهتمام له الدكتور محمد عادل العجمي تترتب عليه مشاكل كثيرة ستواجه قطاع التأجير التمويلي منها: التوقف عن تمويل العملاء، وتوقف تمويل جميع العمليات المبنية على تمويل مستخلصات مستقبلية تم الاتفاق عليها مسبقا في ظل الموافقة الائتمانية، وتعثر هؤلاء العملاء، وعدم القدرة على التوريث، التى أصبحت جزءا من محفظة القروض والتسهيلات البنكية. ووصف الاتحاد المصري للتأجير التمويلي بأنه قرار مؤلم ومفزع وصادم، ويعد بمثابة إيقاف للنشاط بطريقة غير مباشرة، ويضر بقطاع كبير يعمل به الآلاف من الموظفين، ومتصل بالعديد من الأنشطة الخدمية الأخرى، مثل شركات التأمين والمراجعين الخارجيين وعقود الصيانة والمقيمين والمكاتب الاستشارية وغيرها. والتأجير التمويلي يخضع لرقابة الهيئة العامة للرقابة المالية، التي يمثل رئيسها في عضوية مجلس إدارة البنك المركزي، وهناك العديد من الضوابط التي وضعتها الهيئة من أجل الحفاظ على أموال المساهمين والمقرضين، خلاف ما تقوم به البنوك من ضوابط رقابية قبل منح الائتمان لهذه الشركات مع الأخذ في الاعتبار أن شركات التأجير التمويلي والتخصيم، لا توجد لديها مصادر تمويل غير البنوك ورؤوس أموالها، ما يجعل تمويل البنوك أداة مهمة من أجل استمرار شريان الحياة لهذه الشركات. والمطلوب من محافظ البنك المركزي حسن عبدالله، التواصل والحوار مع شركات التأجير التمويلي، من أجل توضيح سبب صدور القرار، وعلاج الأسباب التي من أجلها صدر القرار لحماية هذه الصناعة، وإذا كان هناك من أخطاء يجب أن يكون العقاب فرديا وليس جماعيا.