المَعْرفة الأدبيَّة وَالخطابُ الأدبيُّ

حجم الخط
0

حسب المقام التداولي، الذي يتراوح بين الشفهي والكتابي، تتلوَّن المعرفة الأدبيَّة. غير أنها لا بد أن تمر عبر قنوات معرفية توصل للقارئ المعارف والتجارب والصور أيضا. وفي هذا الاتجاه يظل الخطابُ رصيدا معرفيا نحو التواصل الجيد والشامل ؛ لبناء مجتمع إنسانيٍّ أساسه القيم الأخلاقيَّة والانفتاح على السُّلوك الحضاري المميز .
بالموازاة مع ذلك، فالمعرفة الأدبيَّة لها ارتباط جامد بالنص الأدبي، من حيث هو سلسلة من الكلمات والعبارات، كتابية أو شفهية، يؤلف بينها ظلال المَعاني. بما هي ـ أي المعاني ـ تشكيل وتصوير وتلحين بديعي مميز، الهدف منه تثبيت المعنى في سياق معين من جهة؛ وإقناع المخاطب من جهة ثانية. فمن بين أهم القنوات والجسور، التي يُشيد عليها الإنسانُ صرحه التواصلي نجد: المعرفة البلاغيّة، في هذا الباب، قسيمة المعرفة الأدبيَّة. إن إبداعَ النصوصَ تجعل من الخبر والإنشاء ركنا أساسيا في إنتاج المعارف وتداولاتها. لاسيما أن النصَّ الأدبيَّ لا يكاد يخلو من تقديم أخبار ومعارفَ جاهزةٍ مكتشفة ومستنبطة من ثناياه، فضلا عن احتمالها الصّدق أو الكذب، حسب المطابقة الواقعيَّة للخبر. أما الإنشاءُ فهو استفزازٌ وخلخلة ُمعارفٍ ومعانيَ المتلقي، بل توريطه في إنتاج المعرفة الأدبيَّة نفسِها؛ ويسعى، في مقام آخر، نحو التشكيك في القدرات المعرفية لدى القارئ الحصيف، لذلك أصبحت المعرفة الأدبيَّة لعبة مُخاتلة، يتناوب في حياكتها الخبرُ والإنشاءُ .
غير أن السؤال الإبستمولوجي الذي أرَّق الباحثين هو: هل الكتابة سابقةٌ على المعرفة المطلقة؛ أدبية أو غير أدبية؟ في هذا المستوى تظل المعرفة القبليْة طريقا نحو استكشاف ما ينتجه الخبرُ والإنشاءُ نفسُه من معارفَ ودلالاتٍ عن طريق البناء المعرفي. ولكي يتم حفظ وتأصيل المعارف الأدبيَّة وصَونها، بهدف استمرارها، ووقوفها أمام صروف وعوادي الزمن؛ فمن الواجب، بل من الضروري أن تكتسي المعرفة الأدبيَّة شراشيفَ بلاغية. إن استمرارية الخطاب المعرفي في وسعه الزمني رهينٌ بتوفره على مكونات ذات الصّلة بعلم البلاغة؛ وتبعا لذلك يأتي علم البيان والاستبانة والوضوح والجلاء في مقدمة هذه العناصر البانية للمعرفة، فضلا عن تثبيت المعارف، في الأذهان، بواسطة توظيف صور خيالية، يسوقها الخطابُ في منظوماته ومسبوكاته .
ومن جانب آخر، فللمحسناتِ البديعيّة، في علم البلاغة، يدٌ طولى في صَوْن المعرفة الأدبيَّة أيضا. وذلك عن طريق خلق توازن؛ صوتي ودلالي وتصويري، منبعهُ الجناس والسَّجع والطـِّباق والمقابلة وغيرها من المحسِّنات. والحالة هذه، أضحى الخطابُ الأدبي يوظف، بغزارة، في النصوص الحجاجيّة والإقناعية بُغية استمالة المتلقي وإقناعه. إن مضمونَ الخبر، في هذا السياق المركب، يستوجبُ المعرفة بخبايا علم الخطاب من جهة، والاطلاع على أحوال المخاطـَب من جهة ثانية. فالطـّريقة البنائية للخبر المعرفي تراعي الحالة الذهنية للمخاطـَب، كما هو معروف عند علماء البلاغة، فهو قد يكون خالي الذهن أو مترددا وشاكا أو ناكرا وجاحدا، وهو أعلى درجات الجحود والإنكار في تلقي الخبر. ونتيجة لذلك، ما كان للخطاب إلا أن يراعي أحوال المخاطب وحالته الذهنية؛ وهذا هو وصيد تداولي وتواصلي في الخبر المعرفي.
وتبعا لذلك، فالخطاب هو جزء لا يتجزأ من المعرفة الأدبيَّة. جاء في لسان العرب مادة خطب: مخاطبة ومشاورة، فضلا عن انتقال المفهوم من الصفة الشفهيّة إلى الكتابيّة مع اللسانيات الحديثة، والسيميائيات الوظيفية، اللتين يعود إليهما الفضلُ في توسيع مجالات توظيفه. لاسيما أن الخطاب ارتبط معهما بالأثر، الذي يحدثه في التلقي المعرفي. وفي السياق ذاته، يعتبر تحديد موضوع الخطاب، حسب الدارسين، وجها آخر لتطوير المعرفة الأدبيَّة. من حيث إنها تتقاسم والخطابَ مجموعة من الحوافز والمؤشرات، في مقدمتها توالي فواصل الجمل في الخطاب وفي المعرفة الأدبيَّة. وبناء على ذلك يعود الفضل لهذا التوسيع الوظيفي إلى اللسانيّين هاريس وبنفنست؛ اللذين خرجا عن نطاق الجملة، التي تحاصر الخطابَ في شرانقَ ضيقة، إلى مجالات أرحبَ وأوسعَ متعلقة باللغة والثقافة والمجتمع. وعلى الرغم من هذه المغامرة، التي أقدم عليها اللسانيان، والتي أسفرت عن اندغام الخطاب بالمعرفة الأدبيَّة، تظل هذه الأخيرة مشدودة بعُرى بلاغية وثيقة، تجعل من الأدب يكتسب أدبيته انطلاقا من بنائه الداخلي. وعلى غرار هذا، تفرض اللسانيات الفرنسية ذاتها من خلال تحليلات سوسير للخطاب الذي اعتمد، في مقاربته للمعرفة الأدبيَّة، على المعجم والدلالة دون اللـُّجوء إلى ما هو خارج نصي. أمّا الخطاب عند الأنكلوـ سكسونيين، وخصوصا مدرسة «بيرمنغهام»، يُتوَّج بالحوار الداخلي. بمعنى أن الخطابَ هو الحوارُ أو المونولوج. وفي ثنايا هذا الأخير، يسعى الخطابُ نحو الكشف عن الدلالات ووظائف الرّموز والأيقونات، التي تبني المعرفة الأدبيَّة. إن التـَّركيزَ على الحوارِ، باعتباره أهم مكون من مكونات بناء النص المسرحي، مؤشرٌ قويٌّ عند الأنكلوـ سكسونيين، على الدور الأسْنَى الذي تنهض به رسالة المسرح في بناء الثقافة الإنسانيّة عامة ؛ لاسيما وأنه أضحى من أهم متطلبات الحياة العصريَّة. علاوة على توظيفه واعتماده، بشكل كبير، على الفنون الأدبيّة من: شعر وأحدوثة وقصة ورقص وغناء وموسيقى. وبمقتضى ذلك، تأصّرت الثقافة الأدبيَّة الحديثة بالموروث الثقافي المسرحي القديم على عهد اليونان، حيث إن فن التراجيديا شق طريقه بثبات وعزم وإصرار مع مسرحية « أوديب ملكا « للشاعر اليوناني سوفوكليس، حيث يعود إليه الفضل في ظهور الممثل الوحيد في احتفالات «الديثرُمب». غير أن الاهتمام بالحوار كمقابل للخطاب في الثقافة الأنكلوـ سكسونية يعتبر، في حد ذاته، اعترافا ضمنيا بالروابط التاريخانيّة للثقافة الأدبيّة من جهة، وامتدادا شرعيّا لفن المسرح على عهد ويليام شكسبير في القرن السَّابع عشر الميلادي من جهة أخرى. والحالة هذه، تظل أهم مسرحياته «روميو وجولييت» و«هاملت» وغيرها صياغة فنيّة للتـّجربة الإنسانيّة في الثقافة والأدب على امتداد عقود من الزمن.
وبناء عليه، تغدو الثقافة الأدبيَّة على ارتباط كبير بالإبداع الثقافي عامة، بل وجها آخر لمختلف تمفصلات وتمظهرات الخطاب. إن العلاقة َ، التي تؤلف بينهما، ومهما التبست في جوهرها، تصبح وشيجة تؤصِّر الكلمة في الحمولة الفكرية للخطاب، بما هي ـ أي الحمولة الفكرية ـ تتلون حسب الوظيفة التداوليَّة التي تقوم بها، لذا أصبحنا أمام تعدد استعمالات الخطاب ؛ من الخطاب الشعري إلى الخطاب التداولي مرورا بالخطاب الديني والسياسي والفلسفي والروائي والمسرحي والإشهاري وصولا إلى الخطاب المقدماتي لكل الفنون الأدبيَّة. وتبعا لذلك، فالحمولة الفكرية لا يزيغُ عنها التصوير قيد أنملة، بل أصبح، هذا الأخير، الخيط الناظم الذي ينسج حلقاتها في وفاق تام. إن توسيع الوظيفة البلاغية، التي تربط بين مختلف تمظهرات الخطاب، تعيده إلى أصله الأدبي، ومن ثم يخلق جسورا للحوار؛ ويكون منبعا ثرا للتواصل الإنساني الدائم .
وعلى نحو آخر، فالتصوير فصيلٌ بلاغيٌّ بامتياز. يخلقُ لـُحمة بين معنيين للكلمة الواحدة، بمعنى يربط ـ أي التـَّصوير ـ وشائجَ وأواصرَ بين المعنى الحقيقي والمجازي للكلمة الواحدة بغرض المشابهة والتـَّماثل، وهذا في البلاغة الإصطلاحيَّة؛ الخالية من شوائب العلوم الأخرى. وفي هذا المنحى، نجد التشبيه والاستعارة والمجاز اللغوي والكناية تستعمل كأدوات للتصوير في الفنون اللغوية. ومع ثورة الحداثة ارتأى رومان جاكبسون، أن يزرع الفتنة في سِدْرة المنتهى، حيث وسع من مفهوم التصوير البلاغي، خصوصا الاستعارة، باعتبارها توليفا للمعنيين بغرض التماثل لا التجاور. لهذا السبب، وضع رومان جاكبسون الثقافة الأدبيَّة بين خيارين؛ إما أن تهيمن عليها الاستعارة، فهي مؤشر دال على المدرسة الرومانسية والرمزية، التي تعتمد على مبدأي التماثل والتشابه. وإما أن يطغى عليها المجاز المرسل، الذي يجعل من المجاورة بين المعنى الحقيقي والمجازي للكلمة أهم الأسس، التي يتم بها بناءُ صرح الثقافة الأدبيَّة. وعلى هذا النحو تأتي المدارس الواقعية، تقتفي أثر المجاورة بعيدة كل البعد عن الاستطرادات المجازية، فضلا عن نقلها الواقع كما هو في الحقيقة. وهكذا، سحب جاكبسون البساط من تحت أقدام الفنون اللغوية، ليقذف بها في أتون الأنظمة التواصلية غير اللسانيَّة ؛ كي تنضج على نار هادئة. فما كان للرسم والسينما والحلم واللاشعور، كدوالٍ فرضتها تطورات الثقافة الأدبيّة، إلا أن تنتزع حرارة التواصل غير اللسني، موسعة زوايا النظر وأبعاده إلى الإنسان والتاريخ والكون.

٭ كاتب من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية