المُتخيل وأسطرة الشخصية الروائية في «طائر القشلة»

الحدث هو واقعة أو سلسلة من الوقائع المجردة، التي قد تمثل حقيقة راهنة أو تاريخية، لكن لا يمكن لهذا الحدث أن يأخذ مداه في الذاكرة الجمعية الإنسانية ما لم يؤطر بالتفاصيل التي أحاطت به وعملت على صياغته، أي السببية التي أدت إلى نشوئه وحركة الأبطال ضمن حدوده، حسب توصيف جيرالد برنس، وفي غياب التفاصيل الحقيقية والدقيقة عنها، يمكن للمُتخيل أن يحل محلها، وفق السياق العام للحدث الرئيسي، المبني على استقراء الواقع واستخراج الكليات من الجزئيات والعكس، وهذا الأمر ينعكس بصورة مهمة على الفن الروائي، الذي يعتمد السرد المُسهب والخوض في التفاصيل كأساس له، كي تتضح الرؤية لدى القارئ.. في رواية «طائر القشلة» للروائي شاكر نوري الصادرة سنة 2019 عن دار المؤلف، نلاحظ هيمنة المُتخيل الفني على النص، الذي احتل المساحة الأكبر منه، مع إبقاء فسحة صغيرة للحدث الرئيسي، وهو مقتل البطل غدير، الذي استوحاه الروائي من حادث مقتل ممثل مسرحي عراقي شاب على يد مجموعة مسلحة مجهولة، تميز النص بمحوريته وعدم تشظيه إلى ما هو أبعد من حدود الزاوية التي أراد لنا الكاتب أن نطل من خلالها على الحدث الرئيسي، عبر مجموعة من الفنانين والمثقفين (مخرج مسرحي، أستاذ جماليات، رسام، صحافي، ممثلة مسرحية) إضافة إلى البطل (غدير) الذي كان ممثلا وكاتبا مسرحيا، هذه المجموعة النخبوية التي اختارها شاكر نوري تعكز عليها للإفصاح عن آرائه وأفكاره ونظرته للمشهد العراقي بعد الاحتلال الأمريكي 2003، فكانت رؤية سوداوية أحادية تحمل جزءا مهما من الحقيقة القائمة، جمعت كل هؤلاء وفق نسق حكائي واحد غلب عليه الرؤية الناضجة واللغة العالية ووعي قائم امتلكه أبطال الرواية اتجاه محيطهم الاجتماعي العراقي، الذي يمثل نظرة سلبية قاتمة، هم عاجزون عن إيجاد حلول لمشاكله.. لذا نجد البطل غدير استعان بالمسرح أملا منه في إيقاد شمعة وسط الظلام الحالك الذي يحيط بهم، في محاولة سيزيفية غير مجدية لترميم مجتمعه، عبر رسالة المسرح الإنسانية، بمساعدة حبيبته (أصيل)، التي تميزت شخصيتها بكونها ساكنة على امتداد النص، ارتبط حراكها بثوابت المكان ومعطياته وشخوصه المؤثرة.
تبدأ الرواية وفقا لتقنيات الارتداد والاستذكار والاسترجاع الداخلي، حسب تصنيف جيرار جينيه، حين تقوم (أصيل) حبيبة البطل غدير باستذكار الماضي واستحضاره من بؤرة الحدث المركزي وهو المسرح، الذي كانت تمثل على خشبته مع غدير قبل أربعين سنة خلت، ثم تنطلق الرواية وفق نسق حكائي ثابت متعدد الأصوات (بوليفونية) اعتمدها السارد الضمني وهي أصيل التي عاشت الحدث وتفاعلت مع وقائعه ومعطياته الحسية والمادية، ومجموعة من الساردين الضمنيين الثانويين الذين مثلوا مجموعة الأصدقاء، إضافة إلى صوت البطل غدير، وهذه من السمات المهمة التي يتمتع بها أدب شاكر نوري، الذي غالبا ما يلجأ لهذا الأسلوب السردي في رسم الأطر العامة لنصوصه الروائية، عبر زج مجموعة من الأبطال الثانويين الذين يأخذون دور البطل الظل في نصه بطريقة تكاملية لتعضيد فكرته، كما في رواية «خاتون بغداد»، حيث يعمد إلى اختيار هذه الشخصيات بدقة ويرسم ملامحها من خلال ما تطرح من أفكار ورؤى وتصورات عن واقعها المعاش، وبذلك يجعل نصه يسير باتجاه واحد نحو أفق مشترك بعملية تبئير يشترك الجميع فيها بغياب تام (للضد).

«طائر القشلة» رواية سلطت الضوء على حقبة مهمة من تاريخ العراق المعاصر، وما نتج عن الاحتلال الأمريكي له من فوضى أدت إلى ظهور أنماط حياتية غريبة عن طبائع مجتمعه وأعرافه وقيمه.

«طائر القشلة» رواية سلطت الضوء على حقبة مهمة من تاريخ العراق المعاصر، وما نتج عن الاحتلال الأمريكي له من فوضى أدت إلى ظهور أنماط حياتية غريبة عن طبائع مجتمعه وأعرافه وقيمه، وبالأخص البغدادي منه، غدير الشاب الجميل المثقف المسرحي المتحرر من قيود محيطه أراد أن يختط لنفسه نمطا حياتيا مخالفا للمألوف، فانعكس ذلك بوضوح على ملبسه ومظهره العام وأفكاره وآرائه وعلائقه الاجتماعية، فأدى ذلك إلى مقتله، وبذلك أراد الكاتب من خلال هذه الشخصية الجدلية أن يعيد صياغة المفاهيم الأزلية العامة، وإسقاطها على أرض الواقع مرة أخرى (الحب، الخير، الجمال، الفضيلة، السلام) متخذا من غدير نافذة للإطلالة على واقع مأساوي، قد بالغ بعض الشيء في تصويره عبر وقائع جانبية مُتخيلة أطرت الحدث الرئيسي وهو مقتله، غير أنه لم يوفق في خلق تعاطف مطلق مع تلك الشخصية، لأن الكاتب حين يقوم برسم الملامح الرئيسية لشخصية (البطل الضحية) يجب عليه أولا مراعاة الأعراف والتقاليد والمزاج العام للمجتمع المتلقي للنص، الذي احتضن تلك الشخصية، وإحداث مواءمة بين سلوكه وحراكه داخل النص، والمزاج العام للجمهور القارئ، حيث ظهر لنا غدير كمتلقين بأنه شاب جميل مثقف فقير ماديا، يمتلك وعيا آنيا مسؤولا ملتزما اتجاه وطنه وشعبه وفنه، وهذه صفات ومواقف جميلة وإنسانية لا يختلف عليها اثنان في أي مجتمع إنساني، لكن في الجانب الآخر من حياته ظهر لنا غدير على أنه شاب متحرر فوق العادة، يقيم علاقة جنسية كاملة مع حبيبته أصيل ويتعامل مع هذا التصرف على أنه طبيعي، بل يسعى إلى تبريره، وقد يَنزع هذا السلوك صفة البطل الضحية عنه في مجتمعاتنا، التي دأبت الميثولوجيا العربية فيها على إكساب البطل الضحية كل الفضائل والصفات النبيلة (شجاعة، عفة، شرف، مروءة) كي تكتسب شهرتها وخلودها في الذاكرة الجمعية العربية.

أهم مرتكزات النص

أسطرة الشخصية الروائية: أحد أساليب السرد التي يلجأ إليها الروائي في صناعة الشخصية الروائية ورسم ملامحها، هي أسطرة الشخصية، وإضفاء طابع ميثولوجيا على صفاتها وحراكها ونظرة الآخرين إليها، وقد عمد شاكر نوري إلى إحاطة بطله غدير بهالة أسطورية، ومنحه كاريزما تجاوزت القواعد الطبيعية المتعارف عليها، ميزته بشكل خيالي أسطوري عن أقرانه، وجعلت منه شخصية متفردة ونادرة الوجود، لشد القارئ إلى تلك الشخصية وإضفاء طابع الدهشة والتشويق على نصه، عن طريق المبالغة في ردود أفعال الناس اتجاهه، كما اتضح ذلك في الكثير من النصوص داخل الرواية وسأبين بعضا منها:
1- نص على لسان أستاذ الجماليات يصفه (أيها الطلبة الأعزاء إنني لا أتكلم عن أسطورة آتية من السماء، بل عن فتى تعرفونه جميعكم يعيش بيننا بطل وأيقونة بجماله وجرأته.. مؤمن قدري هائم مليء بحب الصوفيين.. على صدره فراشة محنطة يحمل شعلته محاولا طرد الظلام.. الكل خائف أن يصاب الفتى بعين الحسد من يحمي من؟ ساحرات متنبئات قارئات فنجان وعاهرات).
2- نص على لسان صديقة الرسام (وتساءلت في سري: كيف يُنجب بشر عاديون في جمالهم رجلا خارق الجمال مثل غدير؟ ثم أدركت إن الجينات بعث سماوي من الأعالي لا علاقة لها بالأرض).
3- نص على لسان حبيبته أصيل تخاطب فيه أطفال الجيران (هل تعلمون ماذا سيحدث؟ سيزوركم الفتى ذو الشعر الذهبي في بيوتكم ويحكي لكم أجمل المغامرات والقصص، ويقدم لكم الدمى المتحركة على المسرح، إنه غدير الملاك الحارس لأحلامنا وطموحاتنا).
الميتاسرد: رافقت المتن الرئيسي للرواية نصوص جانبية توازت معه وعضدته هي أقرب للميتاسرد، لكنها لم تخرج عن أجوائه العامة، ولم تشذ عن سياقه الحكائي المرسوم له مثل (مخطوطة الشاب المجهول التي تتحدث عن تجربته الشخصية مع إحدى الجماعات المسلحة، قصة بنت المعيدي، مذكرات غدير المدونة في هاتفه الخلوي، التي تحدثت عن جولاته الليلية في شوارع بغداد وأفكاره وآرائه التي عبر عنها سابقا) كما احتوت الرواية على بعض الانزياحات مثل (استعارات من نصوص مسرحية، قصائد شعرية، أقوال مشاهير، أسماء أدباء وفلاسفة).
اللغة: تميزت لغة النص بأنها نخبوية عالية المستوى ذات طابع خطابي مسرحي، طغت عليها الحوارات الماراثونية الطوبائية والأسئلة الديالكتيكية والمفردات الشعرية والمسرحية الفخمة، كما استطاع الروائي من خلق تركيبة تواصلية توازن بين الشخصية الروائية والكلمة، أي انضمام المفردة إلى الصورة والحدث بطريقة منسجمة، حيث نجد ذلك جليا في أغلب المشاهد التي استوحى الكاتب حواراتها من صورة المكان ورمزيته وبعده الحسي والجمالي لدى المتحاورين (شارع الرشيد، القشلة، أبي نؤاس، شارع المكتبات، المسرح، كهرمانة، ساحة التحرير، دجلة).
تدوير النص: إحدى السمات المهمة لـ«طائر القشلة» هي عدم وجود هرمية مركزية للنسق الحكائي فيها وهذه من سمات الرواية الحديثة، التي تجاوزت القواعد الأرسطية (بداية، عقدة، حل) وتداخلت فيها الأزمنة، لذلك نلاحظ وجود استطالة أفقية عبر تقنية التكرار وتدوير الأفكار والرؤى والأمنيات وبعض المشاهد، لإثراء النص والتذكير بقصديته، والتأكيد على الطابع التراجيدي الذي وشم فيه الوجه العام للرواية، والذي يعكس الواقع العراقي الحالي بكل تجلياته وإرهاصاته من وجهة نظر غدير وأصدقائه.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية