إنه المثقف المشكور على حمله نفْسَهُ من أجل اكتساب مبادئ الاستنارة والتنوير الكفيل بالدفع بحركة الحياة والمجتمعات نحو التقدم والانعتاق من براثن الرجعية والتخلف.. مثقف سهر الليالي وسافر واشترى المؤلفات وحضر المحاضرات وناقش الإشكاليات وانتصر في المناظرات فصار ما صار عليه، بيد أن حد مسيرته بلوغه التشبع الثقافي الذي يحمله في ذهنه محفوظا مصونا حبيسا توقف عن الفاعلية والبلورة، فهو مثقف اكتفى بكونه مثقفا انتهت مهمته بالاكتساب في الوقت الذي ننتظر أن يكون مُثَقِّفا فاعلا بطروحاته الفكرية وسلوكياته اليومية وبدائله الضرورية.
إنه المثقف الذي تلقفته أيدي التدجين لينسى أدواره التي آمن بها يوما ما فناضل من أجل أن يصير أهلا لتمثيلها وتجسيدها وجديرا بالاضطلاع بمسؤولياتها، فلم يعد يملك أدوات تشريح الواقع وتحليله من أجل الوقوف على مكامن الداء من أجل نجاعة العلاج، فانتهت تدخلاته كما انتهت مساعيه في حدود تثقيف نفسه فحَسْب.
هذا المثقف أضاع تعبه وأفنى عمره بلا جدوى، وإلا فلماذا الإصرار على غرس أشجار لا تمتع العين ولا تثمر ما يسد به الجوع؟ لماذا لا نحدد أهدافنا بدقة لنظل أوفياء لها، فبلوغ السعادة التي نسعى إليها لاهثين تقتضي تحديد الهدف والمسار والعمل على تحقيقه بغية إفادة الذات والغير.. مثقف ينسى التنوير والعقلانية والتسامح والتغيير نحو الأفيد والأصلح، مثقف ملآن مغلق لا يفيد ولا يستفيد، لا يغير غيره ولن يتغير، لا أمر له ولا نهي، فما الفارق بينه وبين سائر الجمادات.. مثقف متوقف عن السعي من أجل التغيير والتعبير عن الألم والأمل.. ساكن لا يعير الانتباه إلى مجريات الحياة، وما يروج في المجتمعات، ولا يسعى إلى تعريف الجمهور العريض بالأخطار المحدقة به بل يسعى بصمته إلى التخلي عن إثارة التعاطف نحو النزوع إلى ثقافة الاستهلاك الأعمى.. فهو مكتوف الأيدي أمام هذا الإقناع الخفي بجدوى ما يدفع إليه أحيانا بلا علامات منبهة ومخلخلة لقناعات فارغة تؤدي إلى محاذير ضارة.
إن المثقف بهذا المستوى وهذا السكوت بعيد كل البعد من بلورة الضمير الجماعي والفردي نحو اللائق من العلاقات الإنسانية المنبنية على مبادئ تحفظ دفء التعايش الإيجابي بحدود مبررة.
المثقف من هذا النوع مثقف مُسَقَّفٌ انقطع عن أداء دوره الذي لن يؤديه سواه، فصار دوره يتآكل، وصارت ثقافته بكل ما تحمله من مبادئ بفعل التطور وسيعود أشبه بالميت الذي خلق من تراب وإليه يعود.. المثقف من هذا النوع بطَّل طاقاته باختياره فصار الصنم المتفرج على هذا التفكير والسلوك الأعوج الذي يسود المجتمع، في الوقت الذي عليه مسؤولية توظيف حمولته الثقافية من أجل اكتشاف العلاقات بين الظواهر الاجتماعية المتنوعة والمتناقضة بغية إيجاد الحلول والأفكار الخلاقة التي تحتاجها الإنسانية.
لقد نسي المثقف كون ثقافته كالكائن الحي المحتاج إلى التنمية والتغيير والبناء المستمر، بعيدا عن الثبات والتكلس المميت.
المثقف الذي لا يعمل على التأثير الإيجابي في ثقافة المجتمعات الإنسانية مثقف جعل لثقافته سقفا تلتحفه وترقد تحته، لذا فخير لقب له هو ‘المثقف المسقف’، مسقف لن يجد مكانه في عالم الثقافة، فهو ليس المثقف العضوي وليس بالمثقف الملتزم، وليس بالمثقف الداعية وليس بالمثقف التبريري، وليس بالمثقف الناقد، وليس بالمثقف المعلم، وليس بالمثقف المبدع، وليس بالمثقف القارئ المتابع لما يستجد في الوطن وفي العالم، وليس بالمثقف الحاضر في العمل والنشاط الجمعوي إنه المثقف المسقف.. مسقف لأنه وضع لنفسه سقفا لن يتجاوزه لأن ذلك فوق هدفه المرسوم، إنه بمثابة بيت بسقف متين بلا نوافذ، فلا مجال للنفاذ إليه ولا مجال له للخروج إلى المجتمع… صار قوقعة مسدودة تتدحرج بلا جدوى.
لحسن ملواني