في قراءة المادة المعجمية يمكن أن نظفر بمعطيات ثقافية لم تكن مقصودة لذاتها، غير أنها قدمت لنا جملة من الأدلة غير المقصودة على حياة العرب قديمًا. في مدخل لَثَمَ المعجمي، ما يدل على تمييز العرب القدامي بين وضع القناع على الأنف أو الفمِ، مثلما نفعله هذه الأيام ونحن نلبس «الكمامَات». لا أحد يستعمل كلمة «لثام» اليوم وهو يرتدي توقيا وحذرا هذه الخرقة الطبية الضرورية.
مشهد العربي وهو يرتدي «اللثام الجديد» ينبغي أن يبنى في سياق تاريخي وحضاري ولغوي، كي يذكرنا بما كان يمثله اللثام قديما، وهل أن تعاملنا الحادث اليوم مع هذا اللباس المكمم للأفواه منقطع عن تاريخ عربي قديم من التعامل مع اللثام. تخبرنا النصوص القديمة بما فيها المعاجم، أن اللثام لم يكن لباسا مخصوصا، بل كان تصرفا في لباس آخر يوضع على الوجه عند النساء، اتقاء للهاجرة والرمال، ويوضع على الرأس عند الرجال للعلة نفسها. جاء في لسان العرب: «اللثامُ رد المرأة قِناعها على أنْفها ورد الرجل عمامته على أنفه… قال الفراء: إذا كان على الفم فهو اللثام، وإذا كان على الأنف فهو اللفام» (لسان العرب، 12/533). بعبارة أخرى فإن قناع المرأة إن وصل إلى الأنف عد لثاما، وإن وصل إلى الفم عد لفاما. ما تزال بعض النسوة العربيات قاطنات الصحراء يَلْبِسْن هذه الأقنعة الواقية من الحر، ولنا في سلطنة عمان مثالا. لا ندري متى تنزل المرأة بقناعها إلى أنفها ومتى تنزل به إلى فمها؟ هل يكون ذلك لسبب حمائي أمنا من دخول ذرات الرمل من الفم عند الكلام، أم لسبب جمالي؟
السبب الجمالي نجد له أصولا لغوية عميقة في تسمية تقبيل المرأة من الفم لثْما، ولسنا ندري أهو تقبيل بعد نزع اللثام أم مع اللثام. ويبدو قول جميل العذري التالي مكذبا هذا المذهب في التفسير إذ يقول (فلثَمْتُ فَاهَا آخِذًا بقُرونها // شربَ النزيف ببرد ماء الحشْرَجِ). صورة الماء توجهنا في البيت صورة إلى أن التقبيل كان بَعد نزْع اللثام، ومسك الرأس من مقترن الضفائر وهذا يعني نزع القناع ككل.
لا شك في أن نزع القناع كان ههنا حركة فنية أيضا، أخرجت جميلا من صورته المتعففة إلى صورته المتهالكة على الملذات. وربّ متعفف يكتم لذته فإن زال اللثام انفرط عقد عفته. المناضلون عن تعفف العذري ينسبون القصيد إلى عمر بن أبي ربيعة؛ هم يفعلون ذلك ويضمرون دفاعا عن العفيف أكثر من إضمارهم زيادة خلاعة لابن أبي ربيعة. مساكين هؤلاء الذين يعتقدون أن الشاعر حين يقول يفعل. وأنه حين يضع قناع الفن يمكن أن يزيل قناعا عن وجه جميلة يلثمه ولا يعرضه الخيال، وهتك الحجب إلى العقاب. للنساء إذن أقنعة وللرجال عمائم من أقنعة النساء، تقد لُثُمُ ومن عمائم الرجال تقد أخرى.
إن الملثمين الجدد قوم بلا عِمامات وبلا أقنعة، لأن اللثام بات قطعة مستقلة عن غيرها من ألبسة الوجه والرأس. ربما زالت أقنعة النساء ولكن العمائم لم تزُلْ. غير أن إنزال شيء من العمامة لثاما واقيا زال اليوم.
لثام الرجال هو قطعة نازلة من العمامة، وهي من ألبسة الرأس الرجالية يلفها الرجال في مناطق كثيرة من العالم على الرأس، وفي المناطق الصحراوية كانت العمامة مما يقي الرأس من الحرارة، وربما أنزلوا قطعة منها لتغطي الوجه إلى الفم أو إلى الأنف. قال أبو الطيب المتنبي في إبراز غرابة فعل من يتجرأ على الهجير بلا لثام، والإقدام على السفر في الفلاة بلا دليل (ذَرَانِي والفلاةَ بلا دليل // ووجْهي والهَجيرَ بلا لثامِ). لست أدري ماذا يوجد في هذا المعنى ليجعل المفسرين يذهبون إلى أن نزع اللثام شجاعة. والحق أن المسألة مرتبطة بسياق من يقدم على السفر فرارا من بقاء غير محمود، وهنا يمكن أن يكون تعريض الوجه إلى الهاجرة ضربا من الاختيار بين مرين: مرّ المقام بين أهل البخل؛ ومرارة تعريض النفس للأذية لذلك يقول (ولا أمسي لأهل البخل ضيفا // وليس قرى سوى مخ النعامِ).
إلى هذا الحد لم يكن اللثام علامة، بل كان لباسا واقيا من الحر والرمل، ولذلك استعمل في لباس أهل الصحارى. في التاريخ القديم كان أهل الحضر والمناطق التي لا يحتاج فيها المرء إلى لبس القناع، يسمون غيرهم من لابسيه بالملثمين. في تاريخ المغرب وصل الملثمون في القرنين الخامس والسادس الهجريين/ الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين، إلى تأسيس دولة من أعتى الدول هي دولة المرابطين، وكان أهل المغرب والأندلس يسمونهم بالملثمين لأن من عادتهم هم القادمون من الصحراء أن يضعوا اللثم. لقد قدموا من الصحراء واستطاعوا أن يفرضوا هيمنتهم على الأندلس، على بلد قال فيه الشاعر ابن خفاجة (لا تختشوا بعد إذْ أن تدخلوا سَقرا// فليست تدخل بعد الجنة النار). المهم أن الملثمين تسمية باتت تعين جماعة الصحراء، أو قل من ينظر إليهم أهل الخضرة والماء على أنهم قد دخلوا الجنة بعد النار. هي تسمية جعلت اللثام علامة على رهط من البشر، حملوا معهم بداوة الصحراء ليحكموا أهل المدر. تسيس اللثام وترك دوره الأول، أنه لباس واقٍ، فعاش اللثام مرحلته العلامية بعد مرحلته الوظيفية الأصلية.
اليوم حين نلبس الواقي، أو اللثام الجديد وقاية من العدوى يمكن أن نحمل هذه الخرقة دورا علاميا. يريد الأطباء أن يلبس اللثام الجديد إلى الأنف، ولكن بعض لابسيها قد يلبسونها إلى حد الفمِ كأنهم يقولون ذراني و»الكفيد» بلا رقيب // وأنفي والهواء بلا لثام. إن كنت نظاميا تصدق ما يقوله الأطباء والحماة والإعلانات من وجوب لبس الكمامة بانضباط، سترى أن من لبسها إلى حد الفم شخص يمت إلى الفوضى بصلة متينة. أما إن كنت خارجيا فستعتبر طريقة اللباس تلك بداية التحرر. ملثمو الأفواه قوم توسطوا بين الانصياع للقانون والرغبة في السلامة وحب تحرير الأنف ليتنشق الهواء الحر. في منتصف الطريق يقع اللثام لا هو منزوع تماما فيكون في نزعه ضرب من الثورة، وتعريض الوجه إلى الخطر أو ضرب من رفض التصديق بالفيروس أصلا.
إن الملثمين الجدد قوم بلا عِمامات وبلا أقنعة، لأن اللثام بات قطعة مستقلة عن غيرها من ألبسة الوجه والرأس. ربما زالت أقنعة النساء ولكن العمائم لم تزُلْ. غير أن إنزال شيء من العمامة لثاما واقيا زال اليوم. استقل اللثام عن القناع والعمامة فعليا ؛ لكنه لم يستقل رمزيا لا عن القناع ولا عن العمامة.
يعلق بعض مطاردي النكتة والباحثين عن فسحة ضحك بأن القناع الصحي يمكن أن يكون لثاما نتخفى به ـ المقترض مالا يمكن أن يتخفى وراء الكمامة يمر أمام مقرضه فلا يعرفه. الملثمون الجدد لا يفرون من المرض، بل هم أيضا يفرون من صاحب الحاجة. صاحب الحاجة تسمية عامية تطلق على قابض الروح، على الله الذي يسترجع بالموت الروح التي منحها لعباده. الملثمون الجدد مرجئة من دينين: دين من أقرضهم مالا، ومن أقرضهم حياة.
الملثمون الجدد أقل جرأة من جميل بن معمر يقبلون ولا ينزعون اللثام. القبلة من وراء اللثام شيء عجيب أعجب ما فيها أن العشاق يفكرون في السلامة، لم يصلوا إلى درجة يرادف فيها الموت من أجل المحبوب عشقهم له. سلامة الملثمون الجدد غالبة على عشقهم حتى عند أولئك الذين يلثمون بلا قناع: هم يفعلون لا بطولة بل تكذيبا لوجود الكوفيد أصلا. هؤلاء هم الثائرون على الأقنعة يمارسون التقبيل ولا خوف من الفيروس ولا هم واجلون.
مازال الملثمون الجدد يمارسون الطقوس الطبيعية القديمة، ولكن بأدوات جديدة منها المستورد الباذخ، ومنها الشعبي المهترئ، ولكن ما تزال الأقنعة والعمامات ترصد تحرك اللثام وتوجهه من بعيد.
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية