الجزائر ـ رويترز: يقول محللون في الجزائر ان النسبة التي تدنت لمستوي لم يسبق له مثيل لمشاركة الناخبين في الانتخابات البرلمانية الاخيرة تبعث برسالة مقلقة مفادها أن الجزائريين يفقدون ثقتهم في المستقبل رغم الرخاء الذي تسبب فيه النفط في البلاد العضو بمنظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك). وبسبب الاحباط من البطالة والقلق من تزايد عنف المتشددين الاسلاميين اختار اثنان من بين كل ثلاثة جزائريين عدم الادلاء بأصواتهم في الانتخابات التي جرت في 17 ايار (مايو) وأسفرت عن بقاء السلطة في يد الائتلاف الحاكم. ومن بين أسباب تقاعس الناخبين عن المشاركة علي ما يبدو عدم رضاهم عن البرلمان ذاته الذي يعتبره كثيرون مؤسسة ضعيفة تقتصر مهمتها علي التصديق دون نقاش علي قرارات السلطة التنفيذية النافذة.
لكن جزائريين أيضا يفسرون غيابهم بأنه احتجاج عميق علي فشل الائتلاف الحاكم في توفير مزيد من فرص العمل والمساكن أو فطام الاقتصاد عن الاعتماد علي احتياطيات النفط والغاز.
ويقولون ان كثيرا من الاحزاب السياسية التي سمح لها بالدفع بمرشحين غير مؤهلة لذلك ويصفونها بأنها مؤسسات تعيش في عزلة ولا تقدم أي أفكار جديدة لانهاء سوء الادارة والفساد اللذين يمسكان بخناق الاقتصاد وانهاء اراقة الدماء في أعمال العنف السياسي. وفي حي بني ميسوس الفقير غربي العاصمة في يوم الانتخابات قال محمد (34 عاما) العاطل عن العمل انه لن يدلي بصوته لان الاحزاب السياسية لا تلقي بالا لمن هم علي شاكلته. وقال محمد لرويترز كل المرشحين يأتون الي هنا قبل الانتخابات لكنهم لا يعودون بعد الانتخابات.. لسنا بحاجة اليهم لانهم لا يفون بوعودهم. وقال حسن موالي من صحيفة الوطن اليومية واسعة الانتشار ان غياب الناخبين يدق ناقوس خطر مخيفا ومزعجا لكنه يبعث كذلك بتحذير مباشر للنظام والاحزاب السياسية.
وعلقت صحيفة كوتيديان دي أوران (يومية وهران) بالقول غياب الناخبين شكل من أشكال اليأس من تغيير يستغرق وقتا طويلا ليحدث. هذا خطر حقيقي.
والانتخابات التي جرت يوم الخميس هي ثالث انتخابات برلمانية منذ اندلاع تمرد اسلامي بعد الغاء انتخابات في عام 1992 كان من المرجح أن يفوز بها حزب اسلامي أصولي محظور الان. وقتل ما يصل الي 200 ألف شخص في العنف منذ ذلك الحين. ويميل الجزائريون للانحاء باللائمة فيما يتعلق بأمراض البلاد علي ما يصفونه بأنه نخبة سياسية منعزلة يقول البعض انها عازمة فيما يبدو علي نهب موارد البلاد. ويقول محللون ان الفجوة بين الحكام والمحكومين تثير مزيدا من القلق في ضوء حقيقة مفادها أن الكثيرين ما زالوا مصدومين من جراء العنف خلال السنوات الاخيرة وأن الامراض الاجتماعية التي ساعدت في اندلاع أزمة التسعينيات لم تعرف طريقها للحل حتي الان. وتتركز السلطة في البلد الذي يسكنه 33 مليون نسمة في الرئاسة مع اعتبار البرلمان مؤسسة تابعة. وغابت أحزاب المعارضة المؤثرة التي تتضمن أحزابا اسلامية اما بسبب حظر نشاطها أو لمقاطعتها الانتخابات. ويعاني نحو 75 في المئة ممن هم دون الثلاثين من العمر من البطالة. وعلي الرغم من تعهد الحكومة ببناء مليون منزل جديد بحلول عام 2009 يمكن سماع الصيحات المطالبة بمزيد من الجهود في مجال الاسكان في كل مكان. ولا يلقي الجزائريون باللوم علي الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي يحكم البلاد منذ عام 1999 رغم أن محللين يقولون انه لا يبدي اهتماما يذكر بالبرلمان وان هناك أدلة علي رغبته في تركيز السلطة في قبضته. وما زال بوتفليقة يتمتع بشعبية كبيرة ترفدها مساعدته علي ترويض التمرد الاسلامي وتعزيز العلاقات الخارجية للجزائر وتطبيع العلاقات بين مؤسسة الرئاسة والمؤسسة العسكرية القوية التي تلعب دورا أساسيا في ظل حالة الطواريء المفروضة منذ 15 عاما. وستكون أمام بوتفليقة فرصة لمعالجة عدم الرضا الشعبي عن السلطات عندما يعين حكومة جديدة في الاسابيع القادمة وهي خطوة يتعين علي مؤسسة الرئاسة اتخاذها في أعقاب كل انتخابات برلمانية. وقال المحلل السياسي الياس قهوجي لرويترز يمكن لبوتفليقة أن يحدث فرقا من خلال تسريع وتيرة الاصلاحات وتعيين وزراء يتسمون بالمقدرة والكفاءة لتطبيق برنامجه.
ولكن في ظل العراقيل التي يعاني منها جهاز بيروقراطي ما زال أسيرا لاجراءات عقيمة يشكك كثيرون في مدي النجاح الذي يمكن أن يحرزه الرجل. وما زال القطاع غير النفطي المسؤول عن توفير غالبية الوظائف يخضع لقيادة مسؤولين عالقين في اقتصاديات موجهة تشبه النمط السوفييتي. وتسير خطا اصلاح النظام المصرفي ببطء. ويقول وزير الاعلام السابق عبد العزيز رحابي ان علي الحكومة علي المدي الطويل أن تخفف القيود علي الحياة السياسية للسماح بظهور أفكار جديدة وظهور جيل جديد من الزعماء. ويضيف رحابي ان السلطة التشريعية يجب أن تكون مستقلة عن السلطة التنفيذية. وأشار الي أن هذه القضية لم تصبح ذات أولوية حتي الان، وأنه لا يتوقع أن تتغير الامور قريبا بسبب رفض السلطة التنفيذية حكم البلاد بطريقة ديمقراطية. ويعاني حزب الاصلاح، وهو حزب المعارضة الاسلامي الرئيسي من حظر عملي علي الدفع بمرشحين في الانتخابات بعد أن اصطدم زعيمه عبد الله جاب الله مع السلطات بسبب خلاف حول اصلاحات سياسية. وما زال الحظر يشمل أيضا الجبهة الاسلامية للانقاذ التي كانت تجسد غالبية الطموحات السياسية للاسلاميين عندما كانت علي بعد خطوات من الفوز بالانتخابات التي ألغيت عام 1992. وقال الباحث الاجتماعي زبير عروس ان الموقف قد يتدهور اذا لم يفعل شيء لفتح الحياة السياسية. ونقلت صحيفة الوطن عن زبير قوله الاحد ليست هناك قوة منظمة قادرة علي قيادة التغيير السلمي. ومن ثم فان الطريق مفتوح أمام التغيير من خلال الفوضي.