النار تحت الرماد في عشرات العواصم والمدن وعدوى «السترات الصفراء» في باريس تنتشر حول العالم المأزوم

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: رغم أن الصحف واصلت في تحقيقاتها ومقالاتها الحديث عن مؤتمر إفريقيا 2018 الذي انتهت أعماله، إلا أن العدد الأكبر من المقالات اتجه إلى أحداث فرنسا و«السترات الصفراء» وما انتهت إليه من تراجع الرئيس الفرنسي عن قراراته، وأصبح الجميع يتكلمون عنها ويدلون بآرائهم فيها لدرجة أن الرسام إسلام أخبرنا في «الوطن» أنه شاهد مذيعة في التلفزيون الفرنسي تقول: ووصل حالا الخبير المصري هيكلمنا عن مستقبل ثورتنا الفرنسية من واقع خبرته. وهي إشارة إلى ما أحدثته ثورة يناير/كانون الثاني 2011، والدافع الاساسي للاهتمام الكبير بها هو إظهار الشماتة في فرنسا ودول أوروبا التي شجعت ثورات الربيع العربي، وادت إلى خراب وتدمير دول عربية.

مطالبة الرئيس السيسي بزيادة المرتبات والأجور و«بلطجة» داخل نقابة الصيادلة والإعلانات تنتهك إنسانية الأطفال ثمنا لعلاجهم

وفي ما عدا موضوع فرنسا الذي يجتذب الاهتمام الأكبر بالإضافة إلى مباريات كرة القدم، فقد استمرت ظاهرة توزع الاهتمامات حسب مصالح كل فئة، فأصحاب الأمراض المستعصية سعداء بالعلاج مجانا على نفقة الدولة. وأصحاب الفنادق والمحلات الكبرى سعداء بالإجراءات الأمنية الشديدة التي بدأت الشرطة تتخذها من الآن فعلا لتأمين الاحتفالات بأعياد الميلاد وحماية الكنائس، وتحديد ممرات من الآن أيضا لدخولها بسبب أعياد الميلاد للطوائف غير الأرثوذكسية يوم الخامس والعشرين من الشهر الحالي، واحتفالات العام الميلادي الجديد، ثم احتفال الأقباط الارثوذكس، وهم الأغلبية الساحقة من المسيحيين بعيد الميلاد في السابع من يناير/كانون الثاني المقبل، وهو يوم إجازة رسمية في البلاد. وحدث اهتمام أيضا بالتحذير الصارم الذي أصدرته القيادة العامة للقوات المسلحة إلى مستوردي الأقمشة بعدم استيراد أقمشة تشبه الأقمشة التي تصنع منها ملابس الجيش والشرطة، حتى لا يستخدمها الإرهابيون، وستتخذ الإجراءات القانونية ضد كل من يخالف ذلك. وإلى ما عندنا من أخبار ومقالات رأي متنوعة..

«السترات الصفراء»

ونبدأ بأبرز ما نشر عن «السترات الصفراء» في فرنسا ففي «الأهرام» قال مسعود الحناوي وهو سعيد جدا: «هل ظن الأوروبيون يوما أن ما حدث في بلدان الربيع العربي يمكن أن ينتقل إلى بلدانهم بالسيناريو نفسه، والكيفية نفسها وبهذه السرعة؟ لا أعتقد أن ذلك قد خطر ببالهم أبدا، وإلا ما كانوا تصرفوا مع دولنا بهذا التكبر والتجبر، ونحن نواجه أكبر وأخطر أزمة مدبرة على أعلى مستوى بهدف ابتزاز بلداننا، وتخريب ممتلكاتنا، وسلب خيراتنا، والتحكم في مقدراتنا وفرض إرادتهم علينا. بصراحة لا أصدق ولا أستوعب ما يحدث الآن في بعض بلدان القارة الأوروبية من دمار وخراب وتدمير، واعتقالات ومطالبات باستقالات لرؤساء وقيادات دول كانت تتباهى بالحرية والديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان. كيف تتحول عاصمة النور إلى ساحة للصدامات والمواجهات بين قوات الشرطة وجموع المتظاهرين في مشهد لم يتصوره أكثر المراقبين تشاؤما؟».

الشيطان الأمريكي

أما زميله في العدد نفسه من «الأهرام»عطية أبو زيد فقد اتهم أمريكا بأنها وراء ما حدث، لدرجة أن عنوان مقاله كان «الشيطان الأمريكي والسترات الصفراء»: «الشيطان الأمريكي ضرب منطقة الشرق الأوسط من أجل أمن المدللة إسرائيل، وإذا كان هذا الشيطان قد فكك الاتحاد السوفييتي كقطب عالمي منافس، فبالتأكيد لن يسمح بنمو الاتحاد الأوروبي والبداية هي خروج التابع البريطاني بدون خسائر، لكن مطالبة السترات الصفراء بخروج فرنسا من الاتحاد يجعلك تتوقف وتسأل: هل سيتكرر ذلك في بلدان أخرى تنتمي للاتحاد الأوروبي حتى ينهار؟ وإذا كان الاتحاد السوفييتي انهار بسبب إذاعة أوروبا الحرة فليس ببعيد أن ينهار الاتحاد الأوروبي بسبب السترات الصفراء».

لا للتهديم والتخريب

وهو الاتهام الذي أيدته فيه في «الأخبار» نهاد عرفة التي لم تبد أي شماتة في فرنسا وقالت:
«من حق الشعوب أن تعيش وتحيا، تنعم بالحرية وتؤثر في القرارات الرأسمالية. من حق الشعوب أن تتظاهر ولكن ليس من حقها أن تهدم وتُخرب ما تم بناؤه في سنوات طويلة من أموالهم وضرائبهم، وقد تتطلب إعادة ما تم تخريبه أن تتحمل أجيالا عديدة سوء هذا التخريب الذي سيؤثر على حياتهم ومعيشتهم. من حق الشعوب أن تتظاهر ولكن ليس من حقها أن تهدم دولها وتُفككها ما يحدث في باريس عاصمة الحب والجمال مدينة الضوء والرومانسية مقصد الملايين من شعوب الأرض بحثا عن المعرفة والثقافة لا يخرج عن كونه عملا إرهابيا ضخما تلعب فيه السياسات الدولية أدوارا لم تختلف عما تم في ثورات الربيع العربي أسلحة جديدة تُستخدم لهدم الدول وفرض إمبراطورية واحدة تحكم العالم تفرض سيطرتها وتهيمن على قرارات الدول، والويل كل الويل لمن يعارضها أو يحاول الإفلات من تحت عباءتها، بدأت هذه الإمبراطورية تغزو دول العالم بحروبها المعلوماتية منذ تفكك دول الاتحاد السوفييتي تؤثر على اقتصادياتها وأمنها القومي، تُخرَب بنيتها التحتية. بدأت حروبها على منطقة الشرق الأوسط بدءا من العراق، ثم دول المنطقة بما يسمى بثورات الربيع العربي، انهارت سوريا واليمن وليبيا، وتماسكت تونس ومصر اللتان ما تزالان تعانيان من إعادة البناء، ثم انتقلت لدول الاتحاد الأوروبي بدءا بفرنسا التي حاولت الإفلات من هيمنة الإمبراطورية الأمريكيةـ الصهيونية رُحماك ربي».

درسان من أحداث فرنسا

وفي «المصري اليوم» واصل الدكتور عمرو الشوبكي المقارنة غير المباشرة مما يحدث في فرنسا وأوضاع مصر، وعدم وجود حياة ديمقراطية فيها وقال: «درسان إضافيان يمكن تأملهما من أحداث فرنسا، أولهما يتعلق بطبيعة الاحتجاجات «غير المتوقعة» التي شهدتها فرنسا، والتي يجب تحليل أسبابها ومسارها، كما يحاول الفرنسيون أن يفعلوا، بعيدا عن الخيبة الثقيلة التي يرددها البعض في بلادنا عن دور الإخوان في المظاهرات، أو المؤامرة الأمريكية على فرنسا.
واللافت أن هذه احتجاجات لم تستطع أن تستوعبها المؤسسات التقليدية من أحزاب ونقابات وبرلمان وقيادات محلية، وهي كلها مؤسسات تعمل وفق الدستور والقانون، وانتخب قادتها بآلية ديمقراطية، ومع ذلك لم تستطع أن تستوعب قطاعا واسعا من الجماهير شعر بأنها لا تعبر عنه، واحتج ضد قرارات اتخذها رئيس منتخب في دولة مؤسسات.
والسؤال الذي يجب أن تفكر فيه في بلاد لا يوجد فيها برلمان يعبر عن أغلب الناس، ولا محليات ولا نقابات ولا أحزاب، بأن تأخذ هذه الاحتجاجات كإنذار حقيقي ليس بالضرورة لتكرارها، إنما للمخاطر المضاعفة من غير المرئي وغير المتوقع، الذي لا يمكن التعامل معه بالقوة الأمنية فقط، في ظل ضعف كل المؤسسات والوسائط السياسية والنقابية والاجتماعية.
ولعل الدرس الثاني، تمثل في طريقة التعامل مع هذه الاحتجاجات، فالحكومة الفرنسية تعاملت بشكل مركب مع المحتجين ولم تتهمهم بأنهم كلهم مخربون أو متآمرون على الدولة، إنما ميزت أولا بين القلة المخربة والمحتجين، وهاجمتهم بعنف واعتبرتهم لا يعبرون عن المتظاهرين، رغم أن بعض المتظاهرين اعتبروا أن العنف هو الذي دفع الرئيس ماكرون للتراجع عن رفع الأسعار «غير صحيح»، ثم عادت وميزت بين المتطرفين من أصحاب السترات الصفراء الذين يبررون العنف، ويرفضون الحوار مع الحكومة، ووصفتهم بأنهم أقلية أيضا، والغالبية التي لها مطالب مشروعة».

«السترات الحمر»

أما عماد الدين أديب فقد أكد أن العدوى سبق لها وانتقلت إلى دول عربية قال عنها: «اليوم تم الإعلان في تونس عن تكوين جمعية «السترات الحمر» من أجل الاحتجاج على ارتفاع كلفة الحياة، والاحتجاج على سياسات الحكومة الحالية.
ولا ننسى أن الأردن شهد منذ أشهر احتجاجات للأسباب نفسها، أدت إلى استقالة الحكومة وتكوين حكومة جديدة، واليوم تعاني هذه الحكومة من حالات عدم الرضا والغضب على إجراءاتها.
وفي بغداد والبصرة خرجت مظاهرات قوية وغاضبة ضد سياسات الحكومة العراقية بالنسبة لرفع الأسعار والتقصير في توفير الخدمات الأساسية للمواطنين والطبقات غير القادرة والمحرومة، والنار تحت الرماد في عشرات العواصم والمدن، عدوى السترات الصفراء في باريس سوف تنتشر حول العالم المأزوم الذي يعاني من ارتفاع تكاليف الحياة والخدمات الأساسية ونقص المداخيل السيادية واضطراب الناتج القومي».

حكومة ووزراء

أما بالنسبة لحكومتنا فقد أشاد بعدد من وزرائها في «الجمهورية» علاء معتمد وهو يتحدث عن خطتها في إعداد جيل جديد: «إذا كانت البداية تتطلب إعداد جيل جديد قادر على التعامل مع معطيات العصر الحديث، فقد كان لابد من إصلاح التعليم أولا، ومن وضع نظام جديد مختلف وكان الله في عون الدكتور طارق شوقي وزير التربية والتعليم والدكتور خالد عبد الغفار وزير التعليم العالي، فالرجلان يجتهدان ويحاولان ويقاومان من أجل إصلاح نظام تعليم فاسد استمر لعدة عقود، أفرز لنا خريجين لا علاقة لهم بالعلم ولا بالتعليم ولا بالتربية، ولا بين ما تعلموه وما يحتاجه سوق العمل، لأنهم تعلموا فقط كيفية الحفظ من أجل تحصيل الدرجات والانتقال من صف دراسي لآخر، وهكذا من الابتدائية حتى التخرج من الجامعة، ومثل هؤلاء الخريجين لا يبنون أمة، ولأن العقل السليم في الجسم السليم، فلا يمكن أن يتم البناء على أساس واه، ولا يمكن أن تربي جيلا جديدا ينهض بالأمة، بينما هو يعاني من أمراض توارثها نتيجة لغياب الخدمات الصحية والتخبط الذي أدى إلى هذا الفارق الضخم بين ما تقدمه المستشفيات الخاصة للقادرين فقط، وما تعانيه الغالبية من الغلابة في مستشفيات الحكومة، ومرة أخرى كان الله في عون الدكتورة هالة زايد وزيرة الصحة، وهى تستعد لتنفيذ نظام التأمين الصحي الشامل وما يتطلبه هذا النظام من تأهيل الأطباء وإعداد وتطوير المستشفيات، وأيضا وهي تطلق حملة غير مسبوقة للكشف عن فيروس سي والأمراض غير السارية، وتعمل على توفير العلاج بالمجان لمئات الآلاف أو الملايين من المصابين بهذا المرض اللعين، ولأن بناء الأمة يتطلب شعبا يحمل عقيدة صحيحة قادرا على التفرقة بين الرسائل السماوية السمحة، التي جاء بها الرسل والأنبياء جميعا، ورسائل التطرف والتكفير والتخلف التي جاء بها دواعش هذا العصر، ولذلك فإن مهمة وزيرالأوقاف صعبة في إعداد خطباء يحملون مشاعل النور، وعلى قدر من الفهم الصحـــيح للشريعة السمحة».

منعا للفساد والرشوة

ولكن قبل هذا وذاك من الضروري زيادة مرتبات العاملين في الدولة، منعا للفساد والرشوة ولمساعدتهم على مواجهة صعوبات الحياة، ولذلك طالب الدكتور مصطفى النشار في «الوفد» الرئيس السيسي أن يقدم على هذه الخطوة قائلا: «نجح الرئيس السيسي منذ توليه السلطة في انتهاج منهج جديد يمكن أن نطلق عليه منهج «اختراق المشكلات المستعصية» لحل المشكلات واجتياز المعوقات، التي تقف حائلا أمام تقدم مصر في كافة المجالات، فبدأ بما أطلق عليه المشروعات القومية الكبرى، التي تنفذ بدقة شديدة وبتوقيتات زمنية محددة، وتبشر بصورة واضحة بمستقبل مشرق لبلدنا، لاتزال البيروقراطية والفساد الإداري موجودا ومتربصا ومتسلحا بمجموعة بالية من القوانين والتقاليد الإدارية البالية، في هذه النهضة التنموية، والحقيقة أن مواجهة كل ذلك لن تتم إلا باهتمام شخصي من الرئيس، حيث ينبغي اختراق هذه المنظومة الإدارية الفاسدة والبالية، خاصة في مجال المحليات والأجور، ففي مجال المحليات نحتاج لثورة إدارية تهدم كل منظومة القوانين المعطلة لسرعة الحركة واستبدالها بمنظومة قانونية جديدة تزيد من استقلال المحليات وتعطي المجالس المحلية بعد انتخابها سلطة المتابعة والمراقبة، وتتيح التنافسية بين القيادات المحلية في أنحاء الجمهورية، وفى مجال الأجور يكمن الاختراق الأكبر، حيث غابت العدالة عن هذا الملف، ومن ثم قل الإنجاز وكثرت السرقات والرشاوى والإكراميات، وما شابه وشاعت مقولة «على قد فلوسهم».
وأعتقد أن هذا الخلل في منظومة الأجور هو جذر معظم ما نعانيه من مشكلات، أبسطها كسل الموظف وعدم اهتمامه بإتقان عمله، وأعمقها شعوره بالظلم لأن أحدا لم يقدر قيمة عمله التقدير المناسب. إن أولى خطوات الإصلاح الإداري المنشود هو الإصلاح الشامل لهيكل الأجور، بالقضاء أولا على الفروق الهائلة بين ما يحصل عليه الموظفون الذين يقومون بالعمل نفسه، نتيجة عملهم في جهات معينة، وفي وزارات مختلفة، وثانيا بمضاعفة هذه الأجور بالقدر الذي يجعل الموظف في أي جهة حكومية يحيا حياة آدمية تشعره بكرامته وتسعده، ولا تضطره لمد يده للآخرين. يا سيادة الرئيس إن اختراق هذه المشكلة الأخيرة ووضع الحلول غير التقليدية لها، هو نقطة البدء الحقيقية لدولة الحداثة والتقدم، إذ أن الموظف الذي لا يحصل على ما يكفيه ويحفظ كرامته ويسعده لن يشعر بالانتماء الحقيقي للوطن وللدولة».

مرضى السرطان

«أنا اسمي أحمد، وعندي سرطان، هتساعدني؟» هكذا كانت كلماته تُدمي قلوب المشاهدين وهو في أحد مستشفيات علاج السرطان، والإعلان يُعرض بكثافة خلال شهر رمضان (لأنه شهر الخير والتبرعات بالمليارات). تقول سحر الجعارة في «الوطن» وحدي كنت أشعر بأننا سرقنا من أحمد إنسانيته ثمنا لعلاجه، وأنه أن لم يكن حالة مرضية، وكان يعمل كممثل إعلانات، فقد اغتلنا سمعته وشهَّرنا به، وربما نكون أضعنا مستقبله، حين ظهر على ملايين البشر يتسول ثمن علاجه، أمثال أحمد أكثر من همِّ السرطان، تختارهم شركات الإعلانات بعناية فائقة، وتصمم لهم «سيناريو» موجعا، وكأنها تدربهم على احتراف «ابتزاز» مشاعر الناس. وبالمناسبة أنا لا أتذكر اسم الشركة ولا اسم المستشفى المعلن، لكن تظل صورة أحمد عالقة بذهني كعنوان لانتهاك الطفولة يرى أحد الإعلاميين المشهورين أنه أقل واجب على الطفل المريض إذا تلقى «علاجا مجانيا» أن يقدم نفسه قربانا لإحدى شركات الإعلانات تفترسه، امتنانا وعرفانا بجميل المستشفى الذي عالجه، وجنى من خلف وجعه ودموعه المليارات، وربما يكون قد فارق الحياة في تجربة «دواء جديد» لم تقره منظمة الصحة العالمية، أو نتيجة شراسة المرض، لكنه في كل الأحوال مطرود من رحمة الجميع، لأننا لا نفعّل قانون قانون الطفل المصري رقم 12 لسنة 1996، والمعدل بالقانون 126 لسنة 2008، الذي تم تعديله أكثر من مرة بالتزامن مع «المجلس القومي للطفولة والأمومة» بقرار جمهوري عام 1988، ولم يتم الانتهاء من اللائحة التنفيذية إلا عام 2010، ورغم ذلك ما زال القانون نائما في الأدراج في حاجة إلى لائحة تفسيرية أخرى. ورغم ذلك فلا يجوز لأي جهة – أيا كانت سطوتها ونفوذها- أن تخالف قانونا موجودا وقائما. سأتحدث فقط عن أسوأ أشكال الاستغلال، وانتهاك آدمية الطفل، وأعني به «عمالة الأطفال» ممن دون سن الخامسة عشرة فبعدما كان التسرب من التعليم والفقر سببا في وجود من اصطُلح على تسميته «الواد بلية» في ورش النجارة وتصليح السيارات، أصبح «الواد بلية» يقدم صورته وهيئته ويتسول على الشاشة ثمنا لعلاجه، ليشترى بكرامته جرعة «علاج كيميائي». يقول قانون الطفل، في الباب الخامس، المتعلق برعاية الطفل العامل والأم العاملة، الفصل الأول مادة «64»: «يحظر تشغيل الأطفال قبل بلوغهم خمس عشرة سنة ميلادية كاملة، كما يحظر تدريبهم قبـل بلوغهم ثلاث عشرة سنة ميلادية» مادة «65»: «يحظر تشغيل الطفل في أي من أنـواع الأعمال التي يمكن، بحكـم طبيعتها أو ظـروف القيـام بهـا، أن تعرِّض صحة أو سلامة أو أخلاق الطفل للخطر» فما بالك لو كان الطفل يخضع للعلاج من أشرس مرض في العالم «السرطان»، ويتم تدريبه وتحفيظه وتصويره أكثر من مرة ليأتي بالنتيجة المرجوة من ظهوره ذليلا مقهورا يائسا يطلب المساعدة. والمفارقة أن المادة «65 مكرر» تنص على أن: «يجري الفحص الطبي للطفل قبل إلحاقه بالعمل للتأكد من أهليته الصحية للعمل الذي يلحق به، ويعاد الفحص دوريا مرة، على الأقل كل سنة، على النحو الذي تبينه اللائحة التنفيذية، وفي جميع الأحوال يجب ألا يسبب العمل آلاما أو أضرارا بدنية أو نفسية للطفل» فإن كان أطفال إعلانات السرطان «كومبارس» فلا يحق لشركات الإعلانات النصب على المشاهد، وإن كانوا مرضى فقد أنهكوهم واستغلوهم وكأنهم «عبيد» اشتروهم بفرصة العلاج المجاني التي تحتاج إلى «واسطة» وطوابير انتظار طويلة، هل طبقت المادة «69»، التي تفرض على صاحب العمل أن «يسلم الطفل نفسه أو أحد والديه أجره أو مكافأته وغير ذلك مما يستحقه، ويكون هذا التسليم مبرئا لذمته»؟. أن كان هؤلاء الأطفال الذين اقتطفتهم شركات الإعلانات من عالمهم البريء «محترفين» قولوا لنا وإن كانوا «مرضى» تطوعوا امتنانا وعرفانا لمستشفيات «مصاصي الدماء» فأعلنوا رضاكم عن أدائهم. هذه المواد، من القانون الذي لا يساوى ثمن الحبر الذي طُبع به، مهداة إلى الدكاترة والوزراء «غادة والي، هالة زايد، مايا مرسي» أما الأطفال فلهم رب يحميهم».

أصل الفوضى ومنبعها

«لم يكن كرم كردي في «المصري اليوم» يتخيل ولا حتى في أكثر الكوابيس غرابة وقسوة أن يحدث ما عاشته نقابة صيادلة مصر في الفترة الأخيرة من أحداث غريبة وغير منطقية في هذا الصرح النقابي الذي كان لعقود طويلة نموذجا للعمل المهني المحترم، ويواصل الكاتب قائلا، ساقني شغفي بالعمل العام لأن أكون قريبا من نقابتنا العامة، ومن صانعي القرار فيها منذ عام 1994 حتى عام 2009 رأيت وعايشت أحداثا كثيرة، وشاهدت بعيني خلافات محتدمة بين النقيب والأمين العام، وبين الوكيل والمجلس، وبين أعضاء مختلفين من أعضاء المجلس.
شاهدت خلافات بين النقابة العامة وبعض النقابات الفرعية، ولكن كل تلك الخلافات كانت تتم داخل إطار من الأدب والاحترام والسلوك المهني، ولا تخرج أبدا خارج أسوار النقابة. لم نسمع أبدا – قبل هذا العصر – أن الخلاف مع أي فرد من مجلس النقابة معناه التحويل للتأديب أو الإيقاف، أو يتمادى التنكيل ليصل إلى الشطب. لم نكن نتخيل أن نرى قضية أو أكثر أسبوعيا تُنظر في المحاكم، أطرافُها أعضاء نقابة صيادلة مصر. هل كان أحد منا – نحن النقابيين القدامى- يتخيل أن يرى بلطجية داخل النقابة، يوسعون زملاءنا ضربا وذبحا؟ هل من المعقول أن تتحول نقابة الصيادلة إلى ساحة قتال؟ إن من سعى لإنشاء هذه النقابة، من المؤكد يلعن نفسه الآن، لأن بعض أولاده وأحفاده في المهنة اعتقدوا أنهم يعيشون في غابة قانونها مخالفة القانون ونظامها البلطجة على النظام، إنه عصر الانحطاط والفوضى الذي لا يمكن أن يستمر.
أكتب الآن بعد بداية تفكك هذا الوضع المشوّه، وأسأل نفسي وزملائي القدامى، الذين شاهدوا النقابة في كل أحوالها وفي خضم الخلافات النقابية القديمة التي كانت تتسم بالمهنية والاحترام: هل كنا نتخيل يوما ما أن يكون لنقابتنا مجلسان يتنازعان السلطة ويعلنان عن ميعادين مختلفين لفتح باب الترشح للانتخابات، وكل مجلس منهما يعتقد أن له الحق في فتح باب الترشح؟ إن لم تكن هذه هي الفوضى، فما الفوضى؟ وإن لم يكن هذا هو التشرذم والتشظي والضياع، فما هو إذن.
اعذروني إن كنت لا أجيد قراءة الفوضى ولا أستطيع أن أتماهى جيدا مع الأوضاع المشوهة، فأنا رجل تقليدي من المتشبثين بالدستور والقانون، لا أجيد، ولا أريد أن أجيد، قواعد الفوضى.
لذلك أسأل: إن كان أطراف النزاعات منغمسين حتى رقابهم في العنف والفوضى ويعتقدون أن العنف فيه منتصر ومهزوم ولا يعرفون أننا جميعا مضارون من هذا الوضع، أين الدولة؟ أين الجهة المنوط بها تنظيم الأمور وإنفاذ القانون؟ إنني أسأل بدهشة وتعجب أن كل ما حدث في النقابة حدث تحت مرأى ومسمع من المسؤولين في الدولة، الذين يعلمون كل صغيرة وكبيرة، ويعلمون أصل الفوضى ومنبعها، يعرفون المخالفات المثبتة في المحاضر والتحقيقات بالنيابة العامة ومباحث الأموال العامة والمخالفات المالية التي تم تحويلها من الجهاز المركزي للمحاسبات إلى النيابة، يعرفون بشأن محاضر الضرب والتعدى المثبتة في مقاطع مصورة. كل هذا يحدث والمسؤولون المنوط بهم إنفاذ القانون ينظرون وينتظرون من سيرفع يده منتصرا. إن أي انتصار على قواعد من الفوضى لهو انتصار مزيف ومكسب أقرب إلى الخسارة، لا نريد انتصارات قائمة على ضحايا، وربما يمتد الفجور في استخدام العنف إلى إيقاع قتلى تنتهي بدمائهم المسيرة النقابية للصيادلة نهاية مروعة مفجعة. الانتصار الحقيقي الذي نريده ونتوقعه هو انتصار القانون على البلطجة وانتصار النظام على الفوضى. متى تتحرك الدولة وتعلن موقفها مما يحدث من بلطجة في نقابة الصيادلة؟ هل وزارة الصحة مسؤولة فقط عن خلق التخبط والمشاكل للصيادلة مثلما فعلت في أزمة التسعيرتين؟ ألا تكتفي وزارة الصحة بما خلقته من معاناة لصيادلة الحكومة والمستشفيات بمعاملتها المتحيزة تجاههم في الكوادر والمناصب؟ لم يخرج علينا مسؤول يخبرنا ما الرأي في هذه المهزلة. هل نحن لقطاء؟ هل صيادلة مصر أتوا من دولة غير مصر وتتم معاملتهم معاملة الخارج عن القانون المخترق للحدود وليسوا من مسؤولية الدولة في شيء».

التغريد في كوكب آخر

الفكرة العجوز والواقع الشاب كان عنوان مقال محمود خليل في «الوطن» ومما جاء فيه: «في قول لإحدى الداعيات: «يجوز للخطيب رؤية شعر وذراعَي خطيبته وأن تكشف له عن ساقيها حتى يراهما». وفي رواية أخرى للداعية نفسها: «لا يجوز للخطيب أن يقول لخطيبته (بحبك) في التليفون». أقوال كثيرة متناقضة تتسكع هذه الأيام عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي. أقوال تحمل المعنى ونقيضه، ما يجعلها مادة جيدة للسخرية و«التريقة».
أصحاب هذه الأقوال والفتاوى من شيوخ وعجائز الدعوة يغردون في كوكب آخر، أو عادت بهم آلة الزمن أشواطا طويلة إلى الوراء. ثمة فارق كبير بين الفكرة العجوز والواقع الشاب. مثل هذه الأفكار يرتاح الدعاة والداعيات إلى ترديدها، ويفرحون كثيرا بإثارة جدل حولها داخل الخطاب الإعلامي أو الفيسبوكي، ويشعرون في داخلهم بأنهم حققوا إنجازا يبلغ مستوى الإعجاز، لكن الواقع شيء آخر. الواقع بطبيعته شاب يُملي قوانينه الخاصة وقواعده المخصوصة وسلوكياته المعاصرة على الحياة.
من الممكن أن يستمع الشباب إلى مثل هذا الكلام آناء الليل وأطراف النهار، لكن الواقع ومعطيات الواقع هي التي تحدد في النهاية سلوكه. الشاب «ابن عصره» والشيخ «ابن ذكرياته». هذه حقيقة يريد البعض القفز عليها، لكن هيهات. في سياق العلاقة بين الخطيب وخطيبته لا يخفى على أحد أن فكرة الزواج لم تعد تتمتع لدى الجيل الجديد بما كانت تحظى به من قيمة وحيثية لدى الأجيال السابقة. أسباب كثيرة، بعضها اقتصادي وبعضها اجتماعي وبعضها ثقافي تتدخل في إعادة هيكلة تصورات الشباب عن مؤسسة الزواج. وربما كانت الأسباب الثقافية هي الأشد وطأة والأكثر تأثيرا في التحول الذي أدى إلى تراجع فكرة الزواج لدى الأجيال الجديدة. بعضهم يعتبر فكرة الزواج فكرة عجوزا تنتمي إلى عالم آخر غير عالمهم. ذلك ما يمكن أن تبصره في الواقع. التجربة تقول إن الواقع يفرض إرادته وتوجهاته على مسارات الأحداث، قد يقهر فكرة رائجة في العالم الافتراضي ويجعل الحوار حولها أشبه بتغريد مجموعة من الطرشان الذين لا يسمعون صوت الواقع. أيام الرئيس السادات كانت وسائل الإعلام تتحدث عن الرخاء الذي سيصيب حياة المصريين نتيجة سياسات الانفتاح الاقتصادي، وأن كل مصري سيثرى بفعل السياسات الجديدة ليصبح لديه فيلا «محندقة» وسيارة لطيفة. هذه الأفكار المفارقة للواقع كانت تتردد بكثافة داخل العالم الافتراضي لوسائل الإعلام، لكن أحدا لم يكن يصدقها في الواقع. واقع الكثيرين كان يعبر عن إحساس عميق بالعجز عن سد الاحتياجات، وكانت الشكوى من الغلاء الذي نتج عن الانفتاح هي الأعلى صوتا، واختلال التوازن يسود حياة الناس نتيجة تربية النوازع الاستهلاكية لديهم، وكان الوجه الاستهلاكي الأكثر حضورا في سياسات الانفتاح. الأفكار العجوز التي كانت تتردد في وسائل الإعلام لم تغير من إحساس المواطن وردات فعله على ما يحدث حوله. أولى بمن يهتم بأمر الناس ويريد أن يغير تفكيرهم أن يستمع بجدية إلى صوت الناس والأفكار الحقيقية التي تتردد في واقعهم ثم يتحدث بعد ذلك، حتى لا يبدو وكأنه يغرد خارج السرب».

نوايا العدو

«قرأ طارق منصور في «الوفد» منذ أيام مضت عن نية إسرائيل، التي تمتلك 17 قمرا صناعيا، إطلاق قمر صناعي جديد سيبث نحو عشرين قناة فضائية موجهة باللغة العربية، انتهى الخبر. وأخذت أقلب بين المواقع العربية الحنجورية، فلم أجد تعقيبا أو تحليلا واحدا، وكأن الجميع قرر أن سياسة النعام هي خير وسيلة للتعامل مع الكيان الصهيوني، فليس هناك من يرغب في تحمل تبعات الكلمة، إلا من رحم ربي. لم أشأ أن أكون ذا نظرة سوداوية، خشية أن يقول البعض لي: لماذا تفترض أن تلك القنوات لن تعمل على نشر القيم والفضائل والأخلاق والانتماء والمواطنة، وستعلمنا سياسة الترشيد في حياتنا، وسترسخ مبادئ الديمقراطية واحترام المؤسسات بيننا؟ وربما تمادى قائلا: وستأتينا بكل ما يزيح عنا عناء الأيام؛ ألا تتذكر إذاعة إسرائيل المعهودة من أورشليم القدس، التي طالما سمعناها قبل ظهور الفضائيات؟ قررت ألا أكون سوداويا في رؤيتي، لكن من حقي كمواطن يجري الدم العربي في عروقه أن أغار على عروبتي وهويتي، وعلى رسلى وأنبيائي، من السيد المسيح (عليه السلام) إلى محمد (صلى الله عليه وسلم). وكلنا يعلم جيدا كم عانى السيد المسيح ومحمد (صلى الله عليه وسلم) من شرور اليهود ومكائدهم. فإذا كان ذلك هو مسلكهم مع الأنبياء، فما بالكم بموقفهم منا ونحن نعيش زمن الغواية وانكسار الذات؟ أما سلوكهم في إغواء الآخر سواء من العرب أو غيرهم، فيكفي اعتراف تسيبي ليفني بما مارسته مع قيادات عربية ارتضت أن تزهق كرامتنا على فراشها، فلا بأس عندها من معاشرة الأعداء مقابل أمن إسرائيل. وفي هذا السياق، هناك مئات وربما آلاف الزيجات الإسرائيلية – العربية، بهدف إنجاب جيل ممسوخ الهوية، يتسم بالولاء لإسرائيل، بحكم المولد والفكر والثقافة. معلوم لنا تماما أن الفكر الصهيوني قائم على كراهية كل ما هو غير يهودي، وتاريخ الصهاينة منذ مطلع القرن العشرين وحتى اليوم يبين جليا سلوكهم العدواني مع الآخر، سواء في أوروبا أو في المنطقة العربية، من قتل وتدمير وسفك للدماء واغتصاب للأرض بدون حق شرعي، وإذا كانت اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل قد أعادت لنا الأرض وحقنت الدماء، إلا أنها لم تحقق لإسرائيل كل ما كانت تصبو إليه، اللهم إلا منطقة محدودة منزوعة السلاح بينهما؛ وفشلت فشلا ذريعا في مسألة التطبيع؛ لأن الشعب كان صاحب القرار في هذا وليس الساسة ورجال الحكم، ومن ثم أَحجم عن التطبيع، حيث لا تزال دماء الشهداء في بيوتنا باقية، ورفات الجنود في سيناء راقدة. ولكن ماذا لو جاءكم التطبيع قسرا عبر الأثير، حاملا معه كل ما تشتهيه الشعوب العربية؟ ستحاول إسرائيل عبر قنواتها العربية المرتقبة أن تقدم للعقول العربية، والشباب خاصة، كل ما لذ وطاب. أستطيع القول أن تلك القنوات المرتقبة تحتاج تضافرا بين وزراء الإعلام العرب، وتحتاج جهدا ليس بالقليل منهم لمواجهتها؛ وفي مصر يتحتم على المجلس الأعلى للإعلام أن ينهض ليعد استراتيجية واضحة المعالم تعتمد على تطوير الذات والارتقاء بها، لمواجهة الغزو الفضائي الإسرائيلي المرتقب».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية