الناصرة تحيي ذكرى طبيب بارز وثق علاقات لبنان وفلسطين قبيل نكبتها

حجم الخط
0

الناصرة- “القدس العربي”: أحيت مدينة الناصرة داخل أراضي 48، ذكرى رحيل البروفيسور الياس سروجي، أحد أبرز أطبائها، تكريما لخدماته لأهالي المدينة ولشعبه الفلسطيني، وذلك في ندوة خاصة بمناسبة صدور كتاب مذكراته باللغة العربية “من مروج الجليل.. مذكرات طبيب من الناصرة”.

وفي ندوة نظمّتها جمعية “نسيجنا ” في الناصرة، أشار الدكتور شحادة الحاج ابن شقيقة الراحل، لمهارته الطبية الفائقة ولتعامله الإنساني الراقي مع مرضاه ومع أقاربه ومجتمعه.

وخلال الندوة قدم عدد من الناس ممن دأبوا على زيارة عيادته برفقة أهاليهم، شهادات على شهامته، حيث كان في أحيان كثيرة يعالجهم مقابل أجرة مرة ويعفيهم عدة مرات.

وأشار المؤرخ الدكتور جوني منصور، إلى أن الكتاب سيرة لطبيب أطفال بارز قد تميز بعلمه، وتواضعه وانفتاحه وسعة اطلاعه وعطائه وشغفه بالعلم.

واستذكر أن تغيرّات القرن العشرين والتي عاشها وعايشها الدكتور الياس سروجي كانت ذات آثار قوية كبيرة على فلسطين وجوارها، بل على العالم أجمع.

واستنادا لقرائته الكتاب تابع جوني منصور: ” كانت تهمّه في هذا السياق التفاصيل الدقيقة لمركبات الحياة ونضال الانسان من اجل البقاء.. فتفصيل صغير احدث تحولا في حياة الانسان هو الانتقال من استعمال الحطب لإشعال نار الطبيخ الى استعمال (البريموس)”.

وقال إن الوصف الذي يُقدّمه في التحولات الاجتماعية والاقتصادية في البلاد والمنطقة مهم جداً لإعطائنا صورة عن الزمن الذي عاشه وكيف تعامل معه… فاستمرارا لمسألة البريموس، دخلت الكهرباء الى الناصرة في الثلاثينيات من القرن الماضي، يقول: “وهكذا أصبحت الشوارع أكثر إضاءة، واختفى الرجال الذين كانوا يجوبونها عند الغسق لإشعال فتائل المصابيح وإطفائها عند الشفق، كما تخلصت المنازل من مصابيح الكاز، وانتشر الناس في المقاهي والشوارع يستمعون إلى أغاني محمد عبد الوهاب، وأم كلثوم، وهي تصدح داخل المكاتب والدكاكين من الراديوهات الضخمة التي كانت تشكل في ذلك الزمان جزءا اساسيا من اثاث المقاهي والمحلات”.

واستنادا لكتاب المذكرات، يعتقد جوني منصور أن الدكتور سروجي الذي أنهى دراسته الثانوية في برمانا وفي الجامعة الأمريكية في بيروت، أن هذه المرحلة التعليمية قد تركت أثرها على بناء شخصيته وصقلها، كما علمته العيادة التي افتتحها في الناصرة الكثير عن طبيعة الناس والتحولات التي تعصف بهم مع مرور الزمن، ومعرفته العلمية لم تجعله فوقيا بل زادت من حبّه واحترامه للناس.

وتطرق جوني منصور لزواج سروجي من فتاة لبنانية،هي عفة ارسلان، واعتبرها حدثا مفصليا في حياته لأنها من غير ديانته، ولفت إلى أن سروجي عربي وسوري حتى النخاع حيث ارتوى من الفكر القومي والسوري وهذا تمثل بعضويته في الحزب القومي السوري الاجتماعي، منوها أن هذا الفكر انتشر في أوساط مفكرين وطلبة جامعات وكليات ومثقفين في الامتداد السوري، بما فيها فلسطين.

وتابع: “اختبر في الجامعة مسألة التعرُّف على عدد كبير من طالبي العلم من البلاد العربية مما أثرى معرفته وتجربته الحياتية. فمن الذين تعرّف عليهم وتركوا أثرًا في نفسه: فايز صايغ، عبدالله سعادة، نجوى قعوار، انيس المقدسي، جبرائيل جبور، صليبا وسالم خميس… وغيرهم”.

وقال إن سروجي نظر الى نفسه ووجوده بدراية تامة فلم يكن لديه أي تلعثم وحين وقف على سطح المنزل شعر أنّه من بين الجيل النامي لسكان البلاد الأصليين، وهو مع أبناء جيله يراقبون شعب الاستعمار الجديد وهو يوسّع قدمه ويتهيأ للسيطرة على البلاد، معتقدا أن سروجي عرف منذ يفاعته ما كان يجري لشعبه وأرضه وتاريخه، وهذا دليل على فهم التحولات الزمنية التي عصفت بفلسطين في أعقاب سقوط الدولة العثمانية ووقوع فلسطين تحت الاستعمار والاحتلال البريطاني.

وخلص منصور للقول إن القضية الفلسطينية تركت أثراً نفسياً بالغاً عليه، وفكريًا وسياسيًا واجتماعيًا وإن خبرته القوية والعميقة بموضوع الطرد والترحيل على يد المحتل الاسرائيلي واضحة المعالم من خلال تجربته في خدمة اللاجئين الذي وصلوا إلى مواقع مختلفة في لبنان، كما انه تمسّك بأنّ اسرائيل هي دولة احتلال وقمع لشعب بريء كل ما يريده هو العيش بكرامة على أرضه ومن حقّه المقاومة والصمود. وقد بقي متمسكًا بوطنه واعتبر أنّ المشروع الاسرائيلي هو استعمار واحتلال بكل ما في الكلمة من معنى وما يقوم به الفلسطينيون هو الصمود كي لا يفنوا.

وتابع: “إنّها مذكرات حيّة فيها الألم والحزن على ما مضى على محور زمني شائك وقاس… ولكنها تبعث الأمل بأن في شعبنا صور كثيرة للخير ولعمل الخير… وهذا نموذج منه”.

في مداخلته حول الكتاب أشار الزميل وديع عواودة للقيمة المعرفية الغنية في الكتاب في مجالات شتى، علاوة على القيمة الكبيرة في السيرة الذاتية بالنسبة لترميم الذاكرة الوطنية الفلسطينية والمساهمة بالتالي بصيانة الهوية الوطنية للأجيال الناشئة.

وتوقف عواودة عند الأسلوب السردي الروائي والأدوات الأدبية المعتمدة من قبل الطبيب سروجي في مذكراته، وأشار لاتسام الكتاب بالعفوية في السرد والشفافية في وصف الحالة الذاتية أيضا دون تردد بما يذكر كتب مذكرات فلسطينية أخرى ككتاب “من يافا بدأ المشوار” لشفيق الحوت أو “مذكرات محامٍ فلسطيني” لحنا نقارة.

وتطرقت المربية منى سروجي لكتاب عمها الراحل في الندوة واستوقفتها ذاكرتها الحادة المتجلية في استذكار أصغر التفاصيل مثلما توقفت عند المعلومات القيمة جدا التي يوفرها الكتاب عن المدارس في فلسطين ولبنان في تلك الفترة التاريخية علاوة على العلاقة الوجدانية بينه وبين وطنه بمشاهده الطبيعية خاصة في الجليل.

وكانت مديرة جمعية “نسيجنا” فيوليت خوري قد عرضن فيلما قصيرا عن الدكتور الراحل الياس سروجي وعبرت عن سعادتها بنجاحها بالوفاء بوعدها للطبيب الراحل الذي وهب جمعيتها حقوق النشر على كتابه كي يكون رسالة لشعبه من بعده وهو كتاب صدر بطبعتين إنجليزية وعربية وفيهما كتب المقدمة زميله ابن غزة القيادي الوطني الراحل دكتور حيدر عبد الشافي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية