شحاتة عوضلا أدري لماذا غاب عن وعي أو ارادة التيار الناصري والقومي العروبي في مصر عموما، التقاط تلك اللحظة التاريخية التي تعيشها مصر حاليا، والمسارعة للاستفادة من المتغيرات الكبيرة والفرص الهائلة التي اتاحتها ثورة الخامس والعشرين من يناير، لاعادة ترتيب بيتهم وتوحيد صفوفهم استعدادا لاستحقاقات هذه المرحلة المفصلية من تاريخ البلاد التي تستعد لانتخابات برلمانية ورئاسية ستحدد ملامح المشهد السياسي لمصر خلال السنوات وربما العقود المقبلة.
إن المتابع للشعارات التي رفعها من فجروا الثورة المصرية تمحورت في عدة مطالب، هي عيش وكرامة وعدالة اجتماعية، وهي مطالب تحمل في جوهرها وفي مضمونها تلك الاهداف والتطلعات التي ناضل الزعيم جمال عبد الناصر ورفاقه من قادة ثورة يوليو 52 من اجل الانتصار لمطالب وحقوق الطبقات الفقيرة والمحرومة من الشعب المصري، التي مثلت ولاتزال السواد الاعظم من المصريين. لم تكن صدفة ولا شيئا عابرا ان يرفع الكثيرون من بسطاء المصريين الذين التحقوا بثوار ميدان التحرير، صور الزعيم جمال عبد الناصر، وهي صور احضروها من بيوتهم، في إشارة بالغة الدلالة على رغبة قطاع كبير من المصريين لاعادة الاعتبار إلى ثورة يوليو 52، التي تعرضت لحملة اغتيال وتشويه هائلة في عهد السادات، ومن بعده مبارك اللذين انتهجا سياسة معادية بل وننقلابية على كل توجهات ثورة يوليو الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
ولم تتوقف الاشارات والفرص التي اتاحتها ثورة 25 يناير أمام التيار الناصري لاستلهام اللحظة لاعادة صياغة الخطاب السياسي الناصري وتقديمه للجماهير بشكل جديد، عند مجرد الشعارات والمطالب الشعبية فقط، لكنها تمثلت حتى في جانبها الوجداني والعاطفي، حيث ارتكنت الى اغاني واناشيد وطنية كانت نتاجا شرعيا واصــــيلا لثورة يوليو. وكان لافتا جدا ان تصدح اغاني عبد الحليم حافظ الوطنية واغاني الشيخ إمام في ميدان التحرير لتعبر عن مشاعر وأحلام ملايين المصريين الذين خرجوا الى شوارع مصر. كان أمرا بالغ الدلالة أن يفتش المصريون عن اغنيات تعبر عن وجدانهم الوطني وتطلعاتهم فلا يجدونها إلا في صفحات ثورة يوليو وما افزرته هذه الثورة من منتج ثقافي ووجداني يظل صامدا رغم مرور كل هذه السنوات.
ليست هذه دعوة من جانبي لاعادة إنتاج التجربة الناصرية مرة اخرى، ولا اظن ان احدا حتى من غلاة الناصريين يرغب في ذلك. فالجميع يدرك ان مياه كثيرة جرت في نهر السياسة في مصر، وان متغيرات هائلة أحدثتها ثورة 25 يناير، جعلت قيمة الحرية والديمقراطية تقفز لصدارة المشهد بجدارة، وهذا أمر ربما لا يستطيع الناصريون التفاخر به، لكنهم قادرون في المقابل على تأكيد أنهم جزء من حركة التاريخ المتطور، وان في جعبتهم ما لا يقل قيمة عن الديمقراطية وهو العدالة الاجتماعية والكرامة الوطنية، وهما قيمتان لا يجادل الا جاحد في ان عبد الناصر عاش ومات من اجلهما.
كان من المنتظر أن يلتقط الناصريون كل هذه الاشارات وتلك الاشواق من قبل جموع المصريين لحياة أكثر عدالة وكرامة، وهم الذين سحقتهم سياسات نظام مبارك الاقتصادية والاجتماعية وجرفت ثروات البلاد لصالح قلة قليلة فاسدة التحقت بالنظام والتحق النظام بها، في سيناريو مشابه وربما أكثر سوءا من الوضع الاجتماعي الذي عاشته مصر ما قبل ثورة يوليو.
لكن المثير للاسى أن أحدا من قادة ورموز التيار الناصري، لم ينتبه لتك اللحظة بالشكل اللائق بها، بل بدا المشهد عبثيا تماما إذ انخرطت بعض قياداته في معركة عبثية على زعامة حزب غير موجود اصلا في الشارع ولا في وسط الجماهير. حزب تقزم ليصبح مجرد صحيفة ومقر يقبع في شارع طلعت حرب وسط القاهرة ولا يعرفه ملايين المصريين.
وبدا صادما لكثيرين هذا النزاع اللامعقول على رئاسة الحزب العربي الناصري بين سامح عاشور والدكتور محمد أبو العلا، الذي تفجر عقب وفاه مؤسس الحزب وزعيمه الاستاذ ضياء الدين داوود، وامتد الصراع ليشمل صحيفة ‘العربي’ الناطقة بلسان الحزب. كان مأمولا ان تلتفت قيادات التيار الناصري الى تلك الفرص لتوحيد الصفوف وتشكيل جبهة عريضة تضم كل القوى والفعاليات الناصرية والعروبية وكل التنظيمات والطبقات الاجتماعية التي تتحلق حول المبادئ العامة التي انتجتها التجربة الناصرية، من حرية وعدالة اجتماعية وكرامة وطنية، لتواجه استحقاقات المرحلة الحالية، وحتى تتمكن من حجز مقعد يليق بها في قطار مصر الجديدة التي تفتح ذراعيها للجميع. لكن هذا لم يحدث حتى الان بكل اسف ولا تزال هذه القيادات تعيش حالة من التشرذم لم تفلح ما انجزته الثورة وما خلقته من روح جديدة، في إقناع هذه القيادات بتجاوزها. كان على هذه القوى ان تواكب ربيع الحرية الذي يهب على مصر والمنطقة العربية لاعادة صياغة خطابها السياسي القومي العروبي بشكل يتلائم واشواق الحرية والديمقراطية ويعيد اليها مكانتها اللائقة في الخطاب الناصري، وان تعترف بانها لم تحظ بالاولوية في أجندة التجربة الناصرية في زمنها، واصبحت الان على رأس أولويات اي جماعة سياسية تريد أن تكتسب شرعيتها من المصريين. لكن هذا لم يحدث حتى الان بالشكل الجاد والحقيقي.
لكن هل فات القطار القوى الناصرية لالتقاط هذه الفرص العريضة التي قدمتها ثورة 25 يناير؟ الاجابة بالتأكيد لا ولكن ذلك يتطلب جهدا مضاعفا من هذه القوى لاثبات انها جزء من حركة الجماهير وأحلام البسطاء وليست مجموعة من الكيانات النخبوية الفوقية، وهي سمة معظم القوى السياسية الموجودة الان على الساحة باستثناء جماعة الاخوان المسلمين، ومعها حزب الوفد الذي يحاول الان توسيع قاعدته الجماهيرية. ولن يتحقق ذلك إلا بالالتحام الحقيقي مع الطبقات والفئات الاجتماعية التي شكلت سابقا ولاتزال الحاضنة الحقيقية لميراث جمال عبد الناصر وتجربته في شقها الاجتماعي والاقتصادي على الاقل. إن على هذه القيادات الناصرية إن كانت جـــــادة فعلا في ان تجد لها موقعا تحت شمس مصر الثورة، ان تتجاوز هذا المشهد العبثي وان تنزل من ابراجها العاجية وتخرج من القاهرة نحو الكفور والنجوع والقرى الفقيرة المنسية في ربوع مصر، لكي تبشر بان عهدا جديدا يبدأ في هذا الوطن وهو عهد يتنفس هواء جديدا ينعش ذاكرتهم ويعيدهم لعهد اخر عاشه هؤلاء الفلاحون عقب ثورة يوليو. عليها ان تتوجه الى العمال في مصانعهم ونقاباتهم وورشهم لتعيد وصل ما انقطع على مدى سنــــوات بين هذه القيادات وقاعدتها الشعبية الطبيعية. فكيف لتيار خرج من رحم الجماهير وعاش احلام الناس وتطــلعاتهم، ان ينتهي به الحال إلى هذا التقوقع والاستعلاء النخبوي المقيت؟
أثق بأنهم عندما يدخلون بيوت هؤلاء الفلاحين والعمال البسطاء سيجدون ان العديد منهم مازالوا يعلقون صورة جمال عبد الناصر باللونين الابيض والاسود فوق جدران بيوتهم المتواضعة، وسيجدونهم أكثر ولاء واستيعابا لميراث عبد الناصر واحلامه العريضة لبسطاء الوطن، من هؤلاء القادة الذين يتصارعون على العدم.
لا أريد أن أبدو قاسيا على قيادات التيار الناصري في مصر الان، فهناك رموز لا تزال متمسكة بثبات بميراث عبد الناصر وراغبة في تطويره واعادة صياغته بما يتلاءم مع متغيرات التاريخ والسياسة، ودفعت في مقابل ذلك ثمنا ضخما، ومن بين هؤلاء حمدين صباحي ونفر قليل معه من قيادات الجيل الثاني من التيار الناصري ومعهم جيل الشباب القومي، وهذا الجيل وتلك القيادات هي الاقدر في ظني على ان تقوم بهذه المهمة وان تكتب تاريخا جديدا للحركة الناصرية وان تقدم مساهمة سياسية واجتماعية متكاملة تضع قيم الحرية والديمقراطية في مكانة لائقة، وتسهم بفاعلية في بناء مصر الحديثة الديمقراطية المدنية، حتى لا يأتي يوم يحكي فيه الاباء الناصريون لابنائهم بآسى ‘أن تاريخا مصريا كتب يوما ما وان احداثا عظيمة جرت على ارض هذا الوطن لكننا لم نكن هناك’.’ كاتب مصري