أجرى الحوار صلاح سرميني: عدنان حسين أحمد، قاصّ، ناقدٌ أدبيّ، سينمائيّ، وتشكيليّ، ومترجم، حاصلٌ على شهادة البكالوريوس في اللغة الإنكليزية من كلية الآداب بجامعة بغداد، ودرجة الماجستير في النقد الأدبي من الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية بلندن، أصدر ثلاث مجموعاتٍ قصصية : ‘جولة في مملكة السيدة هاء’، ‘أقواس المتاهة’، و’كوابيس ليلية’، وعدة كتبٍ نقدية من بينها ‘أطياف التعبيرية’، و’الرواية العراقية المُغتربة’، و’أدب السجون خلال سنوات الحكم الدكتاتوري في العراق’. وسوف يصدر له قريباً كتاب ‘الفيلم الوثائقي العراقي في المنافي الأوروبية’..
‘ عدنان، أقرأ لكَ كلّ أنواع النقد، حتى أنني تساءلتُ بخبثٍ، كيف تجد الوقت اللازم لمُتابعة هذه النشاطات، والكتابة عنها؟
‘إنني مولعٌ بالثقافة البصرية أولاً، وأخيراً، وهي تبدأ بالصورة الفوتوغرافية، وتمرّ بالفنّ التشكيلي، وتعرّج على المسرح، وتنتهي بالسينما، وكلّ تفرعاتها الشرعية، وغير الشرعية، كالتلفاز، والفيديو آرت، وما إلى ذلك من منتجات العصر الحديثة التي تستوعب إهتمامات المثقف تحديداً، والإنسان بشكلٍ عام، لستُ الوحيد الذي ينتبه إلى أهمية الوقت في هذا العالم، بل هناك آلاف مؤلفة من الكُتّاب الذين يشعرون بأهميته، ويستثمرونه خير إستثمار، ورُبما أشير في هذا الصدد إلى بعض الأصدقاء الأدباء أمثال د.عبد الواحد لؤلؤة الذي أنجز حتى الآن 52 كتاباً، ولديه أكثر من 50 كتاباً جاهزاً، ومُعدّاً للطبع، وكذلك د. خزعل الماجدي الذي أنجز أكثر من 60 كتاباً، ولديه عشرات الكتب المخطوطة، والشاعر، والباحث، والمترجم جلال زنكابادي الذي لديه نفس الكمّ من الكتب المنشورة، والمخطوطة، والدكتور صلاح نيازي الذي أنجز عشرات الكتب المؤلفة، وترجم عيون الأدب العالمي إلى العربية، وعشرات الأصدقاء الذين يعرفون أهمية الوقت، وخطورته.
أحرص على حضور معظم الفعاليات، والأنشطة الثقافية التي تقع في دائرة إهتمامي، وهي الثقافة البصرية، والنقد الأدبي، واستعمل أسرع وسائل النقل الحديثة للوصول إليها كي لا أُبدِّد بضعة دقائق رُبما يعتبرها البعض ضرباً من الجنون، أما كيفية الكتابة عن هذه الفعاليات الكثيرة، وتغطية معظمها، فتحتاج إلى وقفةٍ أخرى، فأنا أمتلك القدرة على التقاط جوهر هذه الأنشطة الثقافية، والفنية، وتدوينها بشكلٍ سريع، ومكثف من دون التفريط بالتفاصيل الصغيرة التي تذكّرني بالمحاور الرئيسة لهذا النشاط الثقافي، سواءً محاضرة، معرضاً، حلقة نقاشية أو فيلماً سينمائياً، فلقد علّمتني الحياة ‘أن أردأ أنواع الحبر هو أفضل من أيّ ذاكرة قوية’، لذلك ألجأ إلى تدوين المحاور، والأفكار الرئيسة التي تفتح أمامي مغاليق الموضوع الذي أكتب عنه، كما أحاول الإفادة من البروشورات، وكل المطبوعات المدوّنة التي تُعيدك إلى قلب النشاط الثقافي الذي تروم الكتابة عنه، وتضعك في مناخه العام، ولأنني، من قبلُ، ومن بعد، أحب هذه الأنشطة الثقافية جداً، وأستمتع بها، فلا غرابة أن أكتب عنها بمحبةٍ مضاعفة قد تفوق جهود بعض أقراني ثلاث، أو أربع مرات.
‘ ما الذي يجعلك تنتقل بسهولة، وإسهاب بين هذه الكتابات النقدية المختلفة…وكمان، تكتب قصصا، وتُترجم..؟
‘صحيحٌ أنّ فروع الثقافة البصرية متعددة، وقد يحتاج بعض الأشخاص لأن يتخصص في حقل من هذه الحقول المُتشعبة، ولكنني أمْيَل إلى النهل من مشارب ثقافية، وفنية مختلفة على إعتبار أن بعض العقول البشرية مرنة، وقابلة للتطويع، بينما يصرّ بعض من الناس على الإنقطاع لجنسٍ أدبيّ، أو فنيّ، أو معرفيّ واحد، وكي أضعك في الصورة الحقيقية التي لا لَبِس فيها، لا بدّ أن أعود إلى الوراء قليلاً، إلى أيام الدراسة المتوسطة التي كتبتُ فيها بعض القصص، وتبيّن لي أنها من خيرة القصص التي دبّجها الطلبة في المحافظة، وقد ابتهجتُ كثيراً حين أثنى عليها الكاتب المسرحي ‘محي الدين زنكنة’ في واحدة من الملتقيات القصصية، ثم فزت بأكثر من جائزة في مجال القصة، والإستذكارات، فإكتشفت أنني أمضي في الطريق الصحيحة لكتابة النصّ الإبداعي، أما الترجمة، فلقد درستها في كلية الآداب، بجامعة بغداد، وتدربت على الترجمة الفورية لسنواتٍ طويلة، وقد ترجمت عشرات القصص، والمقالات الأجنبية بدافع حُب اللغة الإنكليزية، والولع بالآداب العالمية التي كنّا نمحضها حُباً من نوع خاص، وفيما يتعلق بالفن التشكيلي، يمكنني القول باطمئنان كبير، أنني كنت ‘أتفحّص’ غالبية المعارض الرئيسة في ديالى، وبغداد في الأقل، وأكتب عنها، لأنني أحبها أولاً، وأجد فيها تطميناً لروحي الهائمة التي تبحث عن شيئٍٍ ضائع، لكنه موجود قطعاً في الصورة الفوتوغرافية، واللوحة التشكيلية، والكادر السينمائي، هذه هي يعض أسرار آليتي المرنة في التنقّل بين الفنون، والأجناس الإبداعية، وتوزيع إهتمامي بها بالتساوي تقريباً.
‘ كيف بدأت علاقتكَ مع النقد السينمائيّ ؟ ماهي العوامل، أو المُغريات التي جذبتكَ للكتابة عن السينما ؟
‘لم تنبثق علاقتي مع النقد السينمائي من فراغ، فلهذه الحكاية جذور تمتدّ إلى أيام الصبا، والشباب حين كنت ‘أجازف’ بالسفر من مدينة ‘جلولاء’ إلى قضاء ‘خانقين’ كي أشاهد فيلماً إيرانياً كلّ أسبوع، وكي لا تضيع التفاصيل الرئيسة لقصة الفيلم التي كنتُ أرويها لبعض زملائي، وأحرّضهم على مشاهدة الأفلام السينمائية، كنتُ أدوِّن بعض الأحداث التي تذكِّرني بالسياق السرديّ للفيلم، ومسار شخصياته الرئيسة، مُتبجحاً أمامهم بنطق أسماء الفنانين بنبرتها الأجنبية أكانت إيرانية، تركية، أو إنكليزية،..هذا الشغف الأوليّ بتدوين أحداث القصص السينمائية أغراني بمشاهدة المزيد من الأفلام التي تتطلب مني أن أتجشّم عناء السفر البعيد إلى محافظة ديالي، أو العاصمة بغداد كي أعزّز رصيدي البصري الذي أخذ يرتفع رويداً رويداً، كانت الكتابة عن الأفلام في حينها رغبة ثانوية تتنازع مع إهتماماتٍ أدبية أخرى كنت منشغلاً بها، ولا أزال حتى هذه اللحظة، مثل الكتابة النقدية، والإبداعية، لكنني حسمت أمري حين قررت دراسة اللغة الإنكليزية، والتفرّغ لاحقاً للنقد الأدبي، والتشكيلي، والترجمة بين أوانٍ، وآخر، غير أن ولعي بالسينما أولاً، والنقد السينمائي ثانياً، هما اللذان ثارا عليّ، وغيّرا ترتيب إهتماماتي الأدبية، والفنية حين إحتلت مشاهدة الأفلام المنزلة الأولى، وكتابة النقد السينمائي الذي بدأته فعلياً منذ أوائل التسعينات من القرن الماضي، وواظبت عليه حتى الآن.
‘الحمد لله بأنكَ حسمتَ أمرك،…أفهم الآن لِمَ تكتب عن السينما الإيرانية، والتركية، ولكن، لماذا جذبتكَ أكثر من غيرها، أتصوّر بأنّ صالات السينما في العراق وقتذاك كانت تعرض الكثير من الأفلام المصرية، والهندية..؟
‘هناك سببان رئيسيان للكتابة عن السينما الإيرانية، والتركية، الأول أن السينما الإيرانية كانت تعرض الكثير من الأفلام ذات الطابع التراجيدي الذي يحاكي أوجاع العراقيين، وأحزانهم المتواصلة، وفجائعهم التي لا تتوقف مثل قدر غريب، وعلى الرغم من علمانيتي، وشكوكي الوجودية المتواصلة، وقراءاتي الماركسية المُبكرة، إلاّ أنني كنت فرداً في ذلك القطيع البشري الذي لم أستطع الإنفصال عنه كلياً، لذلك كنت أشاهد هذا النمط المأساوي من الأفلام الإيرانية، لكن هذا الانغماس لم يمنع بعض المخرجين الإيرانيين من الخروج عن السرب، والتغريد خارج إطار المآسي المذكورة، فثمة أفلام تتحدث عن الحب، والجانب المشرق في الحياة، لكنها كانت قليلة، أو أن ما يصلنا منها كان قليلاً، ونادراً، لكن هذا الكمّ القليل كان محفِّزاً لي على البحث، والتقصي، والاستكشاف.
أما السينما التركية فكانت تضخّ، ولا أدري ما السبب في حينه، صالات السينما في ديالى، وبغداد أفلاماً عاطفية رومانسية، وبعضها ذات طابع إيروسي أقرب إلى الصراحة، بل أننا كنا نتابع بحماس كبير أفلام ‘إبراهيم تاتلسيس’، والحسناء الفاتنة ‘هوليا أفشار’ التي كانت تتوفر على مواصفاتٍ جسمانية مذهلة شغلتنا لعددٍ من السنوات بحيث أصبحت جزءاً من ذاكرتي البصرية، لا أخفيك أنني كنت أتابع أفلامها لهذا السبب، لأنني لستُ نبياً بالنتيجة، لكنني كنت أستمتع بالبناء السردي للقصة السينمائية أولاً، وربما كانت اللغة السينمائية بالنسبة لي آنذاك همّاً ثانوياً، لكنها نبهتني إلى عناصر الجمال الأخرى الكامنة بين طيات الفيلم، غير أنّ هذه المعادلة إنقلبت حين وصلتنا أفلام مخرجين كبار من طراز ‘يلماز غوناي’، ورموز السينما المستقلة التي تعمل في أطرها الجادة المعروفة.
‘ طالما أنك تسترجع الماضي، هل لكَ أن تتحدث عن حال الثقافة السينمائية في تلك الفترة : الصالات، نوادي السينما، المهرجانات، المجلات، والصحف،..كانت هناك حالة من الغليان الثقافي،.. أرجو أن تكون موضوعياً، ومنصفاً لتلك الفترة التي لم تكن سوداء بالمُطلق..؟
‘هل تجد اختلافاتٍ جوهرية بين حال الثقافة السينمائية في العراق فترة الثمانينيّات، واليوم؟
‘ لقد تغيّرت الثقافة السينمائية بقدر،ٍ أو بآخر في العراق، ففي حقبة الثمانينات بلغ عدد صالات السينما 86 صالة، أما الآن، فلا يزيد العدد على أصابع اليد الواحدة في العاصمة بغداد، وهذه إشارة سلبية، وخطيرة تضعك أمام إحتمال إنقراض السينما العراقية التي تحتاج بالضرورة إلى صالاتٍ متطورة لعرض النتاج السينمائي العراقي على قلته، لكن، اللافت للنظر، أن هناك تحولاً جذرياً لا علاقة له بسياسة الدولة الرسمية، فمنذ إحتلال العراق من قبل القوات الأنكلو-أميركية، تضاعفت القنوات التلفازية الأرضية، والفضائية إلى نحو 70 قناة، و 160 صحيفة، ومجلة، ودورية، وعشرات النوادي السينمائية ببغداد، وبقية المحافظات العراقية، ناهيك عن بعض المهرجانات السينمائية التي يتولاها نقاد، أو سينمائيون عراقيون،..لقد تغير واقع الحال، لكن المنجز السينمائي العراقي ظلّ متعثراً، لأن الحكومات المتعاقبة لا تحترم الفن السابع، ولا تعيره أيّ اهتمام، لذلك ظلّ القليل منه معتمداً على الجهود الفردية في معظم الأحوال، لأن الدولة في وادٍ، والسينمائيين في وادٍ آخر، نقطة التحول الوحيدة ما تزال مرتبطة ببغداد عاصمة الثقافة العربية، هذا الحدث الثقافي الذي أجبر وزارة الثقافة على دعم 13 فيلماً روائياً، وبضعة أفلام وثائقية، وعلى الرغم من أهمية هذه الخطوة إلا أنها ضئيلة، ولا تتناسب مع العمق الحضاري، والثقافي للعراق الذي يُفترض أن ينجز في الأقل 20 فيلماً روائياً في العام الواحد، وذلك لثروته المادية، والبشرية في آنٍ معا، هذا إضافة إلى معاهده، وأكاديمياته الفنية المبثوثة في طول البلاد، وعرضها.
‘ نسبة كبيرة من الكتابات العربية عن الأفلام هي بالأحرى تلخيص قصصها، أو وصفها، وعندما أقرا هذا التأكيد لناقدٍ ما، أعود إلى بعض كتاباته، فأجده يقع في نفس المصيدة : تلخيص، وصف، وبعض الأراء السريعة عن الجوانب الفنية، والجمالية للفيلم…؟
‘ هذا سؤالٌ شديد الأهمية من وجهة نظري المتواضعة، لأنه يضع الأصبع على الجرح، ويؤشر إلى موطن الخلل في العملية النقدية، ومرّد ذلك أن تناول قصة الفيلم، أو ثيمته هو أسهل شيئ فيه، ويا حبذا لو وقف الأمر عند هذا الحدّ، فبعض النقاد لا يتمكنون من عرض القصة، والإحاطة بكل جوانبها، وثمة أمثلة كثيرة، أنت تعرفها جيداً، تكشف لنا بما لا يقبل الشك أن هذا الناقد، أو ذاك لم يستوعب الفيلم حتى وإن كان مُترجَماً إلى العربية، بل قد يكون هذا الناقد غفا أثناء عرض الفيلم، وفاتته بعض الأحداث التي ستعيقه عن فهم مهيمنة الفيلم الأساسية، فكيف تطالب هذا الناقد أن لا يقع في هذه المصيدة، إن التركيز على قصة الفيلم لوحدها يعتبر خللاً أكيداً في العملية النقدية، لكن تناولها بشكل متوازن مع مجموعة القيم الفنية، والجمالية التي تبدأ بالصورة، وتمرّ بمهيمنات الثيمة الرئيسة، وتجليات الأداء، وتنتهي بتألق المؤثرات السمعية، والبصرية هي التي تمنح الدراسة النقدية قدرها، ورصانتها، وتضعها في مصاف المقالات، أو الدراسات التي تستحق القراءة التفاعلية من قبل القارئ العضوي الرصين.
‘ ماذا يُثيرك في الفيلم كي تكتب عنه ؟
‘ ثمة أفلام تهزّك من الداخل، وتبعث في روحك رعشة خفيفة أشبه بالصعقة الكهربائية التي تلامس وجدانك، وهذا بالضبط ما أسميته في إجابة سابقة بالنفحة الإبداعية التي قد لا تحيط بها تماماً، لكنك تستشعرها، وتتلذذ بها، وهي لذّة الصورة، أو لذّة النص، أو لذة الأداء البارع الذي قد يصل حدّ الإتقان التام المُغلق الذي لا تستطيع أن تضيف إليه شيئاً جديدا، بعض الأفلام يتوفر على ثيمة قوية، وصادمة أبدع فيها كاتب النصّ الأصلي، أو إلتقطها كاتب السيناريو بشكل حاذق، أو كتبها هو بنفسه، فتحفزك على الكتابة، وثمة أفلام تزدان بعدد كبير من اللقطات، أو المَشاهد القصيرة التي تشعر بلغتها السينمائية، فتدفعك للكتابة، وأحياناً ثمة مؤثر صوتي، أو بصريّ يستفزك من دون أن تعرف السبب، فيحرضك على الكتابة، ويدفعك إليها دفعاً.
‘ هل بتوّجب على الناقد أن يكتب عن الأفلام الجيدة فقط، ويُهمل الرديئة ؟ وهل الكتابة عن الأفلام الرديئة مفيدة للمشاهد/القارئ ؟
‘الأفلام الجيدة تمنحك شحنة إضافية للكتابة، أما الأفلام الرديئة، فإنها تثبط العزائم، وتوقظ الجانب الوحشيّ في الإنسان، هذا الجانب الذي نشذبه يومياً كي لا يستفيق الوحش الكامن في كلّ واحد منا، نرتدي القفازات الناعمة أحياناً كي نخبئ مخالبنا، ونحجبها عن الأنظار، ومع ذلك، فإنها تظهر للعيان بين آونة، وأخرى، ما الذي يمكن أن تقوله عن فيلم رديء أكثر من كلمة الرداءة نفسها التي تعفيك عن الاسهاب، والإطناب في التوصيفات الجارحة، والموغلة في الإيذاء،
‘ ماهو تقييمك للمهرجانات السينمائية العربية ؟
‘ دعنا نعترف بأن الإمارات العربية المتحدة قد سحبت البساط من أشهر المهرجانات السينمائية العربية، أو لنقل أنها ‘خطفت الأضواء’ منها، ورُبما يكون مهرجان أبو ظبي السينمائي هو الأكثر هيمنةً على الساحة العربية، ويليه مهرجان دبي السينمائي الذي يتألق هو الآخر على الرغم من إمكانياته المادية المحدودة قياساً بمهرجان أبو ظبي، ومهرجان الخليج الذي حقق سمعة طيبة بجهودٍ فريقه الذي يعمل مثل خلية نحل، لا شك في أن مهرجاناتٍ عريقة مثل مهرجان القاهرة، والإسكندرية، وقرطاج، ودمشق، ومراكش، وبيروت هي مهرجاناتٍ راسخة في الذاكرة غير أن ألقها، وبريقها بدأ يخفت، لأن الأنظار متجهة إلى الخليج العربي، وخاصة الإمارات، وقطر، وربما تتسّع هذه الظاهرة لتشمل بقية البلدان الخليجية التي لها بصمة سينمائية مهمة مثل الكويت، والبحرين.
‘ عدنان، هناك جزءٌ من الإجابة لم يُعجبني، وهنا سوف أُظهر طبيعتي الديكتاتورية، وسوف أحذفه من الحوار…
‘لا بأس، شرط أن لا تؤثر على السياق العام، وتضع الإجابة وُفق آلية ‘لا تقربوا الصلاة…’، وتحذف أهمّ ما في الإجابة.
‘ سوف أتغاضى عن إجابتكَ السابقة، ولن أفتعل صداماً بيني، وبينك،….ولكنكَ لم تتحدث عن المهرجانات السينمائية في العراق ؟
‘ على الرغم من أن العراق لا يزال مترنحاً من الهجمة الأنكلو- أميركية التي شُنّت عليه عام 2003 بذريعة إسقاط الدكتاتورية، إلاّ أن قاطرة السينما العراقية قد عادت إلى سكتّها القديمة، ولكن، بسرعةٍ أقل، فما تزال تدبّ دبيباً لا يفتح شهية السينمائيين العراقيين، ومع ذلك، هناك بعض المهرجانات الجيدة، مثل مهرجان العراق الدولي للفيلم القصير، ومهرجان بغداد السينمائي الدولي الذي تحوم حوله شكوك قرأنا عنها في الصحافة العراقية، والاتهامات التي تبادلوها على شاشات الفضائيات العراقية، ومع أنّ هذا المهرجان متواضعٌ إلا أن تسميته كبيرة، وطنانة جداً، وكان الأجدر بالقائمين عليه أن يتواضعوا قليلاً، ويهبطوا من أبراجهم العاجية ليسموا الأشياء بمُسمياتها الحقيقية، ولا حاجة للنفخ في قِربةٍ مثقوبة أصلاً، الجانب الكردي هو الأكثر واقعية، ونشاطاً، فلقد سمعنا حقيقة عن خمسة مهرجانات، وهي : مهرجان الفيلم الكردي بالسليمانية، وملتقى ‘جرا’ للأفلام الوثائقية، ومهرجان ‘لا للعنف’ للأفلام القصيرة، ومهرجان الفيلم الكردي برلين- دهوك، كما تجدر الإشارة إلى أن المنجز السينمائي الكردي قد جاوز الخمسين فيلماً روائياً خلال الخمس والعشرين سنة الأخيرة، أيّ ما يعادل نصف المنجز السينمائي العراقي ‘العربي’، كما أن حكومة الإقليم أكثر وعياً من الحكومة المركزية ببغداد بأهمية السينما، ودورها في تثوير الثقافة البصرية لدى المشاهدين، بل أن الحكومة الكوردية تدعم مخرجين إيرانيين كورد مثل بهمن قباذي، وغيره بملايين الدولارات من أجل إنجاز أفلام عراقية كردية تعالج هموم الشعب الكردي في كردستان العراق، أو إيران، أو تركيا، وهذا نجاح يحسب لمصلحة الكرد عموماً الذين بدأوا يعرفون من أين تؤكل لحمة الكتف، ويؤسّسون لثقافة بصرية جادة، وشعبية في آنٍ معاً.
‘ دعنا نفترض بأنّ أحد المهرجانات العربية إعتمد جائزةً سنويةً لناقدٍ عربي، وكنتَ في لجنة التحكيم، من هو هذا الناقد، وماهي مبرراتكَ ؟.
‘ دعني أذكر لك بعض الأسماء كي أوسّع هذه الزاوية الحرجة التي أعتقد بأنها تضمّ : أمير العمري، إبراهيم العريس، زياد الخزاعي، سمير فريد، عدنان مدانات مع الأخذ بعين الاعتبار أن مساحة الجائزة تتسع للعديد من النقاد السينمائيين العرب.