الرباط ـ «القدس العربي»: اختار الناقد الفني والصحافي المغربي حسن نرايس أن يختط لنفسه مسارا تأليفيا يرصد تجليات السخرية في الإبداع الأدبي والفني وفي مجالات الإعلام والحياة. كما يحلل صدى الإنتاجات الساخرة لدى المتلقي، دون أن يغفل أبعادها السياسية والاجتماعية والثقافية، وعلاقتها بالسياقات المحلية.
في كتابه الجديد «بْحال الضحك: السخرية والفكاهة في التعبيرات الفنية المغربية»، يشير نرايس إلى أن إبداع النكتة يتم في أجواء ومواقف وسياقات يتحرر فيها العقل من الرقابة ومن الخوف، وتشتمل على تناقضات في الأحداث وكسر للتوقعات، من أجل إثارة الضحك. كما يلاحظ أن النكت غالبا ما تشتمل على موضوعات ومضامين يطبعها الثالوث المعروف: الدين والجنس والسياسة، ولا يجري التشجيع على حكيها في المناخ الاجتماعي العام الذي لا تسود فيه الحرية المطلقة. وهكذا تبقى النكت سجينة المكان الخاص، بعيدا عن العمومي. بل أحيانا يتم حكيها بصوت منخفض أمام أناس لا تعرفهم حق المعرفة، خاصة إذا تعلق الأمر بنكت مرتبطة بالساسة وبالسياسة.
يتوقف المؤلف عند نكت حيكت حول رجليْن من رجال العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني، وهما: الشيخ الصحراوي خطري ولد سعيد الجماني، والوزير الأسبق أرسلان الجديدي (وكلاهما توفيا منذ سنوات عديدة). ويورد المؤلف رأيا لبعض المحللين الذين يذهبون إلى القول إن النكت الموجهة إلى تينك الشخصيتين هي في الأصل موضوعة لانتقاد نظام الحسن الثاني بشكل مبطن.
ويذكر أن الفكاهة في «الحلقات» الشعبية في مراكش والدار البيضاء ومكناس وفاس ومناطق أخرى كانت مبنية أساسا على الضحك التلقائي ذي الطابع الارتجالي، كما كانت مرتبطة بالارتزاق اليومي للمبدعين من الفقراء أصحاب الموهبة؛ خاصة وأن المسرح كانت هي أصل المسرح في المغرب، ومن ثم كان لهذا الفن مبدعون ذوو بصمات مميزة، من بينهم: اللوطة وبعاو وبوغطاط وخليفة وغيرهم.
ثم ينتقل إلى سرد العديد من رواد فن الفكاهة بمفهومها العصري، بدءا بالفنان الحسين السلاوي والرائد البشير العلج والأخوين القدميري وبوشعيب البيضاوي، ومرروا بعبد الرحيم التونسي (المشهور بعبد الرؤوف) وظهور فنانين شكلوا ثنائيات عديدة، من أمثال: «قشبال وزروال» و»قرزوز ومحراش» و»بوشعيب الدكالي ومصطفى العبدي» و»الداسوكين والزعري» و»سعد الله عزيز وخديجة أسد» و»المحجوب الراجي وصلاح الدين بنموسى» و»عاجل وفلان» و»محمد الخياري ومصطفى يدين» و»السفاج ومهيول» و»بزيز وباز» وغيرهم… وصولا إلى أسماء أخرى كعبد الخالق فهيد وسعيد الناصري وحسن الفد ومحمد عاطر وحنان الفاضلي، علاوة على مجموعة من المواهب الشابة الجديدة في مجال الفن الساخر.
بعد ذلك، ينتقل إلى انتقاد الفقرات الفكاهية التي تقدم في القنوات التلفزيونية المغربية خلال شهر رمضان، فيشير إلى أنها مليئة بالألفاظ السوقية والكلام الفارغ من كل إبداع، كما يعتبرها «فكاهة الإرهاق والتعذيب الفكري ومحو الذاكرة». والحال أن الفكاهة ـ كما يقول المؤلف ـ ليست تهريجا ولا إهانة ولا تهكما مجانيا، كما أنها ليست إسفافا مبالغا فيه.
وللسينما حظ وافر في كتاب حسن نرايس، إذ يبحث مدى حضر الكوميديا في الأفلام المغربي، فيستنتج أنها قليلة جدا، رغم التراكم الذي حققه الفن السابع عموما في المغرب، ويذكر عناوين نماذج قليلة من الأفلام المغربية التي حاولت نهج هذا الأسلوب، على سبيل المثال فقط لا الحصر، إذ اتخذت من شخصية البطل موضوعا رئيسيا للإضحاك ولم تكن الكوميديا نابعة من الموقف أو الموضوع، مثال ذلك: البشير السكيرج في «غراميات الحاج الصولدي» للمخرج مصطفى الدرقاوي وكذا في فيلم «البحث عن زوج امراتي» لمحمد عبد الرحمن التازي والممثلة أمينة رشيد في فيلم «فيها الملح والسكر وما بغاتش تموت» وحسن الفذ في فيلم «رحمة» لعمر الشرايبي، وسعيد الناصري في فيلم «الباندية»، وعزيز دادس في فيلميْ «الطريق إلى كابول» لإبراهيم شكيري و»الحنش» لإدريس المريني، والممثل عبد الله فركوس في فيلم «الفروج»…
يرجع المؤلف عدم اهتمام السينما المغربية بما فيه الكفاية بالكوميديا إلى «القصور النظري الملاحظ لدى بعض المبدعين المغاربة حول السخرية والفكاهة، هذا القصور الذي يعتقد بأن العمل ينبغي أن يكون جادا ليكون إبداعا حقيقيا، وبأن الرسالة الفيلمية لا تتأتى إلا بالجدية والمعقولية. وينسى هذا القصور النظري أو يتناسى أن الفكاهة جادة هي الأخرى ونبيلة إن هي وظفتْ بقواعدها وأساليبها وآلياتها وأبعادها الجمالية والفكرية.»
أما بخصوص الصحافة الساخرة، فيلاحظ المؤلف ـ بعد استعراض نماذج لها خلال العقود الأخيرة ـ أن الساحة المغربية لم تعرف تواجدا قويا وملتزما لهذا النوع من الصحافة، ولم تفرض وجودها كما فرضته في بعض البلدان العربية، لكنها خلال السنوات الأخيرة بدأت ترسم خطوات بين الفينة والأخرى.
ثم يفرد بعض الصفحات للتعريف باسمين برزا في فن الفكاهة بالمغرب هما: حميدو كيرا (1943/ 1999) وسعيد الصديقي (1930/ 2003).
يوضح الناقد والباحث الدكتور مصطفى النحال في تقديم الكتاب أن المؤلف حسن نرايس «لا ينطلق من تعريف قبْلي ومتعال لمصطلحات الضحك والسخرية والتهكم والباروديا، بقدر ما ينطلق من الوقائع والأحداث والتعبيرات كما تجري على الخشبة أو في الشاشة أو في الشارع. لذلك، فإن انشغاله ليس انشغالا أكاديميا يروم التنظير والتحديد، بعيدا عن الواقع الفعلي الذي يَسِمُ مجال الفكاهة في المغرب. خلافا لذلك، اعتمد الكاتب منهجا يجمع بين وصف البنية الداخلية والفعلية للفكاهة وتحليلها، وذلك لأن الأسئلة التي تحركه هي الأسئلة المتصلة بالتطور الصعب الذي يعرفه مجال الفكاهة في المغرب، وكذا الإكراهات المتعددة التي تحول دون تحقيق التطور المنشود خلال العقود الأخيرة».