الناقد المصري سيد الوكيل في «حدود النقد وطموح الإبداع»: هل يمكن للخطاب النقدي أن يصل مع الإبداع إلى حقيقة مطلقة؟

عاطف محمد عبد المجيد
حجم الخط
0

يُحكى أن ملكاً إيطاليّاً شاهد ثوراً قويّاً في حلقة لمصارعة الثيران، فابتهج وتمنى أن يكون بقوة هذا الثور، وفي الحلم رأى نفسه بقرنين وظل هذا الحلم يراوده كل ليلة، وذات صباح استيقظ فرأى قرنين عظيمين على رأسه. هذا ما أحببت أن أبدأ به قراءتي هذه لكتاب «حدود النقد وطموح الإبداع» للناقد المصري سيد الوكيل، وفيه يشير إلى سعي النقد، في السنوات الأخيرة، إلى تخليص نفسه من المشكلات التي أنتجتها سيمترية الأداء العلمي، التي تحد كثيراً من فعاليات التنوع والتراسل بين الفنون والآداب المختلفة بما يضيّق من أفق الابتكار ويقلص مساحات التجريب، متسائلاً هل يمكن للغة النقدية أن تبلغ درجة كاملة من الدقة العلمية؟ أم أن ثمة هامشاً يظل خارج محيط الدقة، يسمح بدرجة أعلى من الاختلاف الذي قد يصل أحياناً إلى حد التناقض؟ معلناً بداية أن النقد هو محاكاة للإبداع، وبمعنى أدق هو إبداع موازٍ.
هنا يرى سيد الوكيل، ناقداً ومبدعاً، أن مكانة القرن العشرين تظل بارزة في علوم الدراسات الأدبية، إذ تعددت النظريات في هذا القرن وتعاقبت درجة أننا نكاد نظن أن الأدب لم يحظَ في تاريخه باهتمام بقدر ما حظي به في القرن العشرين، ذاكراً أن هناك زخماً أصاب متلقي الأدب غير المتخصصين ببعض الارتباك حيث يصعب عليهم فض الاشتباك بين هذه النظريات التي قد تتناقض في ما بينها أو تتكامل وتتداخل، مشيراً إلى أنه من المناسب ونحن نقف على عتبات القرن الواحد والعشرين الذي يشهد تحولات كبرى فرضتها الثورة التكنولوجية، أن نلقي نظرة، على سبيل المراجعة التاريخية المبسطة، على نظريات الأدب خلال القرن العشرين بوصفه شاهداً على ازدهارها.

طاقة الإبداع مقاوِمة

الوكيل الذي يؤكد هنا أن طاقة الإبداع ذات طبيعة مقاوِمة للهيمنة العقلية، وأن العلوم الإنسانية كلها عانت بشكل أو بآخر مما عانى منه الأدب، معتقداً أن الثقافة تسعى إلى تحرير نفسها من أشكال السلطة كافة، رافضة الروح القبليّة التي تجعل من الآباء المقدسين مرجعاً لها، يركز على أنه بعد تعدد نظريات التلقي لم تعد قراءة النص الأدبي رهناً بالذائقة الشخصية أو الانطباع الذاتي، وأصبح على قارئ الأدب أن يُلمّ ببعض المعارف الأولية التي تسهم في قراءة النص قراءة جمالية واسعة ومنضبطة، ظانّاً أن إلمام المبدع برؤية عامة لنظريات الأدب ومدارسه قد تسهم في ردم الفجوة بين الناقد والمبدع، بل تسهم كذلك في تطور وعي المبدع بما يكتب.
ولعل الخلاص من حتمية التزام المبدع بالمنهج النقدي ونظرياته، مثلما يرى، فتح أفقاً واسعاً ينطوي على مسارات أدبية ونقدية جديدة من بينها كسر سلطة الأنواع الأدبية، والاعتراف بتداخل الأنواع، وهو ما يتجلى في قصيدة النثر والقصة القصيرة، لافتاً النظر إلى أن الرواية لم تزل رهناً بالتصنيفات الموضوعية، على نحو ما هو كائن في الرواية السياسية، التاريخية، البوليسية، الخيال العلمي، وهو ما يعد امتداداً للتصنيف الأوّلي من قبيل الرواية الرومانسية، الرواية الواقعية. كما ينبّه إلى أن استخدام الطرق العلمية في البحث الأدبي ليس شيئاً جديداً، حيث استخدم أرسطو في كتابه «فن الشعر» طرائق منهجية منها الاستقراء، الاستنباط، التحليل المعرفي، والمقارنة، وهي مناهج أساسية للمعرفة، ذاكراً أنه مع قدوم منتصف القرن العشرين أصبح للدراسات البيئية حضور مؤثر في التناول النقدي. كما أن ما بعد الحداثة أفضت إلى مفهوم واسع للنقد، لا ينأى عن الدراسات الثقافية والفلسفية الطبيعية التي من قبيل علوم الفضاء الكوني والفيزياء، وقد يؤدي التوسع في تطبيق أي منهج إلى تجاوزات، وقد يثير بعض المشكلات، غير أن هذا لا يعني أن المنتَج فاسد، إذ أثبتت المناهج العلمية صلاحيتها للتطبيق في أكثر من مجال من مجالات البحث الأدبي.
كذلك يرى الوكيل أن النقد الجديد يرفض المعنى الضيق للعلمية، وأنه يغلق الباب في وجه غير العلميين من ذوي المعرفة الضحلة والضيقة الذين يَلهجون بمقولات ومصطلحات من قبيل البركة العلمية، مؤكداً أن الناقد الجيد مطالب بالاطلاع الجاد والواسع على نتائج البحث الأدبي المتخصص بحيث يمكنه نقدها وتجاوزها، خاصة وأنه ليس هناك شيء مقدس ونهائي في المعرفة. كما يميل إلى القول بأنه لم يعد ثمة نقد أكاديمي، ربما أكاديميون يمارسون النقد، وإن محاولة التخصيص للنقد بالصفة «أكاديمي» تمثل في الوقت الراهن نوعاً من الإرهاب الفكري الذي ترفضه الثقافة في سياقها المعرفي الجديد، مشيراً إلى أن الاشتغال العلمي بالأدب قد يمنح صفة الباحث، بينما يختلف هذا عن النقد.
كما يتوقف عند مسألة أن الخيال كان منذ البداية طريقاً للمعرفة، ومادة لنسج الأساطير التي أنتجها الإنسان لتفسير وفهم واقعه المسكون بالغموض والخوف، ومنها خرجت كل المعارف الأولى التي ما زال بعضها راسخاً في الوجدان البشري، ذاكراً أنه من المفارقات الجديرة بالاهتمام أن الامكانات التي وصل إليها السرد العربي لم تكن بعيدة كثيراً عن تلك التي بدأ بها الغرب عصر نهضته. كما أن البدايات بدت متشابهة في مقوماتها الأساسية، ظانّاً أنه لو عرف العرب الفلسفة حقّاً وانتهوا بها إلى علم الجمال على نحو ما فعل الإغريق، لكان للسرد العربي الآن شأن آخر. ويعتقد الوكيل أنه في الربع الأخير من القرن العشرين اتسع اهتمام المبدع العربي بالتراث، وبدا نسقاً سرديّاً، سواء كان على نحو نوستالجي يصبو إلى تقدير الماضي، أم برغبة عارمة في استنهاض الواقع بالكشف عن جذور الوعي العربي ومقوماته أو معوقاته، غير أن الموضوع التراثي ما زال يجد في الرواية مساحة أوسع للبوح والتعبير عن نفسه على نحو أكثر اكتمالاً.
ومتحدثاً عن العلاقة بين القصة القصيرة والرواية، يتصور الوكيل أن تراجع حضور القصة القصيرة في مواجهة زمن الرواية مثّل مأزقاً لها، فانشغلت بالدفاع عن نفسها، وبدلاً من الانطلاق إلى آفاق موضوعية وتقنية جديدة تؤكد هويتها وكونها فن الصوت المنفرد، التفتت إلى صيغ اختزالية لما يعرف بالقصة القصيرة جدّاً لتناسب الواقع الافتراضي على شبكات الإنترنت، متسائلاً في هذا السياق لماذا سلّمنا بموت القصة متجاهلين مبدأ وحدة الفنون الذي ظل يعمل منذ أرسطو حتى جابر عصفور؟ ويشير إلى أن تجاور الفنون مبدأ يؤكد الطبيعة التفاعلية في ما بينها، كما يمكنها أن تتجاوز حدود التجاور إلى التداخل في ما بينها، وأنه يمكن للقصة القصيرة أن تضمن فلسفتها الخاصة بتقنيات الزمن المنفتح، وهويتها المتفردة، المتسمة بدرجة من المرونة تجعلها صالحة للتجريب، كما أن المجموعة التي تحتوي على عدة قصص تمتلك كل قصة فيها هويتها التي تميزها.
كما يرى أن مهمة الكاتب في التعامل مع الخيال أشبه بمهمة الفنان التشكيلي، تستهدف الإمساك بالتفاصيل الشاردة ودمجها في نسيج كلي له إمكانية التفاعل مع موضوعه، ذاكراً أن القيمة بالمعنى الثقافي تحترم النقصان والضعف، ولأنها منتج إنساني تنتخبه الشعوب عبر خبرات الحياة اليومية وممارساتها يمكنها أن تعيد إنتاجها على نحو مناسب لظروف الواقع، وأن تسربها إلى فنونها وآدابها ومنتجاتها الثقافية كافة. كذلك يرى أن المسافة بين المعرفة اللغوية والمعرفة البصرية تضيق في السنوات الأخيرة، على نحو يثير تخوفات تجاه موت الأدب، لكنها مخاوف تقتصر على صورتها الكتابية، في حين بدأت موجات محدودة في الإشارة إلى أهمية ما يُعرف بالأدب الرقمي بوصفه مندوباً عن الأدب الكتابي في الفضاء الإلكتروني. غير أنه لا يختلف عنه كثيراً، وربما سيكون أكثر حضوراً في مستقبل واعد بذكاء اصطناعي مناهض للذكاء الإنساني، قاصداً إلى القول بأنه حينما يمتلك المبدع مهارات تقنية جديدة من وحي الرقمية، يستطيع أن يصمد في مواجهة الذكاء الاصطناعي الذي أعلن عن وجوده بالفعل، وأكد قدرته على كتابة القصص وغيرها مما يعتمد على الخوارزميات.

ظاهرة الترند

ومما يراه الكاتب أن هناك درجة من الفتنة بين الناقد والنص تفيد الموضوعية، وربما نحتاج إلى قدر أكبر من الإنصات الداخلي للنص دونما يقين ببلوغ الحقيقة، محتجّاً هنا بأن العمل الأدبي له نظامه الجمالي المختلف عن النظام النقدي، وله قانونه الداخلي الذي يتحكم في طريقة عمل وحداته الجمالية، وهكذا تكون للناقد مهمة مقدسة، هي الكشف عن طريقة عمل هذه القوانين، وليس فرض قوانين مسبقة عليه، طارحاً سؤالاً يقول: أي شيء في الإبداع يماثل الواقع؟
كذلك يهتم بالقول بأن الإبداع الأدبي بدأ في التحول من مفاهيم قديمة تُرتهن بالموهبة والإلهام وحضور الذات المبدعة التي تؤكد قيمة التفرد للمبدع والنص معاً، ليدخل في مجال التصنيع، حيث تخضع قيمة النص نفسه وكذلك مؤلفه إلى ظاهرة «الترند» بوصفها آلة تسويقية، وهذه الآلية مرتبطة بالصورة وحضورها المؤثر على نحو بالغ أكثر منه في الكلمة، مشيراً إلى أنه إذا كانت الرواية الحديثة هي آخر فنون الكتابة، فلا بد أنها جاءت محملة برصيد معرفي وحضاري لتكون مهيأة لدخول عصر جديد حتى وإن كانت له شروط جديدة، متسائلاً: هل وجود الأزميل في يد المثّال يفرض عليه طريقة تفكيره ويحدد أبعادها الجمالية؟ أم هو مجرد أداة يوظفها لخدمة تصوراته الفنية؟
«حدود النقد وطموح الإبداع» يتساءل فيه كاتبه هل الأدب في خطر حقّاً؟ مناقشاً قضايا ونظريات نقدية تتعلق بالإبداع والنقد معاً، نقرأ فيه أنه رغم الاعتراف النقدي بتداخل الأنواع الأدبية، إلا إنه يسعى إلى إضفاء تصنيفات وتقسيمات ليس بين الأنواع الأدبية فقط، بل داخل النوع الواحد. ويؤكد أن كل محاولات تصنيف القصة أو الرواية على أساس من الحجم فيه قدر من السذاجة المربكة، وأن المسميات والتصنيفات والقوالب التي تُمنح للسرد لا يمكنها أن تفرض نظاماً لطبيعة الإبداع السردي، متسائلاً هل يمكن للخطاب النقدي أن يصل مع الإبداع إلى حقيقة مطلقة؟ أم أن تاريخ النظريات وتحولاتها، شيوعها وتراجعها، لا يعني أكثر من الانتظام لآليات العقل البشري الذي يؤمن بالشيء ونقيضه في آن؟

سيد الوكيل:
«حدود النقد وطموح الإبداع»
مجموعة بيت الحكمة للثقافة،
القاهرة 2024
221 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية