اجرى الحوار: نضال القاسم *كتابك ‘قراءات في الرواية الفلسطينية’ يعالج مراحل وملامح الرواية العربية في فلسطين في السنوات الأخيرة، كيف ترى الرواية الفلسطينية اليوم؟*تمثل الرواية في فلسطين الآن، على المستوى الحكائي، امتداداً لأعمال روائية فلسطينية سابقة، منها: حفنة ‘رمال’ 1965، لناصر الدين النشاشيبي، والجزء الأول من ثلاثية فلسطين لنبيل خوري ‘حارة النصارى’ 1969، ورواية هيام رمزي الدردنجي المقيمة في سوريا ‘إلى اللقاء في يافا’ و’سنوات العذاب’ 1970 لهارون هاشم رشيد، و’الدم والتراب’ لعطية عبد الله عطية، التي يهجس جميعها برصد حركة الصراع الفلسطيني- الصهيوني في الفترة الواقعة ما بين الانتداب البريطاني على فلسطين 1920 والنكبة سنة 1948م، ويُعنى جميعها أيضاً، بتصوير وطأة الظروف المعيشية الكفاحية التي عاناها الفلسطينيون وما زلوا، وهم يواجهون المنظمات الصهيونية الإرهابية في سعيها المحموم لابتلاع المزيد من الأرض الفلسطينية، ودفع أبنائها إلى النزوح عنها.ولعل ما يميز الرواية في فلسطين، هو انتماؤها إلى ‘الحكاية الخالصة’، أي الحكاية التي تطابق بين ذات الراوي وذات الروائي، ثم ترجع هذه الصيغة بين أسلوبين: أسلوب العرض الذي يعني سرد الأحداث والأقوال، والمشهد الذي تنتجه حواريات الشخصيات فيما بينها، اللذين يرتهنان، في الحالين معاً، إلى صوت الراوي الذي يوجه الحكاية، ويصوغ الأحداث والأقوال ومنطوق الشخصيات وفق رؤياه ووعيه ومقاصد الكتابة لديه.الرواية في فلسطين، وبتعبير أرق للكاتب الفلسطيني، أي كان موقعه الجغرافي والسياسي، أصبحت وطناً متخيلاً ليمارس كل طقوسه الإبداعية، والنفسية والثقافية، لعله يجد سلوانه، بعد فقدانه الأمل من أن يرى فلسطين قريباً!!!* يدّعي بعضهم أن الإبداع العربي تفوق كثيراً على النقد الأدبي، ما هو تقييمك لمسألة النقد الأدبي في العالم العربي اليوم؟*لا تقل سلطة النقد، بل بعض الممارسات النقدية، استبداداً عن السلطات السياسية العربية، بل إنها تمثل ذروة القمع التي تدفع الإبداع معها إلى أن يستقيل، ويَكف عن التجريب، والبحث، والابتكار.والبعض من يمارس ‘النقد’ يعتقد واهماً، إنه أصبح قاضياً يحاكم النص، ولا يعرف أن النص، نبض للحياة، وبالتالي المحاكمة هنا تكون ساقطة، فيعقل أن تحاكم الحياة بعقلية القاضي، أي كان ‘عدله’.أما ما يسود الآن من هذر لغوي، في جله، وتتجلى كلماته بـ ‘النقد’ ما هو إلا عبارة عن علاقات شخصية، أو مصارعة ثيران في أحسن الأحوال، وهذا شيء طبيعي، لأن مجتمعنا العربي يمر منذ ما يسعى بحصر حركات ‘التحرير’، إلى الآن، يخوض معارك بهلوانية، لا أصل لها في متخيل السلطة السياسية، التي تروج هذا المنتج السياسي، على أنه منتج ثقافي فنحن في عالمنا العربي نبدع كثيراً في خلق الصراعات والاختلافات، على أرضية التناحر والتطاحن، في ظل غياب تام للمعرفة، وهذا بالضرورة ينعكس على النقد، الذي أصبح الأنا في عالمنا العربي تابوت طائر، يبشر بما هو قادم، وما علينا إلا الانتظار، أو هكذا على الأقل ما يريده منا النقد، لكن حركة التاريخ دائماً تسير في اتجاه خلق الضوء، وإنارة الطريق.* برأيك من هو الشريك الحقيقي للمثقف العربي؟*الشريك الحقيقي للمثقف العربي، الضمير الناتج عن الرؤية المعاصرة للذات العارفة، المشتبكة مع الموضوع، بمعنى أن الذات التي تعرف تحدد في الوقت نفسه موضوع المعرفة، كما أن الموضوع يحدد في الوقت نفسه فعل المعرفة، بحيث يمكن القول أن المعرفة بالشيء تسهم في تكوينه وإعادة بنائه إذن في الرؤية المعاصرة، لا الذات تعطي قبل الموضوع ولا الموضوع يعطى قبل الذات، بل ثمة تكوين متبادل لموضوعات المعرفة وللذوات العارفة.هذا القول يعني تماماً، أن المثقف العارف بذاته النابعة من ضميره، يعرف جيداً الموضوع الذي يجب أن يبدع فيه، وغير ذلك، يصبح ثرثرة مجانية، بغض النظر علن التنظيرات التي تسوق المثقف، على أنه ساعي بريد للأفكار!!* ما الذي ينقص المثقف العربي لتحقيق ذاته؟* ينقص المثقف العربي معرفة ماذا جرى في تاريخ أمته، ومن يعرف تاريخه، يعرف ماذا يريد؟!وسأضرب مثالا على ذلك. يقول ابن الأثير في الغزو التتري الذي دهم الناس في هذا الشرق العربي سنة 616هـ/1219م:- [ وسمعت من بعض أهلها أن رجلاً من [التتر] دخل درباً فيه مائة رجل فما زال يقتلهم واحداً واحداً، حتى أفناهم ولم يمد أحد يده إليه بسوء. ووضعت الذلة على الناس فلا يدفعون عن أنفسهم قليلاً ولا كثيراً… نعوذ بالله من الخذلان!!!’هذا الخذلان الذي يعشش في بيئتنا الاجتماعية العربية، ما زال المثقف العربي يتعامل معه كأنه قدر محتوم، وبالتالي جمع ما يطرحه في المشهد الثقافي، ما هو إلا صدى لصرخات الخذلان.إن القضية لا تتعلق بالعدوان على الأرض والمادة والجسد، ولا بالآلام والأخطار البشرية العامة، ولكنها تتصل بصميم الذات الإنسانية بعامة، والعربية بوجه خاص.العرب في هذا العصر هم أكثر أمم الأرض ازدراء وتعرضاً للعدوان. يجب أن نعرف وأن نعترف، أن شيئاً خاصاً يتحطم في أعماقنا، في نسيجنا الفكري والتكويني، وأننا ننسلب بالتدريج على الصمت، الهيكل البنائي الثقافي الذي تقوم عليه الذات العربية، نحن نسحق حتى العظم، بين ألة تسطح، لا تدجن الوجود الثقافي العربي فقط، ولكن نسيج بالتدريج وفي تصميم ودأب عدوانيين، معالمه وينابيعه، تحرق النبتة المبدعة فيه.* أريد أن أتوقف عند رؤيتك وما مدى انعكاسها في أدبك، وعن مدى تفاعلك مع قضايا أمتك في وضعها الراهن؟ وهل صحيح أن الهبوط السياسي العربي قد جرّ معه الأدب وأنواع الفنون الإبداعية الأخرى؟* نحن إحدى الجبهات الأساسية التي تعاني من الصراع الدائم مع الغرب في هذا العالم النامي. تاريخنا كله صراع معه، لعله قدرنا الجغرافي الذي وضعنا على باب الشرق، هو الذي يحكم هذا التاريخ منذ العصر العربي الإسلامي الأول- إذا نسينا العصور القديمة- والحقد الغربي يلاحقنا بالعدوان. ولم تكن الحروب ‘الصليبية’ ولا العصر الاستعماري، من بعد، سوى صور ومراحل لتطورات هذا الحقد، وفي شتاء منه 1962م، وفي القاهرة، قال شوان لآي يشكو الصلف الغربي [ رغم كل عصور الحضارة التي يحملها تاريخنا ورغم كل ما أسديناه للجنس البشري، لم نأخذ من الغرب سوى الإذلال’ ألم يكن ذلك الجني الكبير ينطق باسم العرب أيضاً وباسم النهر؟ هذا الغرب حين كان بعضه متحضراً في عهد اليونان ثم الرومان هاجمنا. وحين كان متخلفاً في العصور الوسطى هاجمنا أيضاً باسم الصليب، وحين استعاد قوته في العصر الحديث استعمرنا.. والمشكلة اليوم، في عدوانية الغرب مختلفة، إنها الاجتياح المادي والثقافي في وقت معاً.الثقل السياسي الذي يجعل الغرب (في شرقه وغربه) قوة العالم الكبرى والوحيدة، والثقل التقني الذي يعطيه كل وسائل الأبالسة للسيطرة، والتحكم والثقل الاقتصادي الذي يجعله أكثر فأكثر سيطرة على الرغيف العالمي، كل ذلك يصب في ثقله الثقافي، ويجعل هذا الثقل ‘غول’ الثقافات الأخرى.إنهم ‘يضربون’ العالم، يركعونه ونحن معه، يحولونه عبيداً وخدماً بألف وسيلة ووسيلة، بالتفريغ السياسي، بتسويق الاستهلاك، بإثارة التمزقات الدينية، باستغلال الجروح التاريخية. بفرض المخاوف الاجتماعية والمشاكل المستعارة والمصطنعة. بتشويه القيم، بتدمير الروح، ونشر الضياع.’الأنا’ تملأ كل ساحة الرؤية لدى الغربي. وهو يفرض ‘أناه’ على الآخرين من خلال هذه التبعية القائمة في لعبة الأقوى والأضعف، وتحكم المنتج بالمستهلك. التخلف ليس الفقر ولكنه هذه ‘الذيلية’ المفروضة فرضاً على البشر، والتي تغتصب خيرتهم ليكونوا في موقع الحاجة الدائمة وتقل خصوصيتهم الحضارية لتعيد صياغتها ضمن قوالب الغربية. إنهم الآن لا يسلبون الثروات المادية كما في الأيام الاستعمارية البائدة، ولكنهم يدمرون القوى الفكرية والثقافية والروحية التي يمكن أن تقول ذات يوم: لا! للغاصبين. وما نشاهده، اليوم، ومن يتصدر المشهد السياسي في عالمنا العربي، بعد ‘ربيع’ الثورات العربية، يؤكد هذه الرؤية، في ظل هذه الأجواء، لا يمكن أن يصدر أدب إلا صدى لهذه الحالة، وبالتالي فالأدب في عالمنا العربي، صرخات متتالية، ونعي بعض الأحيان متقطعة، والصرخات لا تنتج أدباً، بقدر ما تكون شاهدة على عصرها.