كم نحن محتاجون إلى الإنسان في لحظتنا العربية المفرغة من نسيم الذات، الذي يُعنْوِن عادة وبالضرورة، أفق الوجود الإنساني، لستُ إنسانا إن غاب عن أفقي محدد الاتجاه الداخلي، الذي يضبط نبض الجذوة التي تحيلني إلى المبتدى والأصل، لماذا نحن مهشمون في مرايا الوجود والواقع والذات والمجتمع؟
يلتئم جرح الغربة والتهشم بالمحبة، ولما لم نعر اهتماما لفضاء القلب، انكسر جبر العلاقة بين سطر العشق في نص الكينونة والحبر الدافق من القلب الذي يكتبه، ففي كراسنا الوجودي هناك رسم لإنسان غاب عن شكله، فما عدنا نرى سوى ظل لأشكال تتخفى خلف ظلال المسمى مجازا «عقل»، وفي الحقيقة، ليس في الفراغ أمام الشكل الشبح سوى رغبة في ملء فراغ الإنسان بما يسمى مجازا «إنسان».
المحبة فانوس الكينونة والوجود، وقد وُجد الإنسان أصلا منها، فهو من روح الله التي توجِد الأشياء من المحبة، فليس الكره مما ينسب إلى الله، وبالتالي كل من سار في مدارج الطريق إليه كان محبا، فالحقيقة ليست منجزا للعقل وحده، وهو غير قادر على الوصول إليها، وعندما سُجنت الحقيقة في أفق العقل وحده، غابت «الذات» الحرة في الرؤية لذاتها، وتهشمت مرايا الوصل إلى الله، ومن ثمة إلى الذات، فانعدم خيط الحقيقة الواصل بين العقل والروح، أي بين الشكل والجوهر في الحضور الإنساني على مسرح الوجود الفعال، ولو عرف ميشال فوكو مولانا جلال الدين الرومي، لكان أكثر تحفظا في نفيه للحقيقة التي رأى أنها «لا توجد خارج سلطة، ولا تخلو من سلطة»، وهذا ما أدركه فوكو بمعيار العقل، لكن معيار المحبة لا يغفل نبض القلب في ترميم الجسور نحو الحقيقة الغائبة، لأن الإنسان في فلك السلطة وقوتها لا ينسى أنه إنسان، وبالتالي لا يغفل نبض الحقيقة فيه، والتي لا تتحدد بمعيار السلطة وحدها، لأن العقل وحده قاصر على الوصول إلى الحقيقة، ولا غنى له عن «الذوق الباطني» كما يسميه أبي حامد الغزالي.
لقد انتشى الوجود الشفيف للعالم برؤى مولانا جلال الدين الرومي، لأنه سكب من ماء المحبة على أستار الخوف، فأعاد الإنسان إلى الطريق مجللا بعرائسها (المحبة)، لكنه مبتل أيضا برونق الخوف المظلل بأغصانها (المحبة)، وبذلك أشعل فتيل الذات التائهة عن مراكبها، وأعادها إلى شاطئ الكينونة المتوجة داخل هوية الإنسان القائم بذاته، والمدجج بالقلب السائر إلى مقامات الوجد وآفاق الحيرة.
إن كل شيء قائم في الوجود على فكرة الارتباط، أو ما يسميه المتصوفة بالرابطة، والتي تعني حضور الحق الدائم، سبحانه، والرابطة وجوديا هي تلك العلاقة التي تشد الذرات المتناهية في الصغر إلى بعضها بعضا، لتشكل جوهر العالم المتناهي في الكبر، ولو تفككت هذه الرابطة لتفكك العالم وعاد إلى هبائه المنثور، وكلما اقتربت الأشياء من بعضها وارتبطت، كانت أكثر محبة، وكلما تفككت وابتعدت كانت أكثر تنافرا، ولهذا فالكون قائم على الترابط، أي على مبدأ المحبة، ولما يحاول الإنسان أن يمس بهذا الجانب، أو يجرب أخلاطه الكيميائية في معادلات المحبة الصافية، فإنه بذلك يبتعد ويُبعد العالم عن المنابع الأصلية للديمومة والأبدية، فالحرب على وجه البسيطة لا تعبر إلا عن ذلك الوحش الكامن في الأعماق، الذي يترصد خطى الإنسان العابرة إلى السلام ليعيقها عن تحقيق نبض القلب في ذرات التراب، والاستعمار ليس أكثر من محاولة بائسة لأنسنة القتل، فالإنسان هوية مغتربة تعمل جاهدة كي تعود إلى المنابع، ولهذا مات أهل المحبة بالشوق إلى الأصل، لأن الله هنا وهناك، وهو السلام وهو المحبة.
لا يمكن أن نتكلم عن السلام ونحن نبني أسوارا عالية بيننا وبينه، داخل قلوبنا وفي بقاع العالم، نسكب النار على مراقد النبات الصامت، ونشعل فتائل الحرب والشقاق والعداوات المستمرة، ثم بعد ذلك نطل من خلف شرفة القلب باحثين عن المحبة، لا يمكن أن نراها، أو نلمس أثرها، لأن الأنانيات الطاغية رصفت طوب البعاد والتفكك بين جسور المحبة وضفاف العالم والذوات الآملة في أوطان القلب، ولهذا فـ»مهمتك هي عدم السعي وراء الحب، بل أن تسعى وتجد كل الحواجز التي كنت قد بنيت بينك وبينه»، كما نادى جلال الدين الرومي، فالمحبة كامنة خلف ما نراه هو المطمح الأول لرغباتنا وأطماعنا، ولا نرشف من كأس المحبة حتى نكسر هاجس الاستحواذ على العالم وترتيب فضاء خاص لنزواتنا. المُشترك هو الهادم لأسوار سجون الذوات، والعادم للرغبات المتوالية في ما هو حس ولذة وتناغم مع تراب الجسد، المحبة هي أشواق الاحتراق حين لا يبقى «في القلب سوى الله»، سوى المحبة الأبدية.
الإنسان يمتلك حقيقته، ويسعى إلى الحقيقة الأولى التي لا تنقطع ولا تنتهي بنهايات الجسد، إنها تستمر ما دامت الروح تسري في العالم وفي البدايات، وكل الروح في البداية، ولتبلغ البدايات، «استمع إلى صوت الناي كيف يبث آلام الحنين يقول: مذ قطعت من الغاب وأنا أحن إلى أصلي»، كما يقول جلال الدين الرومي.
كاتب جزائري