النبي والناشطون: هل يوجد فعلاً «يسار إسلامي»؟

أثار تعبير «يسار إسلامي» Islamo-gauchisme، الذي يعود للفيلسوف وعالم السياسة الفرنسي بيير أندريه تاغييف، كثيراً من المعارك السياسية والثقافية، منذ ظهوره عام 2002. إذ لا نتحدث هنا عن تيارات سياسية أو فكرية سمّت نفسها بهذا الاسم، أو قبلته على نفسها، كما الحال مع بعض المفكرين والمسيّسين في مصر وتونس في الثلث الأخير من القرن الماضي، بل عن توصيف سياسي، من المفترض أن له قيمة تحليلية أو تفسيرية، أطلقه متخصص في دراسة حركات اليمين الجديد ومعاداة السامية، وسرعان ما تحوّل إلى أداة للتراشق بالاتهامات ووصم الخصوم في الحيز العام الفرنسي، الذي انقسم، على ما يبدو، بين «يسار إسلامي» متواطئ مع الإسلاميين؛ و»يسار إسلاموفوبي» متحالف مع اليمين الشعبوي والعنصري.
تاغييف نفسه حاول في ما بعد أن ينأى بنفسه عن العاصفة التي أثارها تعبيره، لكن الأمور باتت أكبر منه، فالموضوع وصل إلى أعلى المستويات في الدولة الفرنسية، واستخدمته وزيرة التعليم العالي السابقة فريدريك فيدال في تصريحها الشهير: «أعتقد أنّ اليسار الإسلامي ينخر مجتمعنا بأكمله، والجامعات ليست محصّنة، وهي جزء من المجتمع».
ما أراده تاغييف، عندما صاغ التعبير، كان وصف ما اعتبره تحالفاً مستجدّاً بين ناشطين في اليسار الفرنسي والغربي من جهة؛ ومجموعة من الإسلاميين و»الناشطين العالمثالثيين» من جهة أخرى، على أساس معاداة الغرب والإمبريالية، وهو التحالف الذي أعطته القضية الفلسطينية ومعاداة إسرائيل والصهيونية، دفعة معنوية وعاطفية كبيرة، خاصة بعد الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وأيضاً أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، و»تجمّع المنظمات غير الحكومية» على هامش مؤتمر ديربان لمكافحة العنصرية في جنوب افريقيا عام 2001. هذا التحالف مزج عناصر عديدة، برأي المفكر الفرنسي، منها معاداة السامية و»رهاب اليهود» بغطاء يساري؛ وإعادة إحياء الصراع ضد الإمبريالية بعد عصر التحرر الوطني، لكن هذه المرة في إطار «حركة مناهضة العولمة» التي كانت في أوجها آنذاك؛ فضلاً عن مواجهة «العنصرية البيضاء» باعتبار المسلمين، كما يراهم «اليسار الإسلامي» أقلية مضطهدة منهجياً في كل مكان، ربما حتى في البلدان التي يشكّلون فيها الأغلبية. ويرجع تاغييف استراتيجية «اليسار الإسلامي» إلى المفكر الماركسي البريطاني كريس هارمن، صاحب كتاب «النبي والبروليتاريا» الذي اعتبر أن الحركات الإسلامية ليست رجعية أو فاشية دائماً، بل هي تعبير عن اضطراب اجتماعي كبير، في دول تعاني من الاضطهاد الإمبريالي، والأنظمة الاستبدادية، ويمكن لـ»اليسار الاشتراكي الثوري» التحالف معها أحياناً، سواء ضد الإمبريالية العالمية، أو العنصرية في الدول الغربية.
رأى كثير من النقّاد الفرنسيين اليساريين أن التعبير بات سلاحاً بيد الشعبويين، ومعادي «الإسلام» في فرنسا، للانتقاص من أي نشاط سياسي مناهض للعنصرية؛ وحاولوا، بأساليب إحصائية، إثبات أن معظم مستخدميه ومردديه أقرب لليمين، إلا أن هذا النقد، حتى لو صح، يتفادى أسئلة أساسية عن كل من «اليساري» و»الإسلامي»: لماذا بات من الصعب تجاهل إحساس فئات عديدة، في الشرق والغرب، بتلاقٍ شامل بين الناشطين الإسلاميين واليساريين، في معظم المواقف السياسية الأساسية؟ لماذا يدون غالباً في «الجانب نفسه من التاريخ»؟ هل العنصرية وحدها من يحرّك النقمة على «اليسار الإسلامي»؟

الروحانية التقدميّة

لا معنى بالتأكيد لنقد أي تعبير أو مفهوم، بناء على هوية الفئات التي تستعمله عادة، ولذلك فترداد عبارة «يسار إسلامي» بشكل واسع بين اليمينيين، أو حتى العنصريين، لا يعني بالضرورة أنها مجرد كذبة. ربما كان فحص صدقية ما تشير إليه العبارة يتطلّب طرح سؤالين، الأول: هل توجد عوامل داخلية مشتركة، بين طروحات يسارية وإسلامية، تسمح بامتزاجهما في خليط أيديولوجي واحد؟ والثاني: هل توجد قوى مؤثّرة وفاعلة تحمل ذلك الخليط، وتفرضه عاملاً أساسياً في السياسات المعاصرة؟
بعيداً عن النقطة الزمنية التي حددها تاغييف لنشأة «اليسار الإسلامي» وهي مطلع الألفية، فإن كُتّاباً آخرين، يرون أن التمازج بين تيارات مختلفة من اليسار والإسلام السياسي يرجع بالتحديد إلى الثورة الإيرانية، حين وصلت محاولات جانب من اليسار الإيراني، لاكتشاف العناصر «التقدمية» في التراث الإسلامي، إلى أوجها في الممارسة العملية، وسط انبهار عدد كبير من المثقفين الغربيين بالتجربة الإيرانية، وما اعتبروه اختلافها عن السياسة الكلاسيكية بالمعنى الغربي. هذا الانبهار تراجع إلى حد كبير، بعد وصول أخبار الإجراءات القمعية، والإعدامات «الثورية» التي نفّذتها السلطات الإيرانية، بطريقة بدت متطابقة مع ممارسات الأنظمة الشمولية الغربية. رغم هذا فإن الاهتمام بالإمكانيات الثورية والتحررية في «الإسلام» لم ينقطع بعدها بين اليساريين. ومن تصريحات وكتابات المفكر الفرنسي ميشيل فوكو، التي بدا في بعضها أشبه بنصير حزبي ساذج لحكم الملالي، وصولاً إلى رفع علم حزب الله في نيويورك مؤخراً، من قبل طلاب من المفترض أنه مؤيدون للقضية الفلسطينية، ما زلنا عند النقطة نفسها: هنالك شيء ما في «الإسلام» يختلف تأويله بين هذا المفكر أو ذاك؛ وبين جماعة سياسية يسارية وأخرى، يجعله جذّاباً للقضايا «التقدمية» في صيغتها المعاصرة. وسواء تحدثنا عن «السياسات الروحانية» حسب تعبير فوكو؛ أو «النبي والبروليتاريا» حسب كريس هارمان؛ أو «صوت الجنوب» كما يراه الباحث الفرنسي فرانسوا بورغا؛ أو حتى «حماس وحزب الله حركات اجتماعية تقدمية، وجزء من اليسار العالمي» وفق تصريح المفكرة الأمريكية جوديت باتلر، يتبيّن أن الموضوع أكبر حتى من مجرّد تحالف مرحلي بين قوى سياسية، لتحقيق غاية ما، فالانبهار بـ»الإسلام» يبدو مُعطّلاً للتفكير النقدي، لكن في اتجاه واحد، بين مفكرين كان «النقد» دائماً رأسمالهم الرمزي، لدرجة أنهم يعجزون عن رؤية علاقات القوة والقمع والاستغلال وسط «المسلمين» أنفسهم، سواء كانوا أقليات في «الغرب»؛ أو يشكلون أغلبية ساحقة في دول قومية، تعلن صراحة أن «دينها الإسلام».
تعطيل القدرة النقدية لا يقتصر على تجاهل وقائع الاضطهاد والقمع، بل أيضاً الإصرار على إعطاء «الإسلام» طبيعة ما، مختلفة عن «الإمبريالية» أو «الحداثة» أو «الكولونيالية» أو «العقل الغربي» أو أي اسم آخر، ما يجعله نقيضاً جدلياً لكل هذا، أو عنصراً قادراً على «تفكيك» بنى العنصرية والعدوان المترسّخة في البنيان الاستعماري، الذي رسّخه الغرب عالمياً. وبما أن النقض الجدلي أو التفكيك في أساس فكر هذا النوع من اليسار، فلا يوجد ما يمنع امتزاج فكر أنصاره مع «الإسلام». لكن ما تلك الطبيعة المغايرة لـ»الإسلام» كما يراها كل أولئك الغربيين، وأتباعهم؟

اليوتوبيا وراءنا

إذا تجاوزنا فكر «اشتراكيين ثوريين» مثل كريس هارمان، يصعب أن نجد بين مفكري اليسار المعاصر تحديداً ليوتوبيا مستقبلية، تُعتبر تحقّق العقل والحرية في التاريخ، وتركيباً جدلياً لنضالات الطبقات الأدنى ضد الاستغلال. ما يبدو شاغل أغلبية اليساريين هو «نزع» شيء ما، مرتبط بما يشبه خطيئة أصلية، بدأت مع التحديث، أو الثورة الصناعية، أو الاستعمار، أو حتى الاكتشافات الجغرافية الغربية آواخر القرن الخامس عشر. وهذا يعني أن «التقدمية» اليسارية لم تعد ممكنة غالباً إلا باستعادة طبيعة أو تقليد أو ثقافة ما، تحمل طابعاً قبل حداثي واستعماري؛ أو الحفاظ عليها؛ أو استخدامها في خلخلة السلطة العالمية المعاصرة، المبنية على الهيمنة والاستغلال، وفي «إعادة تأويل الغرب» لنفسه، كي يتنازل عن مركزيته العنصرية.
اليوتوبيا وراءنا إذن، إنها جيوب استمرّت في الحاضر، بعد عمليات تاريخية بشعة من التدمير والاستعباد والانتزاع من الأرض، من هذه الجيوب «المشاعات الأيكولوجية»؛ «السكان الأصليون»؛ وبالتأكيد «الإسلام» أو «التقليد الإسلامي».
خط «التقدمية» التاريخي بات يتجه إلى الخلف وليس إلى الأمام، وبالتالي فربما يصحّ القول إنه لا توجد إلا «رجعية» في عصرنا، ضمن فلسفة تاريخ «يسارية» ترفض الاعتراف بأنها كذلك.

أين «اليسار الإسلامي»؟

ميليشيات الإسلام السياسي حركات مقاومة، و»جانب من عملية نزع الاستعمار العنيف، وردة فعل من سكان أصليين». هذا منطق أساسي لدى كثير من المتضامنين الغربيين مع القضايا العربية حالياً، بل بات جانباً من تعريف بعض تابعيهم العرب لأنفسهم.
وسواء صَدَّق هؤلاء أن العرب والفلسطينيين صافون في «أصلانيتهم»؛ أم اعتبروا مقاوماتهم نتيجة النظام العالمي، تشبهه في الممارسات، لكن تخلّخله، فالنتيجة واحدة: «الإسلام» وهو «غير غربي» عامل أساسي في نزع الاستعمار. يسهل انتقاد هذا الطرح، وتبيان العناصر الحداثية في تكوين الإسلام المعاصر؛ وارتباطه بدول قومية، أحادية الخطاب، وذات ممارسات إبادية، نشأت في شرط استعماري؛ والعلاقات المعقدة لميليشيات الإسلام السياسي مع النظام العالمي. إلا أن القوى التي تحمل الطرح لا تأبه بالنقد، فيكفيها أنها فعّالة في الخطاب العام والثقافة الجماهيرية، رغم عدم تعيّنها سياسياً، إذ لا يوجد اليوم كثير من الأحزاب السياسية، التي تنشر بيانات واضحة التوجّه والمطالب، وإنما منظمات ومنظمات، متعددة مصادر التمويل، ومؤثرة في الأكاديميات ووسائل الإعلام. لا يوجد «حزب اليسار الإسلامي» ولن يوجد. يُبقي كل هذا تعبير «اليسار الإسلامي» في موضع شديد الإشكالية، ويمنعه من الوصول إلى مستوى المفهوم المنضبط، أو حتى المصطلح، فهو لم يؤد، حتى الآن، إلا إلى نشوء «غرف صدى» و»فقاعات تواصلية» يردد فيها مؤيدوه ومعارضوه ما هم مقتنعون به سلفاً. وربما هذا من صلب الخصائص الثقافية لعصرنا: رموز وعلامات «تتطاير» هنا وهناك، منبتّة عن أي وقائع «صلبة».

كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية