زياد خداش
نشيد الهاوية ليل أمس مشيتُ فيك إليكِ بخطوي الذي من غبار وقلبي الذي من مطر، طريد المدن الغريبة أنا، شهيد الأرصفة والمؤسسات، كنتِ صامتةً وحيدة، أأنهكَت عينيك الجنازات؟ اتركهم دائماً وأجيء إليكِ يا عرسي ويا موتي، لو لم تكوني أنتِ لما كانوا.. وأنا عائدٌ من الحرب إلي (أثيكا) حذّرتْني منِ (أثينا) طلبتُ منهم ان يلصقوا أُذنيَّ بالشمع، ويوثقوا قدميَّ ويديَّ بالسارية، حتي أتجنب صوتك المستحيل ونداءاتكِ الخرافية. لكني حطّمتُ رفاقي والسارية، وألقيتُ بي فيكِ، يا جزيرتي الملعونة أسلمتُكِ حواسي وذاكرتي، أنا (عوليس) المجنون، ألم تعُد (أثيكا) وطني؟ هل أنتِ وطني؟ أم أنتِ الطريق إلي وطني؟ والطريق أجمل.. ليل أمس مشيتُ إليكِ فيكِ، مضاءً بجراحك، مطرَّزاً برُمانكِ، معمَّداً برذاذك.
كنتِ تلتقطين أنفاسكِ تحت شجرة، فقد طاردتْكِ صواريخ الفاشيين، تحسستُ بهاءكِ الغريب، وداعبتُ يأسكِ، مرّغتُ جراحي بشعركِ المبلول.. أحنيتُ عليه وجهي، ودفنتُ حنيني وتصدعاتي وأغنياتي، وغفوتُ.. صحونا معاً ثلاثتنا: أنت والشمس وأنا.. كنتِ تنزّينَ تمراً ووعوداً وشهداء، وأنزُّ أنا قريً بعيدة وخوفاً، واندلق فجأةً من عينيكِ وهجٌ عجيب، قفز إصرار، انتفض حب، خفقتْ في القلوب نوارس، استيقظتْ بيارات، كنتِ يا رام الله أميرة المدن، سيدةً للموت الأنيق هأنذا أقف علي حافتك، صهيلاً يبحث عن خيله الشريد، غيتاراً إسبانياً يبحث عن عازفه الضائع، مستعداً لسقوطي الجميل.. فانتظريني هناك يا رام الله! هناك بالضبط.. فموتي عازفي وخيلي وابعثيني ـ إنْ شئتِ ـ من رمادي جسراً وطيداً أو صقراً مديداً يا أجمل الهاويات:
هل أنتِ موجودة؟!
هل أنا موجود؟!
تستقيل المدن ولا تستقيلين، فمن أي برقٍ مصنوعةٌ أنتِ؟! من أي خمر؟! ومن أي صاعقةٍ ترضعين؟! يُخيَّل لي أحياناً أنك غير موجودة إلا داخلي وان هذا الاتساع الصوفي الذي أعيشه فيكِ ومعكِ، هو اتساعي أنا.. اتساع روحي وذاكرتي وامتلاؤهما بالطاقة الهائلة علي اقتناص الإشراقات المكنونة، واكتشاف الحار والحقيقي من الأشياء، سرعان ما تدهمني رؤيا مخيفة: أنا كائنٌ غير موجود، أنا مجرد نثار ضائع من بقايا هبوبك الاخير العظيم.. حجرٌ في يد طفل.. علمٌ يخفق.. رصاصةٌ مسجونة، هتافٌ في حناجر متعبة، جرحٌ عميق في ساق امرأةٍ مرّت صدفةً في الطريق، تنهّداتُ أُم شهيدٍ رفضت أن تزغرد.. مَن أنتِ إذن إذا لم تكوني أنا؟ ومَن أكون أنا إذا لم أكُن رغيفاً طرياً من بقايا وليمتكِ الأخيرة؟ يا لوليمتكِ الأخيرة!! يا لسخاء ضحكاتِك ودمعاتِك!! تعِبَ الأصدقاء مني، وتعبَتْ عيناي، ومرضت الكلمات، فاخرجي مني قليلاً يا صديقتي الغريبة: أريد أن أصحو، أريد أن استعيد عاديتي وأرضيتي.. أُخرجي.. أُخرجي! يا جسري نحوي فأيّ اشتعالٍ مريب هذا الذي تتزنّرين به ليل نهار!! أيّ جنون مواجهةٍ هذا الذي يتلبّسك حين تندفع تجاهك رصاصات القتلة؟! ألا تشتاقين لليلةٍ تريحين فيها ليلكِ من إرهاق السطوع؟ ألا يتعب ضجيج شروقك السرمدي؟
ألا ينضب زيت قناديلك؟! يا امرأةً من بدايات توزعين النور الفائض علي المدن المعتمة ولا تنتظرين امتناناً أو ذهولاً، تكتظ علي بابك أسئلة الحياري والوحيدين، تتركينهم هكذا شاحبين غريبين يعانون من ارتجاجٍ في الذهن، وتفكُّك في الذاكرة.. ثم فجأةً تهبين عليهم بإيحاءٍ جميل: أُتركوني وشأني، لا تقربوا سرّي وكنهي! اكتفوا بالتجوال فيَّ، ألا يكفيكم هذا الترف؟! هذا التلذذ بغموضي وامتناعي عن التناول والوضوح، توغلوا في اكتشافاتي وارتعاشاتي ومنحنياتي.. ناموا علي كتفي وفخذي، لكُم أن تختبئوا في قميص نومي، لكُم أن تتأرجحوا علي رموش عينيّ، ولي فقط أن أعانقكم بضبابي وحوافي ونسوري، لي أن أظلَّ وحيدةً وصافيةً لا تُزعج أشجاري دهشات البشر الغبية، لا تحلم بامتلاكي شعوب ولا تتأجج علي عتباتي أشواق الظمأي والمهووسين. من أين لك هذه القدرة العجيبة علي حب المصير والرقص الباذخ مع الألم؟! أجيبيني أيتها النتشوية الحلوة المدجَّجة بالجمر والرغبات.. غداً سوف أرتكب حماقة التسلل إلي قصر أسرارك، ذلك الأزرق المتعدد البعيد الذي يزوره بانتظامِ سُوّاح المدن الغامضة، غداً سوف أمارس مع درجاتكِ العتيقة لعبة العاشق المدلل الذي يرغب في أن يصير ضحية، سوف اقترف اللهاث الفضي علي الدرجة السابعة الأخيرة، تلك المبللة بالخبز والمُضرجة بالضجر والضحكات، سوف أدّعي الرغبة في الانتحار، أعرف أنكِ هناك ترقبينني وتعرفين ما يدور في رأسي، تبتسمين، أري سخطاً ضحوكاً يبزغ من عينيكِ القرمزيتين ـ وأسمع صوت ارتطامٍ غريب، أهو حنين أصابعي أم سأم ظلك أم هو هشيم قمحي مع زرقة لوزك أم انحدار موجي مع صعود صخرتك؟! يا صنوبرة جراحي يا جسري نحوي… ؟ ؟
هدئي قليلاً من إيقاعك العنيف قليلاً جداً جداً، أريد أن أتفرغ لطفلتي وتلاميذي وحديقتي، فاندمي واعتذري لضحاياكِ، ومارسي الأنين، صيري عادية.. يزحف فوقك الغزاة والحديد والحجارة، وتذمري من غياب الخُضرة والموسيقي، صيري عاديةً لأصير عادياً يا امرأةً من قمم.. يا أنا قبل عقاب الآلهة.
كاتب من فلسطين