لم يعد هناك من عاقل يصدق دعاوي النظام في الاصلاح والتغيير مهما قال أو ادعي رجالاته، ولا فرق في ذلك بين فكر قديم وآخر جديد ولا بين شيخ عجوز تيبست أطرافه علي كرسي السلطة من طول مدة بقائه عليه وابن شاب ـ مقارنة بأبيه ـ يطمح لخلافته ولا يألوا جهدا في الوصول لمبتغاه، وهذا هو حال النظام لا يخفي علي احد، وتعليق أية آمال عليه فيما نطمح اليه من تغيير أو اصلاح هو ضرب من جنون، لذا فمن البداهة أن تتحول أنظارنا الي المعارضة ونخبتها، وللوهلة الأولي نلمس لديها أن التغيير هو الموضوع المحبب الي نفوسها والحديث فيه يأخذ جل أوقاتها وكتاباتها، وبضاعتها فيه رائجة تتجاذبها الفضائيات والصحف فيما بينها، فاذا ما تجاوزنا الوهلة الأولي ودققنا النظر وجدنا النخبة هذه تنقسم لقسمين برغم ترديد نفس أذكار وأوراد التغيير في وسائل الاعلام المختلفة القسم الأول يتكون مما يمكن أن نطلق عليه اسم نخبة مصر المخنثة وهي تلك التي قد يتحير البعض في تصنيفها هل هي تعارض النظام حقا وتحمل علي كاهلها كما تدعي عبء فضح سياساته وفساده أم أن كل ما تذهب اليه من قول في النظام يكون بقدر؟ وهناك خطوط حمراء لا تخطو فوقها ولا تتعداها طلبا للسلامة ولما هو أكثر من السلامة.
واذا أردنا أن نقرن ما ندعيه بأحد النماذج التي تصدقه استدعينا نموذج رئيس تحرير الجريدة الأسبوعية المستقلة الكبيرة وأحد مؤسسي احدي حركات التغيير ذلك الرجل الذي اذا ما تتبعنا ندواته ولقاءاته التلفزيونية لوجدنا بها قومجي ثائر ومحارب للفساد وداعية للتغيير واذا ما تصفحنا جريدته وقرأنا مقالاته لا يخلو محتواها غالبا من هجوم شرس علي سياسات الحكومة ووزرائها ورئيس وزرائها، أما عندما يصل الأمر الي رأس النظام الرجل الذي حول الدولة الي ملكية خاصة ينعم فيها كل من يمجد اسمه ويسبح بحمده ويقدس له ويشقي فيها كل من يندد بحكمه ويخرج عليه نبصر الأسد الهصور الذي ألفناه في الندوات واللقاءات التلفزيونية والمقالات الأسبوعية قد تحول الي قط وديع يموء في ضعف واستكانة فهو اما أن يكون راجيا أو مستعطفا أو شاكيا أو متوسلا وغالبا لا يخيب رجائه ولا تضيع توسلاته فعلي سبيل المثال عندما اقترب موعد الانتخابات البرلمانية الماضية وكان قد قرر الترشح في احدي دوائرها بعث للرئيس رسالة ناشرا اياها في جريدته شاكيا فيها من بلطجية النظام الرسميين رجال الأمن وبلطجيته غير الرسميين الذين يتكفل رجال الحزب الحاكم بحشدهم لانجاح مرشحيه وكانوا قد تسببوا في اسقاطه في الانتخابات السابقة للماضية راجيا اياه أن يكف عنه أذاهم حتي لا يلقي نفس المصير، وقد كان ما كان وأصبح الرجل عضوا بمجلس الشعب، هذا فضلا عن كونه أصبح ضيفا خفيفا علي قنوات التلفزيون المصري الأرضية منها والفضائية ومصاحبا للرئيس في كثير من رحلاته الرسمية مما قد أوقع البعض في حيرة متساءلين الي أي فصيل ينتمي هذا الرجل؟!
ونلحق بهذا النموذج نموذجا آخر لرئيس حزب معارض كبير نكتفي فيه بذكر انه برغم كونه رئيس لحزب معارض الا أن ذلك لم يمنع رئيس الحزب الحاكم مبارك من أن يجعله ضمن النواب الذين يقوم بتعيينهم بمجلس الشوري ليدخل ذلك تحت بند صدق أو لا تصدق!
أما بالنسبة للقسم الثاني من نخبة المعارضة فليس هناك شك في صدق رغبتهم في اقصاء النظام القائم بأكمله والذي يحول دون حصول الشعب علي حقوقه وحرياته، وعلي الرغم من اقرارنا بصدق ر غبتهم هذه بيد أن التخبط هو الغالب علي كل تحركاتهم وذلك ناتج عن افتقادهم لبرنامج محدد يتبعون خطواته والتي من المفترض أن توصلهم في النهاية الي مبتغاهم، هذا فضلا عن اقتصار نشاطهم بدرجة كبيرة علي النشاط الاعلامي وبخاصة في الفضائيات وبدلا من أن يستعملوا هذه الفضائيات في خدمة أهدافهم أستعملوا هم لاضفاء نوع من الاثارة علي البرامج المتعددة لتلك الفضائيات، أما العمل الميداني بين الجماهير وهو الأهم لم يحظ الا بالنزر اليسير من اهتمامهم لذا فلا غرو أن تكون جل تحركاتهم في الشارع هزيلة وغير ذات جدوي. ان الأمل في التغيير لا يزال يراود الكثيرين، بيد أن الذي قد يجعله مجرد حلم بعيد المنال ينحصر وجوده في عالم الخيال ولا يتجرأ علي النزول الي عالم الوقع ليس استمرار النظام في اجتثاث الحريات بتعديلاته الدستورية وقوانينه المقيدة للحريات وانما أن تكون النخبة التي يناط بها التغيير هذا هو حالها.
محمد القناوي[email protected]