النخب العربية والبكاء علي الأطلال
النخب العربية والبكاء علي الأطلال الأقلام الخالية من المداد الفكري دائماً ما تردد القول ان البنية التحتية للحضارة الغربية هي الحضارة العربية وأن أوروبا بنت أمجادها وحضاراتها علي أنقاض وأطلال الحضارة العربية والنخب الثقافية في المجتمعات الناطقة بالعربية منشغلة بأسئلة بيزنطية ماذا يؤخذ من موجات الحداثة والتقدم في الحضارة الغربية وماذا يرفض؟ وما بين الآخذ والرفض اضاعت تلك النخب سنين طويلة كفيلة بأن تجعل تلك المجتمعات متصالحة مع نفسها ومع العالم حولها ولكنها أضاعت وقتها في البكاء علي أطلال الحضارة الإسلامية مما خلق عدم توازن فكري بين المجتمعات الغربية والمجتمعات الناطقة بالعربية والحضارة العربية ما قبل الإسلام انحصرت في بعض الطلاسم الفلكية التي تستخدمها كرموز وعبارات تكفي العرب في تنقلهم في الصحراء وتهتدي بها الأبل والبعير في غدوها ورواحها. وعندما جاء الإسلام لم يتردد في أن يستوعب الطيب من الحضارات التي سبقته ويترك الخبيث منها، وشهد التاريخ في ذلك الوقت ميلاد الحضارة الإسلامية التي انطلقت منها العبقريات لأنها هضمت ما قبلها وما حولها من حضارات ولم تلفظ الطيب من تلك الحضارات، رغم غضب الطبيعة في صحراء نجد لمع نجم سلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي وغيرهم، ولكن عندما نضبت العقول وتيتمت الأمة الإسلامية أصبحت النخب الناطقة بالعربية تكثر البكاء والعويل علي أطلال الحضارة العربية وتواسي نفسها بالقول المأثور (الحضارة الأوروبية قامت علي أنقاض الحضارة العربية). نسيت أو تناست أن نهر الحضارة الأوروبية علي المستوي الفكري ما زال يفيض من عيون الأدب الانكليزي لتشوسر وأشعار بايرون وشيللي وكيتس ووليام ودرز ـ وورث وروايات غراهام جرين ودانيال ديفو وجورج إليوت وجين أوستين والأديب الأيرلندي جيمس جويس وابن بلدته صمويل بيكيت .. في الوقت الذي أصبح فيه نهر النخب الناطقة بالعربية آسنا وما زالت كبريات المكتبات في العالم مكتظة بكتابات أرسطو وأفلاطون وملحمة هوميروس (الإلياذة والأوديسة) وملحمة فيرجيل (الإنيادة) وملحمة جلجامش ومعظم مسرحيات اسخيلوس ويوربيدوس وأرسطوفان وسوفوكليس وخطب شيشرون وأعمال دانتي وشكسبير وراسين وموليير وجان جاك روسو وفولتير…. وإذا كانت الحضارة الأوروبية تسلقت بسلم الحضارة العربية لماذا إذاً البكاء علي الأندلس؟ ولماذا لم يكن البكاء علي سمرقند أو جزر الزنزبار؟ والإجابة في غاية البساطة هي أن الأندلس شهدت حضارة قبل ميلاد طارق بن زياد وحتي نزار قباني الذي يعتنق الإسلام علي طريقة القرن الواحد والعشرين لم يسقط الأندلس من شعره فبكي هو الآخر في قصيدته غرناطة. هذا علي مستوي الإنتاج الثقافي والفكري أما ما تنتجه مصانع الغرب من تكنولوجيا حدث ولا حرج في الوقت الذي نحتاج فيه لمتسع من الوقت والمجهود لنتعلم كيف نتعامل معها.. فأي حضارة التي نتحدث عنها؟!طه يوسف حسنجنيف ـ سويسرا 6