النخب المثقفة والصراع من اجل الحرية

حجم الخط
0

حين انطلقت ثورات الربيع العربي، كان الصراع يومها محصورا بين الجماهير والانظمة السياسية، وان لكلا الطرفين حلفاءه. فالجماهير كانت مدعومة، وان افتراضا، بالنخب المثقفة والرأي العام العالمي الذي يميل عموما لمساندة دعاة التغيير وضحايا القمع السلطوي. اما الانظمة فكانت تعول كثيرا، بالاضافة لاجهزتها الامنية، على قوى الثورة المضادة الاقليمية والدولية. وبعد ثلاثة اعوام يمكن استنتاج حقيقة مرة: ان قوى الثورة المضادة اخلصت في دعمها للانظمة، فخططت لاجهاض الثورات تارة، وانقلبت عليها اخرى عن طريق العسكر، وخططت لاحتوائها او اعادة توجيهها بما لا يخدم هدف التغيير ثالثة. اما النخب فكانت الطرف الاضعف في الصراع، ولم تقدم أداء يليق بما كانت الجماهير تتوقع منها. بل ان الكثير منها وقف مع قوى الثورة المضادة وتصدى للتغيير ورقص على معزوفات الاستبداد. يتضح دور هذه النخب في ما جرى في مصر واليمن والبحرين بشكل خاص. والنخب هنا تشمل المفكرين والكتاب والاعلاميين ورجال الدين والفنانين.
ويمكن القول كذلك ان بعض النخب في هذه البلدان تميز بمواقف شجاعة سجلها تاريخ الثورة بحروف من ذهب. وما تزال عناصر من تلك النخب ترزح وراء القضبان، ومنهم علماء دين وكتاب واطباء ومعلمون وشعراء. ومع ذلك لا بد من الاعتراف بان عدد هؤلاء قليل اذا قورن بالشرائح الواسعة من المثقفين الذين التزموا الصمت في افضل الاحوال، ووقفوا مع الاستبداد في اوسطها، وتصدوا للثوار في أسوئها. وما يزال السلطان يستمد جانبا من شرعيته من مواقف علماء البلاط ووعاظ السلاطين، واعلاميي الصحف الصفراء المدعومة بالمال النفطي.
ما تزال شاشات التلفزيون تعرض مشاهد التحريض مستغلة لغة تخوين الثوار تارة، وتحريض اجهزة الامن على الحاق المزيد من الاذى بالمواطنين، والتصفيق لكل خطوة، مهما كنت دنيئة، يمارسها النظام ضد الشعب والثورة. وبالاضافة لما تبثه وسائل الاعلام من ثقافة تشجع على الاستسلام والخضوع للاستبداد، فان علماء السوء ما برحوا يستخدمون التحريض الايديولوجي او الديني او المذهبي لابقاء التوتر المجتمعي درعا واقيا ضد التغيير.
ما الذي حدث لهذه النخب؟ وكيف سقطت في وحل الفتنة؟ كيف دعمت الاستبداد؟ وكيف بررت لنفسها التقاعس عن نصرة الشعوب الباحثة عن الحرية والكرامة؟ وأين هي الآن بعد ان تلبدت سحب التغيير بالمؤامرات واستعادت قوى الاستبداد قدرا كبيرا من قوتها مدعومة بشكل متفان من قوى الثورة المضادة؟ في الاسبوع الماضي صرح وزير الخارجية التونسي منجي حمدي في باريس قائلا: ‘تونس ليست أقل أهمية من بلدان أخرى في أوروبا مثل اليونان أو أوكرانيا ولذلك فمن مصلحة الجميع أن تنجح تونس في هذا التحول. ينبغي أن نضمن نجاح تونس لأنها لو لم تنجح فلن تنجح أية دولة عربية أخرى’. هذا كلام واقعي، فان سقوط اية ثورة مقدمة لسقوط الاخريات. ومن صفق للانقلاب العسكري في مصر فقد دعم قوى الثورة المضادة بقلبه وقالبه. وليس مقبولا القول بان اخطاء الاخوان مبرر لدعم الانقلاب العسكري ضدهم، فالحكم العسكري أسوأ أشكال الحكم ولا يتوقع من عاقل دعمه.
ويمكن القول ان موقف النخب المثقفة في مصر الذي حرض ضد حكم الاخوان، برغم المؤاخذات التي تسجل عليه، كان اكبر دعم لتلك القوى. فمن يريد التغيير لا يستعين بالعسكر، لان العقلية العسكرية ترتكز على الاوامر الصارمة وتنفيذها بدون نقاش، وهو مبدأ يتناقض مع المبادىء الديمقراطية التي تسمح بالاخذ والرد والسجال الهادىء. فالانظمة الديمقراطية تفرض تدخل الجيش او الشرطة في الشؤون السياسية، وتفرض عليهم البقاء في الثكنات وترك ادارة البلاد والسياسيين. كما ان المجموعات المسلحة المتطرفة لا تستطيع اقامة منظومة حكم عصرية، لان عقليتها تصفوية استئصالية لا تستقيم مع أبسط مبادىء الحكم التي تتطلب قدرا من التسامح وقبول الآخر.
وما حدث لحكومة طالبان في افغانستان يؤكد ذلك، فقد حكمت البلاد بعقلية العصابة التي تسعى لفرض مبادئها بالقوة والاكراه، فاصطدمت بالواقع وتفاعلت الظروف لاسقاطها. فمن يناضل من اجل الديمقراطية يجب ان يكون لديه انسجام بين ما يؤمن به وما يمارسه. ومن يؤمن بالحرية والديمقراطية وحاكمية صناديق الاقتراع لا يرضى بحاكمية العساكر والجيوش ومجموعات الارهاب والتطرف. ولذلك لا يمكن تبرير وقوف النخب المثقفة المصرية وراء العسكر المدعومين من قوى الثورة المضادة لاسقاط نظام حكم منتخب، مهما كان تبرير ذلك. ومن غير المنطقي تحالف قوى الثورة مع قوى الثورة المضادة، وهذا ما حدث في مصر تماما، فكانت النتيجة كارثية.
الجماهير انطلقت قبل ثلاثة اعوام في شوارع عدد من العواصم العربية تحدوها الرغبة في التغيير، معتمدة على نفسها وعلى دعم ذوي المشاعر الخيرة في هذا العالم المترامي الاطراف. كانت انطلاقتها عفوية، أملتها ظروف القهر والاستعباد التي اوصلت المواطن العربي الى مستويات غير مسبوقة من اليأس والقنوط والغضب الكامن. كانت تأمل ان تتصدر النخب عملية التغيير، كما كانت تفعل خلال الحقبة الاستعمارية قبل اكثر من نصف قرن.
كان الأمل معقودا على ان يكون للازهر مواقف شبيهة بمواقفه التاريخية في مواجهة الاحتلال الخارجي سواء الحروب الصليبية ام الحملات الفرنسية ام الاستعمار البريطاني. ولكن بقي الازهر بعيدا عن المعمعة، وان كان بعض طلابه وعلمائه قد خرجوا بشكل فردي في بعض التظاهرات خلال الثورة. لقد ادركت انظمة الاستبداد اهمية المرجعيات الدينية في توجيه الجماهير وقيادتها انطلاقا من التعليمات الاسلامية، فعمدت لتأميمها وضمها الى دوائر تأثير السلطة، فتراجع دورها في القيادة الجماهيرية او التوجيه او التأهيل، واقتصر دورها على التعليم التقليدي البعيد عن هموم الامة.
وحين خطط العسكريون للانقلاب ادركوا اهمية دور الازهر، وتمكنوا من استيعابه ضمن دائرة الثورة المضادة. خصوصا ان السعودية عملت على مدى ثلاثين شهرا لتحييده واستدراجه بعيدا عن روح الثورة، وتم تجنيد هذا الصرح العتيد للوقوف ضد الاخوان وحكمهم، وحققوا انجازا غير قليل في هذا المجال. غير ان هذا الصرح الديني قادر من حيث القوة على اداء مهمته كمؤسسة طليعية في مجال انهاض الامة ووحدتها وتحررها من الهيمنة الاجنبية وحريتها من الاستبداد، بشرط ان تتهيأ الظروف للتأثير الايجابي على قياداتها وابعادها عن دوائر تأثير قوى الثورة المضادة. اما مواقف الازهر في العقود الاخيرة، بعد ان تم اخضاعه للنظام السياسي المصري منذ ستين عاما، فكانت دون المستوى المتوقع منه بلحاظ تاريخه النضالي المشرف.
اما القطاعات الاخرى من دوائر النخب المثقفة، فلم يكن أداؤها افضل كثيرا في معركة التغيير التي انطلقت مع الربيع العربي. وهذا راجع، كما هو الوضع مع الازهر مثلا، لسياسات العقود الستة الماضية من استيعاب هذه الدوائر ضمن النظام السياسي العربي الذي قام بتأميم كافة القطاعات المجتمعية، وعمد لتحييدها او تحويلها الى ادوات يستعملها ضد مناوئيه من دعاة التغيير. فمثلا انتهى منذ اربعين سنة تقريبا دور الاعلام العربي كمصدر للتوعية والتحشيد ضد الاستبداد. ومنذ الحرب الاهلية اللبنانية تراجع دور الاعلام اللبناني الحر، وسيطرت السعودية على الاعلام العربي، وأسست اكبر امبراطورية اعلامية عربية في لندن. واستدرج الكتاب والمحللون والمفكرون للعمل الاعلامي والثقافي تحت السقف السعودي الهابط سياسيا وفكريا، فكانت النتيجة الغاء دور الاعلام كوسيلة فاعلة للتوعية والتغيير والتوجيه. بل ان عددا من ‘منظري’ الحركة الاسلامية استدرج للمستنقع الطائفي بدلا من التصدي لقوى الثورة المضادة بوعي واصرار. ويمكن القول ان قناة الجزيرة لعبت دورا في تغطية حوادث الثورات العربية (في ما عدا ثورة البحرين)، الامر الذي اغضب السعودية كثيرا لاسباب عديدة منها تهميش الدور السعودي وتصاعد الدور القطري وتوجيه الجماهير للثورة. ولكن السعودية انتقمت بعد ذلك بترويج مشروع الثورة المضادة في مصر، فقلبت كل ما صنعته قناة الجزيرة، واستطاعت تشكيل رأي عام مصري دفع الجماهير للانخراط وراء مشروع الاطاحة بحكم الاخوان المسلمين. ولا شك ان موقف الاعلام المصري والاقلام الليبرالية المضادة لمشروع ‘الاسلام السياسي’ تناغم مع رسالة الاعلام الرسمي في التحشيد ضد ما أثمرته صناديق الاقتراع. فكان الاعلام احدى وسائل الانقلاب ضدها، والتقت مواقف النخبة الاعلامية (وربما اغلب افرادها يعارض نهج السعودية ودورها المضاد للتغيير)، مع المشروع الاعلامي لقوى الثورة المضادة التي تتزعمها السعودية، فكانت النتيجة حشد اعداد كبيرة من الجماهير تطالب باسقاط محمد مرسي، في واحدة من ابشع صور التضليل سواء من حيث الوقائع ام الدوافع. لقد تخلت النخبة الاعلامية والفكرية الليبرالية عن مواقفها وانساقت مع مشروع الثورة المضادة.
ولم يشذ عن تلك القاعدة طبقة المفكرين او الكتاب او الفنانين، فالجميع كان اسيرا للغوغاء الاعلامية التي فرضتها قوى الثورة المضادة المدعومة بالاموال النفطية. تضافرت مواقف تلك النخب جميعا لتؤدي الى نتائج معاكسة لما كانت الجماهير تضحي من اجل تحقيقه. فالتغيير السياسي المنشود كان هدفا مقدسا اندفعت الشعوب لتحقيقه بعد عقود من الجمود المصاحب للاستبداد. ولكن النخبة سقطت هذه المرة بشكل مروع في احضان قوى الثورة المضادة وتخلفت عن الجماهير التي اثبتت انها أكثر وعيا والتزاما بالمبدأ وإصرارا على التغيير. غير ان تلك القوى لم تكتف باستدراج النخب الى مشاريعها المضادة للتغيير، بل عمدت لترويج قوى الارهاب والتطرف للتشويش على الواقع وثني الجماهير عن الاستمرار في المسار السلمي للتغيير. ففي مصر مثلا، لعب التيار السلفي ثلاثة ادوار متباينة. فقد تحالف حزب النور مع الاخوان واظهروا تعاطفا مع مشروعهم السياسي، ووقف السلفيون مع الجيش لتنفيذ الانقلاب العسكري ضد الاخوان. ثم شرعوا في الارهاب والعنف ليلقي بمسؤولية ذلك على الاخوان. وفي غياب دور النخبة اصبحت مجموعات التطرف والارهاب بديلا، ولكن باتجاه مضاد. فلو كانت النخب المثقفة ايجابية لساهمت في دفع مشروع التغيير الى الامام عبر اساليب التوعية والتوجيه، ولساهمت في التصدي لقوى الثورة المضادة و اساليبها في التشويش وتشويه الحقائق والتحريض ضد الحكم المدني في مصر او ضد الثورة الشعبية في البحرين، او ضد حكم النهضة في تونس.
ما يزال المجال مفتوحا لاعادة روح الثورة للشعوب الرازحة تحت وطأة الاستبداد وا لديكتاتورية، ولكن ذلك يتطلب امورا عديدة: اولها ان يكون للنخب المثقفة دورها في التغيير والتصدي بشكل علني واضح لقوى الثورة المضادة وعدم الخشية من المال النفطي الهادف لتمييع المواقف واعادة الوضع الى ما كان عليه قبل الربيع العربي. ثانيها: الترفع على دعوات التبعية والتجزئة وتفتيت الامة بشعارات طائفية مقيتة تعكس جاهلية جديدة يتم بناؤها بموازاة الاسلام الداعي للتحرر ورفض الاستبداد، ثالثها: ترويج الثورة الشعبية التي تمارس اساليب المقاومة المدنية والصراع السياسي المفتوح بدون خوف من ارهاب او خشية من سلطان، رابعها: بذل الجهود الحثيثة لاستبدال الطبقة المثقفة التي انهكتها التجارب الفاشلة واستدرجت الى شراك قوى الثورة المضادة، بنمط جديد من المثقفين الذين يجمعون بين الوعي والتجربة، والذين يعاهدون شعوبهم على الوفاء لمبادئهم وعدم المساومة عليها مع قوى الثورة المضادة. خامسا واخيرا: تعميق الثقة الذاتية بالقدرة على التغيير، وعدم مجاراة المشاريع الغربية التي ما برحت تسعى لتطويع الامة واستغلالها، مع تطوير اداء جيل الثورة لكي يصبح قادرا على اتخاذ قراراته نفسه ورفض الاعتماد على الاجنبي الذي لن يقدم المساعدات بدون مقابل.

‘ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية