كان الفساد مكتوبا في الجبل، فكل من عاش في القدس علم أن الجبل فاسد. وكل مقدسي لم يحصل من رئيس بلدية القدس على سبق صحفي أو معانقة أو نسب بناء علم أن رئيس بلدية القدس فاسد. ومع كل ذلك ارتفع رئيس بلدية القدس رتبة بعد اخرى وصار وزيرا رفيع المستوى ثم صار قائما بأعمال رئيس الوزراء ثم رئيس الوزراء. وأصبح رئيس بلدية القدس الفاسد بدعم فاعل من النخب الاسرائيلية، رئيس الوزراء الفاسد لدولة اسرائيل. فقد احتشدت النخب التي اختارت ألا ترى الكتابة في الجبل حول الفاسد من الجبل ومسحته بزيت الملك وبذلك خانت عملها وبذلك أفسدت مملكتها. فالى أين، الى أين سيبعدون العار الآن. لن أنسى ألبتة تلك الايام المظلمة. فقد كنت أحضر في ايام الجمعة الى برنامج تلفاز كان والد وزير المالية (الحالي) والعم (المجازي) لوزير المالية يشتمانني ويسبانني فيه لأنني كنت أقول إنه يوجد فساد في رأس الجبل. وكان وزير المالية يسخر مني في أمسيات السبت لأنني كنت أقول له إنه يحمي في أعمدته الصحفية ومقابلاته الصحفية وبتملقاته الفاسدة من الجبل. وكان يجب علي في الايام العادة أن أدفع عن نفسي المسؤولين عني الذين كانوا مقربين من الفاسد من الجبل. ولم تكن في تلك الايام في البلاد وسيلة اعلام واحدة قالت لمواطني اسرائيل ما عرفه كل مقدسي حينما رفع عينيه الى الجبل. لم توجد في تلك الايام نخبة واحدة حذرت من الفساد الظاهر للعيان في رأس الجبل، فقد كان الجميع اصدقاء للفاسد. وتبادل الجميع العناق والضحك والمعلومات الداخلية مع الفاسد. وكان هناك من حصلوا منه على ابواب مفتوحة ومن حصلوا منه على جائزة اسرائيل. وكان هناك من اشتروا منه أملا متوهما بسلام. ومضى الفاسد فأفسد كل قطعة جيدة في البلاد وكل نخبة نزيهة في البلاد أعمالية واعلامية وأمنية وسياسية بل قضائية. إن أمر عاره الكبير هو أمر عارنا العظيم. وقد نقلنا الفاسد من رأس الجبل الى رئاسة الدولة بذهن صاف وعن عمى طوعي. كان المسار الجنائي مسارا طويلا مرهقا، لكن ما كان يُحتاج الى شموئيل دخنر الى شولا زاكين والى القاضي النادر دافيد روزان لنعلم من هو ايهود وما هو اولمرت. إن هذا الشاب الواعد المحارب للفساد بعد حرب يوم الغفران تحول في غضون سنوات معدودة الى تجسيد للفساد العام في اسرائيل. وكان كل شيء ظاهرا معلوما: بنك امريكا الشمالية، وحسابات الليكود، والبيت في التاسع والعشرين من تشرين الثاني. وما كان يُحتاج الى العمل الدقيق لمحققي شرطة نشطاء والى الشجاعة العامة لمدعي دولة نشطاء كي نعلم أن السمكة تفسد من رأسها وأن الرأس فاسد كسمكة. لكن شبكة اولمرت كانت في كل مكان وعمل مبعوثو اولمرت في كل مجال. نجح ليكودينا ومصدرنا وسائسنا الودود بتأليف عبقري بين الاغراء والتهديد والذكاء العاطفي التهكمي، نجح في أن يبسط شبكته على دولة كاملة. وحينما قام دان مرغليت الشجاع ليقول الحقيقة نُبذ وأُبعد. وحينما بدأت الشرطة تقوم بعملها بصورة مخلصة هوجمت وهُددت. وحينما أنقذ مراقب الدولة (السابق) والمستشار القانوني (السابق) والحكومة صورة الدولة الاخلاقية طوردوا بلا هوادة. عمل واستُعمل فائزون بجائزة اسرائيل مختلفون ووزراء مالية مختلفون وكثيرون آخرون مثل أذرع الاخطبوط الطويلة للرجل الفاسد من القدس. وقد أسكتوا كل من حاول أن يقول الحقيقة وكل من حاول أن يُقر العدل. وأفضوا باسرائيل الى هاوية اخلاقية. فماذا يفعلون اليوم اذا وقفوا أمام المرآة؟ والى أين، الى أين سيبعدون العار الآن؟. يبدو أن قصة هولي لاند هي أكبر قصة فساد في تاريخ الدولة. لأنه يُعد في آخذي الرشوة ومعطي الرشوة رئيس وزراء ورئيس بلدية ومهندس بلدية واعضاء مجلس بلدية ورئيس أكبر بنك في الدولة وشخص تحكم تحكما كبيرا بأهم قناة اعلامية في اسرائيل. لكن قصة اولمرت قصة أكبر من الحياة فهي تحتاج الى أديب كبير يكتب عنها رواية كبيرة مثل ‘بلزاك’. كيف حلل ذلك الشخص مبنى القوة الاسرائيلية، وكيف سيطر على شبكات القوة الاسرائيلية. وكيف عاش حياة مزدوجة ومثلثة ومربعة. وكيف كانت فيه القوة النفسية والسحر الآثم اللذان مكّناه من أن يقود دولة كاملة الى فشل اخلاقي لم يوجد له مثيل في سنوات حياتها الـ 66. أصبح ايهود اولمرت بمعنى ما الاسرائيلي الفرد في الجيل الأخير: فهو مستقيم وداهية ايضا، وهو ذكي وسطحي ايضا، وهو مستميل ومؤمن بالقوة ايضا، وهو محلي ودولي ايضا، وهو شره الى المال وصديق ايضا، وهو عظيم السحر وغامض ايضا. لكن هذا الاسرائيلي الفرد كان فاسدا حتى الأساس. وقد أفسد وأفسد وكاد يحول الدولة الوحيدة التي لنا الى مملكة فساد وعفن. هآرتس 1/4/2014