الندوة الدولية لحوار الحضارات في عاصمة الرشيد غ2 ـ2ف الحوار مع الاخر ليس فعلا فلسفيا بل معاشا يوميا في عالم مختلف عن الماضي
الندوة الدولية لحوار الحضارات في عاصمة الرشيد غ2 ـ2ف الحوار مع الاخر ليس فعلا فلسفيا بل معاشا يوميا في عالم مختلف عن الماضيالرقة ـ القدس العربي ـ من أنور بدر: إذا كان الفكر الأكاديمي العربي قد انتهي بأغلبيته إلي رفض الحوار بين الحضارات، فإن الفكر الديني قد ذهب أبعد من ذلك قليلاً، فرأينا الدكتور عبد الرحمن العوفي البصري الجزائري يتحفظ علي مصطلح الحضارة الإسلامية ، مبيناً أن الحضارة إنسانية وشاملة، لأن المفاهيم أو المصطلحات لا تساوي تماماً ما تعبر عنه، إنها تمثله فقط والمفهوم يقصر عما يدل عليه. وبالتالي لا يمكن للحضارة أن تتصارع، بل هي فعل إنساني تكاملي.كذلك الدكتور محمد حبش من سورية تحدث عن دين واحد وحضارة واحدة، مؤكداً أن الحوار مع الآخر ليس فعلاً فلسفياً، بل معاشاً يومياً، والعالم اليوم يختلف جذرياً عما كان عليه، والتسارع الحالي يفرض علينا الحوار، ولكن ليس حوار النخبة، مضيفاً أننا مقابل مشروع صدام الحضارات الأمريكي علينا البحث عن المشترك الإنساني والديني، بل هو يذهب إلي نفي حوار الحضارات، لأنه لا يوجد سوي حضارة واحدة، مستشهداً بالكثير من المعطيات التي تؤكد وجود تعاطف غربي مع قضايانا وتفهم عميق رغم سياسات النخب الحاكمة في تلك الدول. كذلك أشار الدكتور جواد الخالصي من العراق إلي الملامح الموحدة للحضارات الإنسانية مع تفاوت في حضور هذه الملامح بين حضارة وأخري، ومن هذه الملامح عدّد الثقافة وقيمة الإنسان، والنظرة الإنسانية الشاملة والنهضة في كل جوانب المجتمع، مضيفاً أننا لم نتعرف علي الحضارة الغربية من خلال ثقافتها بل من خلال احتلالهم لبلادنا، والحضارة الحقيقية لا تقتصر علي القوة العسكرية بل تشمل مناحي حياة المجتمع كلها، ليخلص إلي أنه في المجتمع الأمريكي القوي عسكرياً جوانب ضعف غير منظورة ستعمل علي تفكيك هذه الإمبراطورية مستقبلاً، وسيعجل احتلال العراق بهذا الانحلال. كذلك المترو بوليت بولس يازجي مطران حلب واسكندرون وتوابعها للروم الأرثوذكس تحدث في هذه الندوة عن دور الأديان في مستقبل الحضارات، فأشار إلي عودة مكثفة للتدين، وهي ليست أصولية بمعني الانغلاق علي الآخر، فالتثاقف عملية تتم في حركة بين الانفتاح علي الآخر وبين العودة إلي الذات، تؤكد علي ما هو إنساني عام وخير، ثم يستحضر القول الدين لله والوطن للجميع باعتبارها حقيقة يجب أن نعترف بها، لأن تأكيد الذات لا يتم بالانتماء إلي الموروث المغلق الطائفي، أو إلي دين دون سواه، بل هو بناء الذات انطلاقاً من الدين والمذهب والثقافة الموروثة، انطلاقاً من فهم كل مطلق وخير في خبرات الآخرين، بحيث يحافظ دين المستقبل علي الهوية ويلاقي بالمقدار ذاته الأوّل بالآخرين. الاتجاه الآخر في الندوة عبر عنه قلة من المحاضرين فالدكتور فلوريال ساناغوستان اعتبر أن احتكاك العرب بالشعوب والأمم الأخري أفرز تجليات عدة لحوار الحضارات، توقف عند نموذج أبي الريحان البيروني في كتابه عن الهند حيث حاول أن يدرس الحضارة الهندية من الداخل وبكثير من الموضوعية، ولولا ذلك لاعتبرنا محاولته مجرد تأثير وتثاقف. لذلك استعرض الدكتور غوستان سيرة الكاتب وعصره والظروف التاريخية المحيطة به، ليستخلص المنهج الذي سار عليه البيروني، مبيناً أنه اشتغل علي العلوم العقلية، متجاوزاً التيار الذي اشتغل علي العلوم النقلية في الحضارة الإسلامية. وكان منفتحا علي الآخر في سلوكه ومعتقداته وأفكاره. فيما تحدث الدكتور غالب دوران من تركيا عن دور الإعلام في الحضارة الراهنة، منطلقا من مسلمة أن المنتصرين في التاريخ هم من يفرضون رؤيتهم ويصدرون أحكامهم في النهاية، والآن فإن أمريكا هي أقوي دولة في العالم نتيجة امتلاكها الإمكانيات التقنية والمعرفية والاقتصادية، وبالنتيجة هي مهيمنة علي الإعلام العالمي، ومن يملك الإعلام يملك توجيهه، لذلك نحن ننقل كثيراً عن الإعلام الغربي عموماً والأمريكي، بشكل خاص المفاهيم والمصطلحات، ونستخدم التعابير التي يستخدمونها، حتي أننا نقع بشكل أو بآخر تحت هيمنة الإعلام الغربي ونعبر عنه أحياناًً. وقد درس الدكتور دوران في محاضرته نموذج الحربين الأمريكيتين علي العراق، في الأولي كنا تحت تأثير(CNN) وفي الثانية درس المحاضر تأثير قناة الجزيرة في تقديم معلومة مغايرة. الدكتور أحمد برقاوي أستاذ الفلسفة بجامعة دمشق، اعتبر الإشكالية الفلسفية وراء سؤال صراع الحضارات إشكالية زائفة غير حقيقية، لأن الحضارة عموماً هي جملة الإبداعات الروحية والمادية، وهي تختلف عن بعضها لكن الاختلاف لا يقود بالضرورة إلي الصراع، لأن الصراع لا يقوم بين الحضارات بل بين الدول، وغالباً بين دول تنتمي لذات الحضارة. والصراع الحقيقي هو الصراع الأيديولوجي بوصفه مفهوماً بديلاً من حيث صدقه علي وصف الصراع بين الرأسمالية المتعولمة الآن وبين دول العالم التي لا تملك إرادة التحرر العملية من عبوديتها للرأسمالية المتعولمة وهذا الإهاب الأيديولوجي يمنح الصراع بين الدول مبرره الأخلاقي. والقول بحوار الحضارات وفق الدكتور برقاوي لا يقل زيفاً عن الصراع بينها، لأن الحوار يفترض منطقياً طرفين متكافئين بالاختلاف، وإذا وجد تأثير بين الحضارات فهذا لن يكون حواراً، لأن المتخلف هو الذي يتأثر بالمتقدم، والأضعف أسير الأقوي، والأمم العالمية هي التي تؤثر بالأمم المحلية، لكن هذه العلاقة لا تقود إلي حوار بين الحضارات لانتفاء التكافؤ بينها. أما الدكتور يوسف سلامة من جامعة دمشق فقد حاول بناء رؤية إلي الحضارة من جهة نظر الحداثة باعتبارها تلك اللحظة التي يتم فيها التحول من ثقافة متعالية علي الإنسان تتحدد فيها المضامين بناء علي إرادة خارجة علي إرادة الإنسان ومتفوقة عليه وتحدد أطر تفكيره ومدار سلوكه، إلي ثقافة الإنسان نفسه في لحظة الحداثة، باعتبار الإنسان سيد عمله وسيد العالم من خلال سيطرة العقل وضرورة الحرية، فالحضارات السابقة علي الحداثة كانت تعتمد علي الدين أو الإثنية أو كليهما، غير أن حضارة الحداثة المكونة لمفهومي العقل والحرية لم تقم وزناً للعنصرين السابقين، ومن خلال هذين المفهومين أرست القواعد اللازمة لحوار ممكن بين البشر، لا حوار إثنيات أو أديان ينحاز فيها كل فريق لدينه أو عرقه، لأن العقلاء بالعالم وحدهم من يتمكنون من فتح حوار يجنبهم الويلات وعمليات الصراع. لكنه يضيف في الإجابة علي عدم تحقق الحوار في حضارة الحداثة حتي الآن، بأن الحداثة التي تعمل علي حل المشكلات تفجر المشكلات في الوقت نفسه، كونها تنزع إلي أن تكون متماثلة عند كل البشر، مع أن العالم حتي الآن لم يصبح قرية واحدة، والتماثل المحدد بالعولمة سيؤدي إلي افتقار الثقافة الإنسانية، لذلك لن نحتاج إلي أن نكون متنوعين وغير مصطرعين في آن واحد، كما نحتاج في الوقت نفسه للانفتاح علي القوي الغربية التي تنظر نظرة قريبة من نظرتنا. الدكتور محمد الكبسي من جامعة المنار /تونس، تابع مفهوم الحداثة مع الدكتور سلامة بغية تجاوز أدلجة الحداثة، فليست المسألة مجرد التبشير بأن العالم يلج القرية الكونية، ولكن أن يكون ولوجه حوارياً، تسامحياً، تنوعياً، وليس بالضرورة اختلافياً ورغم كل المجريات والتحولات التي عصفت بالعالم إذ لا يزال الحوار مدخلاً ضرورياً لزمن العولمة، شريطة أن نحسن توظيف الأوضاع الدولية ونجعلها تسمح بإجراء وإدامة هذا الضرب من الحوار، لأن فرص الحوار تصنع ولا نترقبها . ويضيف الدكتور الكبسي ليس الحوار غاية في حد ذاته، فهو تجاوز للحوارية السجالية نحو خلق حوارية التحالفات، وهذا يكون بضرب من ثقافة للحوار علينا امتلاكها مضيفاً أيضاً أننا ما دمنا بدأنا نطرح الحوار فهذا يعني علامة صحة، لأنا أصبحنا نفهم التاريخ، فليس الحوار مجرد نوع من أنواع الحضور، لكنه بداية الفاعلية . أخيراً فإن هذه الندوة كما أشرنا جهدت للحوار بين وجهات نظر متباينة أحياناً، ومتفقة أحياناً أخري، متـــباينة بين من يقبل مفهوم حوار الحضارات ومن يرفضه، وبين من يعتـــبر أنها إشكالية زائفة أصلاً. كما تبــاينت وجهات النظر في الموقف من الخارج الغربي والإمبريالي بوصفه عدواناً مستمراً علينا، أو بوصفه حاملاً لمشروع الحداثة، وعلينا أن نتعامل معه وأن نقيم حواراً علي أساس هذه الحداثة. كما تباينت الآراء حول فهم مصطلحات العولمة والمجتمع المدني وحقوق الإنسان والديمقراطية، لكنهم جميعا بدوا مجتمعين علي ضرورة تفعيل المجتمع المدني ومنح الحرية لمكوناته وأفراده معاً، والاعتراف بحقوق الإنسان وحقوق الشعوب بآن واحد، وصولاً إلي ديمقراطية تبني قوة المجتمع القادر علي حوار الآخر من موقع الند والشريك، وليس من موقع الضعيف، وقد خلصت الندوة إلي توصيات نهائية ركزت علي: 1 ـ إظهار الشخصية الحضارية للأمة العربية والإسلامية بعدة إجراءات منها تدريس مقرر مدرسي (تاريخ الحضارة العربية والإسلامية). 2 ـ فتح أقسام جامعية لتدريس لغات الشعوب من مختلف الحضارات كالفارسية والصينية. 3 ـ فتح أقسام ومعاهد دراسات خاصة تهتم بدراسة حضارة ولغات الشعوب المتعايشة مع العرب وخاصة اللغة الكردية والبربرية. وترجمة الآداب الأجنبية والبحوث وحتي الأفلام السينمائية. 4 ـ عقد ندوات ومؤتمرات وحوارات مع الكتاب والخبراء والمفكرين الأجانب وأعضاء البرلمانات الأجنبية، ومنظمات المجتمع المدني وتقديم منح دراسية مجانية لدارسي اللغة العربية والتاريخ العربي من الأجانب. 5 ـ توجيه نداء للمفكرين والكتاب بفتح نوافذ الحوار مع سائر مفكري العالم، واخذ زمام المبادرة من الأنظمة المقصّرة.0