الوجود المشترك ليس مفهوما فلسفيا مجردا، بل ممارسة يومية تُبنى عبر التفاعل بين الأفراد الذين يعترفون ببعضهم ككائنات تحمل قيما متشابهة، رغم اختلاف تجاربهم. النزعة الإنسانية، بهذا المعنى، تتحول من خطاب نظري إلى فعل عملي يربط بين الكرامة الفردية والمسؤولية الجماعية. فالإنسان لا يوجد بمعزل عن جسده أو عن الآخرين؛ والجسد هو أداة التفاعل الأولى مع العالم. المصافحة ليست مجرد لمسة، بل فعل اعتراف متبادل. وحين يُنتهك هذا الجسد، في حالة الاعتقال التعسفي أو التعذيب، لا يُنتهك الجسد وحده، بل يُهدم أساسُ العلاقة الإنسانية في ماهيتها.
الاغتراب الرقمي
يواجه التفاعل الجسدي والرمزي اليوم تحديات غير مسبوقة في عصر التكنولوجيا الدقيقة والرأسمالية المتوحشة. التقنيات الحديثة، التي وُصفت بأنها أدوات للتقارب، حوَّلت الإنسان إلى مستخدم معزول في مصفوفات رقمية، حيث فقد الحوار الإنساني قيمته الوجدانية، واختزلت الرأسمالية العلاقاتَ الإنسانية في تشييئ هجين، وبموجب ذلك فقدنا دفء العلاقات الإنسانية، مثل الصداقة التي تحولت إلى تبادل رقمي يُعبَّر عنه بصيغة «إعجاب» على منصات التواصل الاجتماعي. بيد أن هذا التحول لا يهدد الجوهر العاطفي للحياة الإنسانية فحسب، بل يعمل على تفكيكها وهدم بنياتها الصلبة، وتحويل طرائق فن العيش إلى آلة إنتاج واستهلاك.
وتبعاً لهذه التحولات، يصبح الوعي النقدي ضرورة أنطولوجية. والنضال ضد اغتيال النزعة الإنسانية يصبح واجبا إنسانيا يتمظهر في حركات احتجاجية مختلفة، منها حركة «السترات الصفراء» في فرنسا، بوصفها تجسيدا عمليا لشعور الناس بالإقصاء والتهميش والإجهاز على حقوقهم المدنية والاجتماعية. وفي السياق نفسه، وتجسيدا لدور المثقف الطلائعي، لم يكتفِ إدوارد سعيد، بنقد الصور النمطية عن الشرق في الخطاب الغربي، بل دعا إلى حوار يعترف بالآخر وبثقافته وخصوصياته، واعتبره مجاورا في العيش وليس عدوا ينبغي محوه. الرهان، في تقديري، يكمن في تحرير الإنسان من أن يكون أداة في آلة الاقتصاد، ليعود غاية في ذاته، مع الحرص على تفاعل الثقافات دون هيمنة، لكن ذلك مشروط بإنصاف الحوار بين المختلفين. فالعيش المشترك لا يتحقق بشعارات جوفاء، بل بتفكيك أنماط الهيمنة في الخطاب السياسي والثقافي والتكنولوجي. والحوار الفاعل يتطلب تحويل المبادئ الإنسانية إلى أفعال، مثل تحقيق العدالة المجالية، والحكامة في التدبير البشري، وإدماج اللاجئين في المجتمعات، عبر سياسات تعترف بإنسانيتهم، لا عبر تعامل يجعلهم أرقاما في جداول إحصائية. وتبعا لهذا المنظور، فإن النزعة الإنسانية ليست نظرية جامدة، بل هي واقع نصنعه بتفاعلاتنا اليومية. تحقيق العيش المشترك يتطلب مغايرة في الوعي، تُعيد ترتيب الأولويات، وتجعل الكرامة الإنسانية أساسا لكل قرار، أملا في وجود مشترك لواقع نعيشه مع ومن أجل الآخر.
القصدية المدنية الإنسانية
الصراع بين الإرادة الإنسانية الرامية إلى ترسيخ قيم الكرامة والتعددية، واستراتيجيات الهيمنة التي تسعى إلى تفتيت الهوية وإخضاع الوعي الجمعي، ليس مجرد نزاعٍ سياسي أو ثقافي، بل هو صراع وجودي يتجلى في التفاعل اليومي بين الذات والعالم، لذلك ينبغي التركيز على التجربة المُعاشة لفهم كيف تتحول مقاومة الذات لأشكال السلطة والهيمنة، من ردود أفعال فردية، إلى مشروعٍ جماعي يعيد تشكيل الذات والآخر. فالهوية لا تُختزل إلى تراث مجرد، أو رموز ثابتة، بل هي نسيج حيوي تُنسجه الممارسات اليومية التي تربط الجسد بذاكرته الثقافية، وتواجه محاولات التشييئ التي تحول الإنسان إلى أداة في آلة الهيمنة. في هذا السياق، تبرز استراتيجيات الشر عبر تحويل الجسد إلى ساحة مفتوحة للسيطرة، سواء عبر العنف المادي المباشر، أو العنف الرمزي الذي يختزل الهوية في قوالب جاهزة تُفرض عبر الإعلام أو السياسات الاستعمارية، وعبر تسطيح الوعي. الصور النمطية التي تُروِّجها بعض الخطابات عن «الشرق» أو «المرأة العربية» أو «الثقافات الخاصة»، على سبيل المثال، ليست أفكارا مجردة، بل أدوات فعالة في تفكيك الروابط العضوية بين الأفراد وتراثهم، وتحويلهم إلى كيانات معزولة يسهل السيطرة عليها. لكن هذه المحاولات لا تنجح دائما، فالمقاومة تبدأ عندما يُعاد تأويل الجسد كحامل للتاريخ وأداة ناعمة تواجه النسيان. تسعى الأنظمةُ الرقميةُ إلى تحويل الهويةَ إلى بيانات مُجزأة، تفتقد العمقَ الإنساني، وتُعيد إنتاجَ التهميش، عبر خلق وعي جمعي مُسطَّح، والعمل على صناعة وسطوة الأشكال الهجينة، لكن من ناحية أخرى، يُمكن تحويل هذه الأدوات إلى أشكال مقاومة للمركزية، حيث تُستخدم منصات التواصل لتوثيق التاريخ الشفوي لمجتمعات تواجه خطر الاندثار. ولسرد تجارب مختلفة ووقائع قد تكون مؤلمة. وتُظهر هذه الأشكال تحويل الفضاء الرقمي إلى أداة لبناء خطاب مضاد لخطاب أحادي المعنى.
الصراع ضد استراتيجيات الشر ليس معركة دفاعية عن هوية متحجرة، بل هي مشروع إبداعي يعيد اختراع الوجود الإنساني، القصدية المدنية تتحقق عندما تتحول المقاومة إلى فعل يومي يعيد ربط الجسد بذاكرته، ويحوِل التحديات إلى فرص للحوار مع الذات والعالم. التعايش ليس يوتوبيا بعيدة، بل واقعٌ يُبنى بلحظات الاعتراف المتبادل، حيث يصبح الاختلاف مصدرا للثراء، والهويةُ جسرا نحو إنسانية أكثر عدلا وتنوعا.
جدل الخالد والعابر
يكشف جدل الخالد والعابر في تشكيل الهوية الإنسانية، عن صراع دائم بين ثبات الرموز وتحول المعاني، حيث لا يمكن فهم الهوية بوصفها جوهرا ثابتا، بل هي سيرورة ديناميكية تتشكل عبر التفاعل المستمر بين الماضي والحاضر، بين الرموز التي تمنحها الاستمرارية والتأويلات الجديدة التي تعيد تعريفها. فالرمز ليس مجرد إشارة إلى معنى جاهز، بل هو فضاء مفتوح للتأويل، يُعاد تشكيله، حسب السياقات التاريخية والثقافية، مما يجعل من استمراريته فعلا تأويليا لا نهائيا. في المقابل، يعمل العابر كعنصر يفرض التغيير، وهو ما يجعل العلاقة بين الخالد والعابر علاقة جدلية، لا تقوم على القطيعة، بل على التفاعل المستمر بينهما. في هذا السياق، يبرز الشر بوصفه القوة التي تهدد هذا التوازن، ليس فقط بوصفه فعلا مدمرا، بل أيضا كعملية تفكيك للمعنى، حيث يُمارس الشر عبر أنظمة تُعيد تشكيل الخطاب، لفرض سيطرة معرفية وأخلاقية، ما يؤدي إلى تفريغ الرموز من قدرتها على إنتاج المعنى. هذا التهديد ليس نظريا فحسب، بل يتجسد في تحول الإنسان إلى أداة داخل منظومة اجتماعية تفرض تفكيرا نمطيا، حيث يصبح الأفراد منفذين غير واعين لقرارات تعيد إنتاج العنف والهيمنة.
لكن إذا كان العابر يحمل في طياته تهديدا للهوية وللمشترك الإنساني، فإنه يمكن أيضا أن يكون مصدرا للتجديد. إن الحداثة، رغم أنها قد تؤدي إلى تفكيك بعض الرموز التقليدية، تتيح في الوقت ذاته إمكانيات جديدة لإعادة بناء المعنى، مع إمكانات بفتح آفاق جديدة يمكن من خلالها إعادة تأويل الرموز القديمة في سياقات جديدة. وبموجب ذلك لا يكون جدل الخالد والعابر، مجرد مواجهة بين الثابت والمتغير، بل عملية جدلية تُعيد تشكيل الهوية الإنسانية عبر التأويل المستمر للرموز، بما يسمح لها بالصمود أمام تهديدات التفكيك. ولا يمكن للهوية الإنسانية أن تكون ثابتة تماما أو متحولة بالكامل، بل هي نقطة تقاطع بين ما يبقى وما يتغير، بين الرموز التي تمنحها استمراريتها والتحديات التي تدفعها إلى إعادة تعريف ذاتها.
إن جدل الخالد والعابر لا يعكس فقط طبيعة الهوية، بل يكشف أيضا عن قدرتها على مقاومة الشر، حيث يستطيع الإنسان تجاوز دور استقبال المعنى، ليساهم في إعادة إنتاجه، ما يجعل الهوية مشروعا دائم التجدد، يحافظ على استمراريته من خلال مرونته في مواجهة تحولات الزمن.
كاتب مغربي