هشام منور
ظلت القارة الإفريقية علي اتساع رقعتها وغناها الاستراتيجي بالموارد الطبيعية خارج نطاق النفوذ الأمريكي بل وخارج دائرة اهتمامه وحساباته لفترة طويلة من الزمن. ولا يمكننا ردّ الاهتمام الأمريكي (المفاجئ) بالقارة الإفريقية علي أنه مجرد سباق استعماري مع دول ذات نفوذ سابق لاقتسام حصتها منه. فقد استمر التجاهل الأمريكي لأفريقيا حتي بعد تداعي المنظومة الاشتراكية، واكتفت الولايات المتحدة بالاعتماد علي نفوذ حليفتيها القديمتين (فرنسا وبريطانيا) لتأمين ما تحتاجه من موارد وثروات وتأمين الإسناد اللوجستي لقواتها حال الحاجة إلي ذلك.
وبقيت القارة السمراء مقسمة في الخارطة العسكرية الإستراتيجية الأمريكية بين قيادات ثلاث مناطق، حيث كانت مصر ودول القرن الأفريقي تنتمي إلي القيادة العسكرية الوسطي، والتي تشمل منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أما جزيرة مدغشقر، فكانت وحدها تنتمي إلي قيادة منطقة الباسفيك، بينما انضوت باقي دول القارة تحت لواء قيادة المنطقة الأوروبية. لكن التطورات السياسية والاقتصادية والأمنية التي شهدتها إفريقيا، والتحولات الكبري التي شهدتها السياسة الأمريكية بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر)، قد غيرت من النظرة الأمريكية السياسية والإستراتيجية للقارة الأكثر فقراً وتأزماً في العالم.
الأسباب المعلنة من قبل وزارة الدفاع الأمريكية لإنشاء قيادة عسكرية خاصة بالقارة الأفريقية جاءت علي لسان مساعد وزير الدفاع لشؤون التخطيط والسياسات (رايان هنري) وتمثلت في رغبة وزارة الدفاع في خلق وتنمية بيئة مستقرة في القارة الأفريقية تشجع علي إقامة مجتمعات مدنية، والعمل علي تحسين ظروف مستوي معيشة شعوب القارة!
؟ ولتبرير ذلك، يبرز المسؤول الأمريكي أهمية إفريقيا الاستراتيجية، فهي القارة التي تمثل مساحتها نسبة 35% من مساحة العالم، ويبلغ عدد سكانها نسبة 25% من عدد سكان العالم، وتزداد أهميتها بصورة مطردة، فضلاً عن ما أعلنه (رايان) من رغبة الإدارة الأمريكية في أن تضطلع القيادة العسكرية الأفريقية الجديدة بالمساعدة في جهود نزع فتيل النزاعات، وتأمين بيئة أمنية مستقرة تكون قادرة علي هزيمة الشبكات والتنظيمات الإرهابية. وبالإضافة إلي المهام السابقة، فإن للقيادة الجديدة دوراً في تقديم المساعدات الإنسانية والإغاثة الطبية والغذائية للمناطق التي تعاني من نزاعات، وتنمية قدرات القوات العسكرية للدول الأفريقية وإمدادها بالمعدات وإخضاع عناصرها للدورات التدريبية اللازمة، وتقديم العون للمنظمات الإفريقية الإقليمية وفي مقدمتها الاتحاد الأفريقي.
قد يفسر إيجاد قيادة عسكرية أمريكية موحدة للقارة الأفريقية بوصفها كياناً جغرافياً وثقافياً وسياسياً واحداً، وهو ما حاول المسؤولون العسكريون الأمريكيون شرحه وبيانه في تبرير هذه الخطوة. إلا أن نظرة فاحصة علي جملة من العوامل الطارئة أخيراً علي المشهد السياسي الأمريكي ونظيره الإفريقي تسهم في جلاء أسباب التمدد الأمريكي تجاه إفريقيا وغاياته.
فالحرب الأمريكية المعلنة علي ما يسمي بالإرهاب ومحاصرة جماعات الإسناد والتمويل له، في ظل استعار نارها بدل أن تخمد إثر احتلال كل من العراق وأفغانستان، واستطالات هذه الحرب في منطقة شرق إفريقيا (حادث تفجير سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام عام 1998، وتفجير المدمرة كول في خليج عدن عام 2000). وتزايد نشاط تنظيم القاعدة في القرن الإفريقي، والممانعة الصومالية للنفوذ الأمريكي هناك، نبهت الآلة العسكرية الأمريكية إلي ضرورة الحضور القوي عسكرياً واستخباراتياً في المنطقة، فكان إنشاء القاعدة العسكرية في جيبوتي، ثم ارتفاع وتيرة الحضور بعد هجمات 11 أيلول/ سبتمبر بحيث أضحت (إفريقيا) ساحة أمنية جديدة للولايات المتحدة بما يتجاوز منطقتي القرن الإفريقي وشمال القارة، في ظـــل مخاوف من تمدد الخطر الأصولي في بلدان غرب القارة (النيجر وشمال نيجيريا علي وجه الخصوص). يضاف إلي ذلك إصرار الولايات المتحدة علي مواجهة النفوذ الصيني المتنامي بسرعة في إفريقيا وتحجيمه اقتصادياً وعسكرياً، ورغبة الإدارة الأمريكية في تطويق نفوذ بعض الأنظمة الإفريقية (المارقة) وفق التصنيف الأمريكي، والأهم من ذلك كله تأمين عمليات التنقيب عن النفط والمعادن في القارة الأفريقية واستقراره، في ظل تزايد الاضطرابات التي تكررت في حقول النفط في منطقة دلتا النيجر، خصوصاً في حقول نيجيريا منذ عام 2003، والتي تعتمد الولايات المتحدة، بشكل كبير، علي نفط هذا الإقليم، في ضوء تقارير إستراتيجية تتوقع أن تلبي القارة الأفريقية 25% من احتياجات الولايات المتحدة من النفط بحلول عام 2015. ستكون القارة الإفريقية (باستثناء مصر) ابتداء من 30 أيلول/ سبتمبر عام 2008 تحت قيادة عسكرية أمريكية موحدة هي أفريكوم Africa Command. وسوف تدار هذه القيادة بشكل مؤقت من قاعدة عسكرية أمريكية في مدينة شتوتغارت الألمانية. وتظل محاربة (الإرهاب) وتأمين الموارد النفطية والمعدنية للولايات المتحدة، ومنع أي تهديد محدق بها الهاجس الاستراتيجي الأكبر للإدارة الأمريكية، والتي ما زالت تمارس دور (المستعمر) في زمن ولّي فيه المستعمرون واستقالوا عن دورهم. والحال أن تخصيص الكونغرس لميزانية مقدارها (500) مليون دولار لمدة ست سنوات لتمويل مكافحة الإرهاب عبر الصحراء الإفريقية، والتوقيع علي عدد من المعاهدات الأمنية والعسكرية مع دول القارة، يصبان في هذا السياق ويفضيان إليه، ويبقي أن تعي دول القارة الإفريقية مصالحها الحقيقية والدور الجديد الموكول إليها في الأجندة الأمريكية كي تكون مستعدة للانضواء أو الممانعة لاستعمار جديد ما لبثت دول القارة أن كافحت لتحقيق استقلالها عن مآربه قديماً. ہ كاتب وباحث فلسطيني8