خيري منصور
كان جون شتاينبك قد استبق شعراء وروائيين علي امتداد العالم في موقفه الاشكالي من حرب فيتنام، الحرب التي فقد فيها ابنه، لكن تلك الحرب أصابت جرثومتها الروائي الأمريكي الذي لم يستطع الاحتفاظ بتوازنه وهو يفاصل بين موقفين أحدهما تاريخي والآخر أخلاقي.
وفي حرب الصيف الماضي التي شنتها اسرائيل علي العرب أجمعين من خلال لبنان، فقد الكاتب الاسرائيلي غروسمان ابنه، وهو من المجندين الذين اقتادهم أولمرت ووزير دفاعه الي تلك الحرب، لكن غروسمان واصل احتجاجه علي الحرب، وشارك في مظاهرات واستطاع الي حد كبير أن يحتفظ بتوازنه، ولكي لا تبدو هذه المقالة مديحا لغروسمان وموقفه، علينا أن نتذكر ما قاله في مقابلة نشرتها مجلة الكرمل قبل عدة أعوام، فقد قال انه لا يطمح الي أن تكون علاقته بالعرب علاقة عشق، اذ يكفي أن تنحسر الكراهية قليلا كي تتبدي الأشياء علي حقيقتها انسانيا، فالأحقاد تنفث الكثير من الدخان علي الحقائق، وتضاعف من الالتباس لأن الاسقاط والرغائبية يمارسان سطوة غير محسوبة علي الوقائع، بحيث يعاد انتاجها وفقا للرغائب ولتلك الاسقاطات!
ولم ينفرد غروسمان بكتابة روايات ومقالات حول الصراع العربي الاسرائيلي بين أبناء جيله من اليهود، لأن أسماء مثل عاموس عوز وعاموس كينان ويائيل دايان ويزهار سملانسكي سرعان ما ترد الي الذاكرة تباعا رغم الفوارق التي يمكن للناقد رصدها بين المقتربات، والرؤي وأنماط التعامل مع التاريخ في أشد أبعاده تراجيدية!
وحين نشر يزهار سملانسكي روايته القصيرة بعنوان خربة خزعة تباينت ردود الأفعال العربية ثقافيا عليها، فهناك من رأي أنه يحاول الاغتسال من الاثم المزمن في الذاكرة الصهيونية، وهناك من رأي أن تلك الرواية المبكرة نسبيا مهدت للحقبة التي عرفت باسم ما بعد الصهيونية أو المؤرخين الجدد، بدءا من تلك الأطروحة الأكاديمية الشهيرة التي أعدها طالب يهودي عن مذبحة الطنطورة المنسية والذي دفع ثمن موقفه!
في خربة خزعة يتدرب الجنود الاسرائيليون علي أهداف حية، قد تكون بشرية علي الرعاة أو حيوانية علي حمار ضال وحين ينفذون الأوامر بابادة القرية بمن فيها لا يجدون في ترجمة الأوامر العسكرية الفورية ما يعوقهم أو يدفعهم الي التردد، لأن تلك الحرب التي تسميها اسرائيل في أدبياتها الصهيونية حرب الاستقلال الأولي لا مثيل لها في التاريخ الا حروب الرجل الأبيض ضد الهنود الحمر والسكان الأصليين، فكل استيطان يقتضي ابادة، لأنه احلال لكائنات مكان أخري، لهذا لم يكن ممكنا لأي مترجم عربي يقدم نصوصا من هذا الطراز الا أن يلوذ بمقدمات احترازية، تحدد مستوي التأويل السياسي ومداه، وذلك تناغما تقليديا مع موقف سياسي وأخلاقي من غزاة قرروا حذف الضحية من الوجود والذاكرة والكتب!
سآخذ الحكمة هذه المرة من فم يرطن بالعبرية وليس من المجانين، وأقول مع غروسمان ان العشق خارج المدار في هذه المرحلة الحمراء التي بلغت فيها الدراما الفلسطينية ذروتها بحيث أصبح الفلسطينيون يحصون ايامهم بعدد قتلاهم وليس بملاعق القهوة كما قال الشاعر اليوت.
لهذا فقد كان مقتل ابن غروسمان اختبارا للأب أولا، وكان عليه أن يختار لدي سماعه النبأ بين أن يوجه الاتهام الي العرب الذين قتلوه وقاوموه غازيا أو الي المؤسسة العسكرية في اسرائيل التي اقتادت الي حروبها أعدادا غفيرة من الشبان اليهود الذين عاد الكثير منهم في توابيت!
وأذكر أن اجتياح بيروت عام 1982 أفرز بشكل لافت ظاهرة أدبية من طراز جديد بحيث نشر جنود اسرائيليون نصوصا مفعمة بالأسي والاحساس بالخذلان، وكان الكتاب الذي أصدره الباحث العربي ابراهيم البحراوي بعنوان الأدب الاسرائيلي بين حربين كاشفا بامتياز لما سماه المؤلف الأحزان الموضعية في النصوص ذات الرؤي الاشكالية، والتي كتبت بعد حرب أكتوبر عام 1973 واجتياح بيروت عام 1982. وما يقال عن ضرورة التسلح المعرفي والمنهجي لقراءة النصوص العبرية لا مبالغة فيه لأن كثيرا من تلك النصوص مشحون باشارات واحالات الي مرجعيات ميثولوجية، ولي تجربة شخصية في هذا السياق، عندما طلب مني الصديق الراحل غالب هلسا كتابة مقدمة لقصة تهلة التي ترجمها عن الانجليزية ليوسف عجنون، فقد وجدت لدي القراءة الأولي للقصة أن مفتاحها ليس مرمياً علي عتبة الباب كما يقال، وأنها ملغومة باشارات توراتية، لهذا اختصرت المقدمة عدة مرات كي لا يتجاوز حجمها حجم القصة نفسها!
وكان الشهيد غسان كنفاني من رواد الكشف عن الأدب الصهيوني، وتعلمنا منه كيف نقرأ نصوصا لا تكتفي بذاتها وانما تكتمل، وتغذي نقصانها بالاحالات والترميز الديني، وما اصطلع علي تسميته بمعجم الدياسبورا والهولوكست!
وحين قرأنا لأول مرة في كتاب غسان كنفاني عن الأدب الصهيوني سبب اطلاق اسم جورج اليوت علي أهم شوارع تل أبيب، وكذلك حاييم بياليك أدركنا ما كنا غافلين عنه ونحن منهمكون في ثقافة سياسية أحادية البُعد!
ولا يمكن لي أن أتصور حتي لو لم أكن طرفا في صراع وجودي بأن قراءة شاعر يهودي من طراز يهودا أميحاي ممكنة بدون تفكيك الاشارات، فهذا الشاعر بالذات يحاول كما وصفه شاعر عربي أن يمرر رؤاه الصهيونية انسانيا عبر تشحيمها بدم يهودي، فهو لا يذكر الهولوكوست مثلا في احدي قصائده، لكن الرائحة تنبعث من النص، خصوصا عندما يقول بأن أباه وجده وابنه وهو أيضا ولدوا واحدا بعد الآخر لكنهم ماتوا معا!
ان الصدي المعرفي والنفسي لدي متلقي بعض النصوص العبرية التي تشذ عن القاعدة الصهيونية، يصعب تحديد مداه، فالكتابة الاشكالية تستولد بالضرورة قراءة غير أفقية، لكن ما أحس به كقارئ عربي لتلك النصوص يطرح أمامي عدة أسئلة منها وربما في مقدمتها هل يمكن للأدب أن يعتذر عما فعله التاريخ؟
وهل يمكن لمن يؤرخ روائيا لخربة خزعة أن يتطهر من حصته الدموية في مأساتها؟
ولم يحدث أن تكثف هذا الموقف الاشكالي بحيث أصبح تقطيره في الكتابة أشد عُسرا من حلب الحجر مثلما تكثف قبل عامين وأنا أشاهد علي الشاشة يوري أفيزي يقود مظاهرة تمر من قريتي ضد الجدار العنصري.
وتنازعتني في تلك اللحظة حالتان عصيتان علي الاختزال اللفظي.
فمن يبني الجدار هو جنرال من غلاة الصهاينة ومن يتظاهر ضده كاتب يهودي معارض، فأين أنا وأمثالي من هذه المعادلة الصعبة؟
وهل تطورت الصهيونية تاريخيا بل تأسرلت الي الحد الذي أفرزت معه نقيضها، وأصبحت جدلية رغم ينابيعها الأسطورية، وبالتالي طردتني من التاريخ أيضا؟
فاذا كان هناك من اليهود من ينوب عني في قريتي في التظاهر أو الاعتراض أو الممانعة فان هذا يعيد التراجيديا الي مطلعها والي سطرها الأحمر الأول، لهذا يقع الغلاة من المتفائلين العرب بمرحلة ما بعد الصهيونية في الفخ ذاته الذي وقع فيه المعادون لكل ما يصدر عن اليهود بوصفهم يهودا فقط!
والأرجح أن النصوص الأدبية المعبرة عن آلام موضعية أو التي تشهد علي الجريمة الناقصة ليست تسديدا لمديونية التاريخ، فالتاريخ له أسلوبه ايضا في الربا، لأن الذاكـــرة وتهجير الحكاية أو الســــردية الوطنية من جيل الي جيل يضيــــف اليهــــا الكــثير من بلاغة الأسي!
وقد تكون احدي أقصر القصص في العبرية تلك التي كتبتها فتاة يهودية عن حاجز اسرائيلي استوقف حافلة تقل عربا ويهودا في فلسطين فقد طلب الجندي من راكبين أن يترجلا، واقتادهما الي الحاجز، عندئذ سأل أحد الركاب اليهود الجندي كيف استطاع أن يعرف بأنهم عرب وليسوا يهودا؟
فالشكل ولون البشرة والشعر لا يكفي لأن هناك يهودا يمنيين وعراقيين ومصريين ويهودا سود اللون مثل الفلاشا.
فأجاب الجندي، انه عرفهما من عيونهم اليهودية!! وقد لا أجد نصا كهذا خلال العقود الخمسة الماضية باللغة العبرية يقدم وعيا فاضحا خلاصة أن اليهود أنتجوا يهودا وأن الضحية أصبحت فلسطينية بل عربية بامتياز صهيوني!
ولا أدري كم سيمضي غروسمان في موقفه بعد مقتل ابنه في الحرب علي لبنان، لأن هذا الاختبار أشد عُسرا من التكهن بنتائجه الفورية.
لكن السؤال الذي يمكث بعد كل هذا هو هل سيكشف العربي في المدي المشهود بالعين المجردة بأنه مطرود من التاريخ اضافة الي الجغرافيا؟
عندئذ ستكون التراجيديا قد عثرت علي نصفها الكوميدي المؤجل، فالتاريخ لا خيام فيه ولا وكالات غوث ولا مفاوضات تحول الأوطان الي كسور عشرية!
ہ شاعر وكاتب من الاردن