النزوع الفرنكفوني الجديد لفرنسا

حجم الخط
0

النزوع الفرنكفوني الجديد لفرنسا

يحيي اليحياوي النزوع الفرنكفوني الجديد لفرنسا يكاد المرء يجزم بان مهد ما اضحي يسمي، منذ مدة طويلة بالفرنكفونية، انما القارة الافريقية بامتياز، اذا لم يكن بكل ربوعها الشاسعة، فعلي الاقل بجل الفضاءات الجغرافية التي استعمرتها فرنسا مباشرة، او ضمتها الي حدودها بالالحاق القسري، او مارست السيادة عليها من خلال الحماية او الاشراف او ما سوي ذلك. والواقع ان مرحلة الستينات من القرن الماضي لم تستنبت دولا واقطارا ذات سيادة كاملة ، الا لتدمجها مباشرة بعد ذلك بهياكل ومؤسسات تغيات منذ البدء (في طبيعتها كما في فلسفتها كما في الادوات) ابقاء الدول والاقطار اياها في فلك المستعمر القديم، الذي رحل عن القارة تحت ضغط مسوغات عديدة لعل احدها (واحدها فقط) ضربات المقاومة الوطنية المناهضة لوجوده . لم تأت الفرنكفونية (بافريقيا وبغيرها) من فراغ، بقدر ما اتت من روابط وعلائق وتحالفات تركتها فرنسا بعين المكان وخلقت لها سبل الامتداد اما عبر ما تركته خلفها من حلفاء، او من خلال ما تسني لها تكوينه من نخب محلية ضمنت لها (لفرنسا اقصد) ذات الامتداد في الزمن والمكان.تعود كلمة فرنكفونية الي نهاية القرن التاسع عشر عندما استخدمها (في العام 1880) الجغرافي الفرنسي اونزيم وكلوس ، للتدليل علي الفضاء الجغرافي الذي يتحدث اللغة الفرنسية، اي فضاء الاقوام والشعوب التي تنطق بهذه اللغة كليا او جزئيا وتعتمدها اداة تواصل وتخاطب فيما بين ابناء طينتها. لكن الترجمة الفعلية للكلمة علي ارض الواقع، لم تأت الا في اعقاب مرحلة الاستقلالات الوطنية ، اي عندما اقترح الرؤساء سيهانوك وبورقيبة وسنغور تجميع الدول التي لها نقط قرب ثقافية ولغوية مع المستعمر القديم/الجديد، اعتبارا منهم للدور الذي بامكان فرنسا لعبه في تحول ذات الاقطار وانتقالها الي مرحلة التاسيس الذاتي، اي تاسيس الدولة وبناء الاقتصاد والمجتمع. واذا كانت وكالة التنمية الثقافية والتقنية (المنشأة في العام 1970) قد انتظمـــــت حول التعاون ذي الطابع التقني الخالص، البعيد عن حساسيات مرحلة الاستعمار او الحماية، فانها كانت الممهد الاساس لانعقاد اول قمة فرنسية/افريقية في العام 1973، لتاتي بعدها تباعا القناة الفرنكفونية العالميـــــة ت.ف.5 (في العام 1984)، ثم بعد ذلك المجلس الاعلي للفرنكفونية كملتقي للافكار يناقش القضايا المشتركة بين فرنسا وهذه الدول، لتلتئم القمة الفرنكفونية (بعضوية كيبك الكندية) في العام 1986 بفرساي… ولتاخذ اللقاءات تدريجيا طابعا مؤسساتيا بانشاء منظمة ذات امانة عامة في العام 1997، تحولت (في العام 2005) الي المنظمة الدولية للفرنكفونية التي تضم خمسين دولة لغة ادارتها واعمالها واعلامها اللغة الفرنسية.واذا بات من الثابت اليوم ان اللغة هي الخيط الجامع لهذه الدول، ومبرر انتظامها مجتمعة في هيئة اقليمية بهياكل قارة، فان الفرنكفونية تتعدي ذلك بكثير ليس فقط بجانب الرابط التاريخي الموضوعي القائم، ولكن ايضا بجهة المصالح الآنية والمستقبلية التي تعتبر المنظمة اياها اطارها ومصبها وحامي اواصرها فضلا عن كل هذا وذاك. يقول الرئيس ميتران بهذه النقطة: ان الفرنكفونية ليست هي اللغة الفرنسية وحسب…اذا لم نتوصل الي الاقتناع بان الانتماء الي العالم الفرنكفوني سياسيا واقتصاديا وثقافيا يمثل اضافة، فاننا سنكون قد اخفقنا في العمل الذي بداناه منذ عدة سنوات .هو هنا لا يتجاوز فقط مقولة بورقيبة بان الرابطة اللغوية التي تجمع بين مختلف الاقطار الافريقية امتن من روابط المناخ او الجغرافيا ، بل وايضا بديهية ان اللغة هي اكثر من اداة اتصال وتخاطب وتواصل، بل هي كذلك تعبير عن الهوية المشتركة وارتهان متبادل في الزمن بين المنتمين لهذا الفضاء او المتطلعين للانتماء.الفرنكفونية لم تعد اذن تتحدد بالاحتكام الي الرابط اللغوي المتأتي من الارث التاريخي المباشر، بل وايضا بالقياس الي التطلع (التطلع الفرنسي تحديدا) الي بناء فضاء جغرافي ذي ابعاد متعددة لا يمثل العامل اللغوي الا رافدا من روافده الجامعة ليس الا.ليس من الصدف في شيء ان تنزع منظمة الفرنكفونية الي القبول بعضوية دول اوروبا الشرقية والوسطي وتعقد باحداها (برومانيا في اواخر شهر ايلول ـ سبتمبر) قمة تشدد في بيانها علي الهوية السياسية للمنظمة ، علي الرغم من تمحورها (القمة الحادية عشرة اعني) حول اشكالية تربوية وثقافية كاشكالية التربية وتكنولوجيا الاعلام والاتصال . وليس من الصدف ايضا ان تتحول المنظمة اياها الي فاعل سياسي، يتخذ موقفا موحدا من القضايا الكونية الكبري او ذات الطبيعة الرمزية العميقة كما في حال استبعاد الرئيس اللبناني من حضور القمة (قمة بوخارست) علي خلفية موقفه المؤيد للمقاومة ولحزب الله، وتحت مبرر الشكوك التي اثارها تقرير الامم المتحدة الاخير حول ملابسات اغتيال الرئيس الحريري في شباط (فبراير) من العام 2005 . بالتالي، فاذا كان العنصر اللغوي هو اللحمة الظاهرة/الجلية التي تتجمع عبرها ومن خلالها الـــــدول/الاعضاء في المنظـــــمة، فان الابعاد الاقتصادية والســـياسية اخذت تبدو كما لو انها العنصرالطاغي والابرز والمحدد لفلسفة المنظمة ومواقفها من هذه القضية او تلك.قد لا يكون من العيب ان تتجمع دول واقطار في اطار منظومة واحدة وموحدة، لها من الروابط التاريخية (اللغوية والثقافية والاقتصادية والسياسية) ما يسوغ لها ذلك، ويمهد لها سبل التعاون والتضامن والتكافل المتبادل. وقد لا يكون من العيب ايضا ان يكون لدولة او اكثر، صفة الريادة ووضعية القيادة للمنظومة اياها، سيما لو كانت الدولة الاقوي والانجع وذات الوزن الدولي المحترم كفرنسا. لكن الذي يميز المنظمة الدولية للفرنكفونية ويطبعها بقوة، ويثير القلق والحسرة بشانها انما ثلاثة امور جوهرية، يبدو لنا انها اضحت اللازمة الاساس لها ولطبيعة العلاقات القائمة فيما بين اعضائها منذ الارهاصات الاولي لستينات القرن الماضي:ـ اما الاول فيتعلق بـ السلوك الامبراطوري الذي لم تستطع فرنسا التخلص منه او الانسلاخ عنه في علاقاتها مع محيطها الفرنكفوني المباشر (الافريقي تحديدا) كما في التوجهات الكبري التي تمليها علي المنظمة سرا وبالعلن.لا يروم التلميح هنا فقط الي تصميم فرنسا وامعانها في عدم دعوة الرئيس اللبناني (بأمر شخصي من الرئيس الفرنسي) ولا في ابتزاز بلغاريا ورومانيا وهما علي ابواب الالتحاق بالاتحاد الاوروبي (في فاتح كانون الثاني ـ يناير 2007)، ولكن ايضا في عزمها توظيف الاغلبية الفرنكفونية بالاتحاد الاوروبي (14 دولة من اصل 27) لتطويع الموقف الاوروبي (لدرجة ارتهانه بالتصويت) اما بجهة التاثير علي مواقفه المستقبلية، او دفعه الي اتخاذ موقف ما من هذه الدولة او تلك، من هذه القضية او تلك لمجرد ان لفرنسا معها حسابات او عداوات. ليس ثمة اذن من ندية داخل المنظمة ولا نحن بازاء طبيعة تحالفية من نوع ما، بقدر ما نحن بازاء وضعية تبعية مباشرة للاعضاء، توظفهم فرنسا للاستقواء علي هذه الجهة او تلك. لن يغدو جراء هذا، من اعتبار يذكر للغة او للثقافة او لما سواهما، بقدر اهمية الجانب السياسي الذي سيكون لفرنسا بموجبه كلمة عليا بمنظمة الفرنكفونية، كما بالاتحاد الاوروبي، كما بالعلاقات الثنائية المباشرة فيما بينها وبين باقي الاعضاء. ـ الامر الثاني ويرتبط بالقول (قول عبدو ضيوف تحديدا) بـ اننا نريد الدفاع عن الفرنسية في اطار التعددية اللغوية والتعددية الثقافية ، كما لو ان المشكل هو مشكل الدول الاعضاء، في حين انه بالاصل وبالمحصلة مشكل فرنسا في مواجهتها وتصديها للفضاء اللغوي الانجلوفوني الذي يتقدم علي حسابها منذ ثمانينات القرن الماضي. لا يبدو لنا هنا ان الاشكال اشكال لغوي او ثقافي بالاساس، بقدر ما هو اشكال سياسي تتمثل عناصر معادلته في النفوذ والهيمنة والذود عن الفضاء والمصالح فضلا عن ذلك.وعلي هذا الاساس، يبدو لنا انه من الغريب حقا ان تعمد الدول الاعضاء في المنظمة مثلا الي تحديد احجام استيراداتها من البرامج التلفزيونية او السينمائية الممررة باعلامها، لمجرد ان فرنسا عمدت الي ذلك، او تسن لنفسها قوانين علي شاكلة ما تسن فرنسا لحماية لغتها او الدفاع عن خصوصية مطبخها او الذود عن ثقافتها وتميز حضارتها. ـ اما الامر الثالث فيحيل علي مبدأ التعددية اللغوية والثقافية الذي تعتبره المنظمة خاصيتها الاساس، وجوهر فلسفتها في التعامل مع اشكال التباين الذي تحمله دول من قارات مختلفة ومن مستويات تنمية اقتصادية وثقافية متباينة. بهذه النقطة، يبدو لنا انه اذا كان صحيحا ان مستقبل الفرنكفونية يمر من خلال هذا المبدا (ومن خلال تكريسه بافريقيا تحديدا)، فان السؤال المحرج حقا لفرنسا وللاعضاء الآخرين، انما يكمن في سر تهميشها للغات الاخري وفي مقدمتها اللغات الافريقية داخل المنظمة كما داخل حدود التراب الفرنسي. عن اية تعددية لغوية تتحدث المنظمة علي لسان امينها العام، واللغة الرسمية للمنظمة اياها هي اللغة الفرنسية … ولا اثر يذكر للغة العربية او للغة السواحلية او للهجة الايووندو او الوولوف او البومبارا…او اللغة الرومانية والبلغارية استقبالا؟ انه النزوع الفرنكفوني الجديد الذي يظهر التعددية والاختلاف، في حين انه يضمر التنميط والسيادة اللغوية…انه النزوع الفرنسي الذي يريد تمديد فضاء الفرنكفونية الجغرافي دونما مس بالخاصية الايديولوجية للرسالة المروجة من بين ظهرانيه…ہ باحث واكاديمي من المغربmailto : [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية