النزول إلي الجحيم
سعيد بوكراميالنزول إلي الجحيمبدت لي الطريق علي متن الحافلة المكيفة الهواء سهلة ومريحة. تناولت قرصا من النوطامين، فأحسست مرارته في جوفي. حاولت النوم وعند كل إغماضة تتحرك الصور أمامي. صور المودعين المشيعين وهم يهمسون النصيحة ويشنّجون عضلات الوجه بالمواساة. أطرف ما قيل لي، هي نصيحة محمد قال: عليك أن تحتاط من الذباب ففي تلك المناطق يلتهم العيون ويصيبها بمرض لا علاج له.بدأت أتخدر وأسترخي، عضلاتي إسفنجية وتفكيري رخو، أما المشاهد فلطخات من الضوء والظلمة الرمادية.استيقظت مذعورا علي صوت انفجار عارم. كان الممثل البشع شوارزنغير علي شاشة التلفزيون يكاد يحطم العالم مجسدا بذلك ذهنية البنتاغون. تناولت قرصا آخر وأسلمت رأسي لزجاج النافذة الباردة. لا أعتقد أني حلمت بشيء أو هكذا خيل إلي لكن تنفسي كما قال رفيقي الذي لم يغمض له جفن وبقي جاحظ العينين كابن آوي أن تنفسي كان متحشرجا وكأني كنت أركض في مكان ما. وبعد لحظات أفقت علي دوران لا نهائي، فكلما أعدت رأسي إلي مكانه انحرف بعنف مرة أخري في هذه اللحظة أدركت أني نازل إلي الجحيم.بعد منتصف الليل رجّني رفيقي وقال: ـ أتنزل لتتعشي أم تكمل نومك؟رفعت رأسي الدائخ ونزلت.رائحة الشواء ممزوجة بظلمة حالكة تسيج الفضاء. مقاه بسيطة مفتوحة علي العبور الشاق والغامض. بضعة دكاكين تعرض كل شيء للبيع. ما يخطر وما لن يخطر علي بالك. وكأن البشر العابر لاجئ إليهم من كوارث أو قيامة.الجزار النحيف الذي اعتدت عليه بعد ذلك في ذهابي وإيابي اللانهائي يشير بكفه -ذات الأربع أصابع فقط ـ إلي مؤخرة خروف، ضاربا فوقها بساطور صغير، احتشد الركاب والتفوا حوله وكأنهم سيبدأون طقسا أسطوريا. ثم بدأ يهوي علي أعضاء الخروف بلذة ونشوة . تذكرت إحدي قصص تنيسي وليامز التي تحكي عن رجل أسود التهم رجلا أبيض، التهمه نيئا. بدد معالم الصورة إحساسي بالجوع ورغبتي في افتراس أحد أطراف هذا الخروف المسكين.عندما أخذت ألتهم قطع اللحم المورّد بنيران الجمر شعرت بلذة رائعة وطعم غريب ورغبة في مزيد منه . قلت لصاحبي:ـ هذا اللحم طعمه غريب!ضحك الملعون بسخرية وقال:ـ قد يكون لحما آدميا، ربما سمعت بجزار لهجاجمة1 الذي تعب من نهب بعض رجال الشرطة لشوائه دون أن يؤدوا الحساب. فأخذ يطحن لهم لحم الحمار كفتة خصيصا لهم. هذا ما صرح به في المحكمة.قال ذلك وسكت وترك رجع كلامه يعصر معدتي الخربة. نظر إلي مرة أخري وهو يعض قطع الشواء، وقال:أهلك بالضوء لأني عاشق طين وفصوص ليلوحين أفرغ من الهروبفي تلك الدروب الغافية في السواد أسمع تلك الأصوات من وراء الباب عربات بخيولها تهوي إلي التكرار يمكنك أن تبصر رؤوس الهاربين من الحرب تقهقه بيأس مرقشة بسخامالدهشةأسنانها ناصعةبالندم.رفاقي الثلاثة تلاشوا في الهواء أنظر إليهمكيف استطاعوا مغادرة الهباء بمكالمة هاتفيةورشوة وربما ضربة حظ.لا تفكر في مصدر النسيج العناكب لا تشيخ تباغت بالفطرة تجمع صيد الفخاخفي مستودعها الباردثم تطلق العنانلأفكارها اللئيمةمن أنت؟شهوة سحابقارب ضائعكم منسؤالتحتاج في زمن الوحل؟لا تغفو أبدا يجب أن تبصر الموتالصاعدة من أجيج الرمال.أبدا تشخر الحافلةفي المهوي في هذه البيداءمنعرجات حافات.. تيشكا2يا أصدقاء الليل والسحابوالخطرالنهايةنهاية واحدةومتشابهةدوخة في الخبلوتسلقلمتاهات السأم.ـ لا تصدق ما قلته..ثم بدأ يقهقه:ـ كل يا عزيزي، هذا اللحم ، لفرط لذته، لن يكون إلا لحما آدميا..وأعاد الكلمة عدة مرات وهو يتبع القطع إلي فمه برشفات الشاي.صديقي العزيز بدأت رسالتي بعدما سمعت من أحد الشعراء الشباب مقاطع من ديوانه الجديد. تلاقينا بالصدفة فعرفني وتعرفت عليه. عميق وحساسيته تجريدية ينقل الأشياء المحسوسة والهامشية من سياقاتها العادية إلي سياقات ذهنية عجيبة.. شربنا القهوة وانصرف ليلاقي الصحراء. قال إنه يعرفها جيدا ولن تغلبه بالتأكيد استعاراتها اللاهبة لأنه أعد لها من المتاهة ما يكفي لصياغتها بالأبيض والفضي.1 حي صفيحي مهمش في الدار البيضاء.2 جبال شاهقة تقع بين مدينة مراكش وورزازاتہ كاتب من المغرب0