القدس ـ «القدس العربي»: يندهش الفلسطينيون من الشعارات التي تطلقها المؤسسات الدولية في الأيام العالمية أو الدولية المختلفة، وتحديدا دعوات الانضمام للاحتفال باليوم الدولي للمرأة في الثامن من آذار/مارس 2025 والذي جاء تحت شعار «الحقوق والمساواة والتمكين لكافة النساء والفتيات».
ففي الوقت الذي يتم دعوة العالم للاحتفال من خلال «فتح الباب أمام المساواة في الحقوق والقوة والفرص للجميع ومستقبل نسوي لا يتخلف فيه أحد عن الركب. وتمكين الجيل القادم، وهم الشباب، وخاصة الشابات والفتيات المراهقات، باعتباره هو جيل التحفيز لتغيير دائم»، يحمل الواقع في فلسطين التي تعيش منذ نحو عامين حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، والذي يتجسد ممارسات احتلالية متفاوتة في القدس والضفة الغربية، حيث تستهدف النساء بصفتهن نواة الأسرة الفلسطينية وإحدى أبرز أدوات النضال والصمود.
جاءت هذه المناسبة الدولية على القدس المحتلة بعد أسابيع من إعلانها عربيا «عاصمة المرأة العربية لعام 2025».
وحسب الناشطة النسوية المقدسية ساما عويضة، مديرة مركز الدراسات النسوية، فإنه من غير المجدي الحديث عن حقوق نساء في ظل ما تواجه النساء من قمع يصل حدودا لم تصل لها أي من النساء في أي منطقة في العالم، ففي حين تحتفل النساء بالمنجزات فإن الفلسطينيات يتمركزن مدافعات عن حقهن بالوجود وحق عائلاتهن.
فالنساء المقدسيات يعشن في القلب من سياسات التمييز الممنهج وسيل من القيود المفروضة على لم الشمل، وتهديدات سحب الهويات، وارتفاع الضرائب، والتضييق على فرص العمل، وهدم المنازل، وانتهاكات الحقوق الاقتصادية والتعليمية والصحية… ألخ، ما يجعل النساء المقدسيات الأكثر هشاشة ومعاناة تحت الاحتلال.
وحسب ورقة تحليلية شاملة صادرة عن وزارة شؤون المرأة بعنوان «أوضاع المرأة المقدسية»، فإن 80 ألف مقدسي يعيشون خلف جدار الفصل العنصري، بينما تواجه المقدسيات قيودًا مشددة تحدّ من حركتهن وتوثر على مشاركتهن في الحياة العامة وسوق العمل، حيث لا تتجاوز نسبة مشاركة المقدسيات اقتصاديًا 10.2 في المئة، في حين تعيش 72 في المئة من العائلات المقدسية تحت خط الفقر.
وصدرت الورقة بالتزامن مع إعلان القدس عاصمة المرأة العربية 2025-2026 حيث تعاني المرأة المقدسية من تحديات معيشية وسياسية متزايدة نتيجة سياسات الاحتلال الإسرائيلي.
ويبلغ عدد سكان محافظة القدس 507.781 نسمة، تشكل النساء 49 في المئة منهم، بينما يعيش حوالي 80 ألف مقدسي خلف جدار الفصل العنصري.
ويستمر الاحتلال في تنفيذ انتهاكات ممنهجة، تشمل هدم المنازل، حيث تم تدمير أكثر من 5000 منزل منذ عام، 1967 بالإضافة إلى مصادرة 35 في المئة من أراضي القدس الشرقية لصالح الاستيطان، وسحب الاقامات المقدسية، مما أدى إلى تجريد 14.500 مقدسي من حقوقهم القانونية وتشتيت العائلات عبر فرض قيود صارمة على لم الشمل.
وحسب الباحثة سامة عويضة فإن النساء اللواتي لا يحملن هوية القدس ويتزوجن من رجال يحملون هوية القدس يعشن معاناة تصل في بعض الأحيان درجة «السجن»، حيث يضطررن إلى عدم مغادرة القدس، في ظل أن مغادرتهم المدينة المحتلة قد يحمل عدم القدرة على العودة إليها.
وتكمل: «أما اللواتي رفض الاحتلال منحهن لم شمل فإنهن يصبحن مقيمات بشكل إجباري بالقدس من أجل المحافظة على هويتهن وعائلة زوجهن. هؤلاء يعشن محرومات من حرية الحركة وإمكانية العمل».
وتشدد على أن «قضية من يستحق الهوية الرسمية تؤثر بشكل كبير على النساء بالقدس، إنها تشكل مصدر قلق كبير لهن ولعائلاتهن».
وحسب الإجراءات الإسرائيلية الاحتلالية فإنه كان يمكن للمقدسي، حتى عام 2002، الذي يحمل «إقامة دائمة» والمتزوج من فلسطيني خارج القدس في الأراضي الفلسطينية المحتلة أن يتقدم بطلب لم الشمل لدى وزارة الداخلية الإسرائيلية التي كانت تضع قواعد صارمة للموافقة، حيث كان يلزمه لتقديم الطلب العديد من المستندات عدا عن كونها تجربة مريرة وصعبة ومرهقة بحد ذاتها تستغرق إجراءاتها الوقوف ساعات في طوابير، وتحتاج الموافقة عليها سنوات طويلة لا يسمح خلالها بالزوجين بالعيش معا في القدس.
وفي عام 2003 ألغت إسرائيل إجراءات لم الشمل بعد سن «قانون الجنسية والدخول إلى إسرائيل» الجديد الذي بناء عليه يحظر على كل مقدسي يحمل إقامة دائمة في القدس سواء متزوج أو سيتزوج في المستقبل من فلسطيني من سكان الأراضي الفلسطينية العيش في إسرائيل مع أزواجهم.
ولم يعد مسموحا كما السابق إمكانية التقدم بطلب لم الشمل أو الحصول على إقامة مؤقتة، بل مجرد تصاريح مؤقتة صادرة عن الإدارة المدنية لا يتم الموافقة عليها في معظم الحالات.
وتظهر تداعيات منع لم الشمل بصورة خاصة على المقدسيات اللاتي حرمن حق اختيار شريك حياتهن والذي أصبح مقرونا بالبعد الجغرافي والسياسي كأول المعايير، وفي حال تزوجت المقدسية من فلسطيني خارج حدود القدس أو ما تسميه إسرائيل «بلدية القدس» تصبح مجبرة على العيش بشكل منفصل عن زوجها حامل هوية السلطة الفلسطينية خوفا من فقدان حق إقامتها في المدينة، خاصة وأن تشديدات وزارة الداخلية الإسرائيلية تظهر بصورة أكبر في حال كانت الزوجة المتقدمة لطلب لم الشمل مقيمة في القدس وزوجها من مناطق السلطة الفلسطينية.
وتعتبر منطقة «كفر عقب» (شرق رام الله) الواقعة داخل حدود بلدية الاحتلال الحل أمام الأزواج الذين اختاروا شريك حياتهم من الضفة الغربية واستطاعوا أن يحتفظوا بإقامتهم على الرغم من ظروف الاكتظاظ السكاني العالي وانعدام البنية التحتية التي تشهدها تلك المنطقة.
وحسب تقرير وزارة شؤون المرأة فإنه وفقا لنفس القانون يتم رفض تسجيل الأطفال الذين ولدوا خارج «إسرائيل» حتى في حال حمل الوالدان إقامة دائمة، ولا يسجل هؤلاء الأطفال في هوية الوالدين ولا يمنحون إقامات دائمة أو مؤقتة، وفي أحسن الأحوال يتقدم الوالدان لاستصدار تصاريح مؤقتة من الإدارة المدنية لا يمنحون بموجبها حقوقا اجتماعية أو تأمينا صحيا ويتم الغاؤها في كثير من الأحيان، وعند عمر الثانية عشرة يجبر الطفل على ترك منطقة مدينة القدس ومغادرة والديه وعائلته والانتقال والعيش في مناطق السلطة الفلسطينية.
وحسب هذا الواقع المفروض احتلاليا فإن أكثر من 10 آلاف طفل فلسطيني مولود غير مسجل في القدس.
تشكل قضية هدم المنازل التي تتصاعد وتشهد كثافة في هذه الأوقات إحدى أبرز الملفات التي تؤرق النساء في مدينة القدس، وتشير الإحصاءات الرسمية أنه منذ عام 1967 تم رصد هدم 5000 في القدس الشرقية، ومنذ بدء الحرب على قطاع غزة في السابع من اكتوبر 2023 وحتى نهاية عام 2024 نفذت سلطات الاحتلال حوالي 439 عملية هدم في محافظة القدس بذريعة البناء بدون ترخيص.
أما في القدس الشرقية وخلال نفس الفترة الزمنية، هدمت سلطات الاحتلال ما يقارب 226 منزلا تركزت معظمها في بلدة جبل المكبر وسلوان وبيت حنينا والعيسوية، وهو ما أدى إلى تهجير 621 فلسطينيا، وتضرر 40767 آخرين. ومن بين المنازل المهدومة 125 منزلا من دون أي اخطار أو انتظار قرار قضائي.
وحسب الورقة البحثية فإنه مع تجريد الاحتلال المقدسيين من بيوتهم التي تمثل وحدة الأمان لهم تتضرر النساء والأطفال بصورة كبيرة من عمليات الهدم وترتد تبعاتها على الأحوال المعيشية والاجتماعية الاقتصادية والحالة النفسية بصورة خاصة مع تحول بيت الذكريات إلى ركام.
وحسب عويضة فإن قضية المنازل تمتد لقضايا كثيرة، فمثلا تعتبر مسألة إثبات السكن بالقدس المحتلة متعبة وشاقة للغاية، فرغم أن أسعار الإيجار مرتفعة جدا، وهو ما يضع العائلات أمام معاناة مضاعفة، حيث ينهمك الرجال في عملية بحث عن بيوت صغيرة المساحة حتى يتمكنوا من دفع تكاليف الإيجار، وبالتالي على النساء أن ترتب أمورها وأمور أسرتها في هكذا ظروف صعبة وحياة ضيقة.
وحسب المعطيات الرسمية فإن أكثر من 30 ألف عقار في القدس مهدد بالهدم وهو ما سيؤدي إلى إلحاق خسائر اقتصادية بحياة نحو 100 ألف مقدسي.
كما يواجه التعليم في القدس الشرقية تحديات كبيرة نظرا للسياسات الإسرائيلية الممنهجة التي تهدف لمحاربة الرواية الفلسطينية وطمس السردية الوطنية وتعزيز الرواية الإسرائيلية وخلق شخصية مقدسية محلية منفصلة عن فلسطينيتها وعروبتها وإسلاميتها، وتكون النساء الأساس في هذه المعركة الثقافية والتعليمية.
وأشارت ورقة الموقف الصادرة عن وزارة شؤون المرأة أن الممارسات والقيود على المدارس والمؤسسات التعليمية التابعة لوزارة التربية والتعليم الفلسطينية و«الأوقاف الإسلامية» دفعت إلى تسرب ما يقارب 700 طالب وطالبة إلى مدارس بلدية الاحتلال التي تدرس المنهاج الإسرائيلي، وهو ما اضطر ما يقارب 150 معلما ومعلمة لتقديم استقالتهم، ما يهدد بإغلاق العديد من المدارس وزيادة انتشار المنهاج الإسرائيلي المسموم بين الطلبة.
ويواجه قطاع التعليم في القدس تحديات كبيرة، أبرزها محاولات الاحتلال تحريف المناهج الفلسطينية وفرض مناهج إسرائيلية، ما يؤثر سلبا على التحصيل العلمي، حيث تشير الدراسات أن 32 في المئة من الطلاب المقدسيين لا يكملون تعليمهم الثانوي كما تعاني الخدمات الصحية من قيود مالية وتضييق ممنهج يؤثر على جودة الرعاية الطبية المقدمة وخاصة من فئة النساء.
أما أبرز مؤشرات سوق العمل الخاصة بالنساء في مدينة القدس فتدلل على فجوة هائلة، فقد بلغت نسبة مشاركة الإناث في القوى العاملة في محافظة القدس 10.2 في المئة، حيث بلغت نسبة الإناث خارج القوى العاملة 89.8 في المئة.
وتشير المعطيات إلى مشاركة منخفضة في الاقتصاد، وهو مؤشر على أن اقتصاد القدس غير قادر على توليد فرص عمل جديدة وخاصة للإناث، وهو ما يعزز من الأرقام التي تقول انه تعيش 72 في المئة من العائلات المقدسية تحت خط الفقر، ويعاني 81 في المئة من الأطفال من ظروف معيشية صعبة نتيجة السياسات التمييزية المفروضة.
وتشدد عويضة إلى أن واقع النساء في مدينة القدس وصعوبة الحياة فيها لن يفهمها أو يتخيلها المجتمع الدولي، حيث تعيش النساء في أحياء مثل الشيخ جراح معاناة المصادرة والتهويد والطرد من منازلهن، ويخضن معركة يومية للحفاظ على منازلهن، وتعليم أبنائهن.
وتشدد على أن وضع النساء بالقدس المحتلة يتمثل في أنهن جزء من وضع المجتمع الفلسطيني في القدس عامة، فالفلسطيني في القدس يعاني طوال الوقت من قضية إثبات وجوده في المدينة وإثبات استحقاقه حسب القوانين للهوية الإسرائيلية.
وحول قضية أن تكون القدس عاصمة ترى عويضة أنها مسألة «مهمة جدا تؤسس للفت نظر الدول العربية للمعاناة في القدس، وتوصيلهم لمرحلة التدخل عالميا من خلال الهيئات العالمية والدولية لمساعدة أهل القدس للحصول على الحد الأدنى من الحقوق التي يمكن أن يعيشوا فيها بسلام».
وتختم: «نأمل أن تصبح كل النساء العربيات مهتمات بوضع النساء بالقدس، نأمل من كل الدول العربية أن تصبح قضية النساء الفلسطينيات والمقدسيات مهمة لهم، بحيث تتحول قضية النساء في القدس إلى قضية عربية ومن ثم دولية». وكانت وزيرة شؤون المرأة منى الخليلي قد رأت في إعلان القدس عاصمة المرأة العربية لعام 2025 بإنه محاولة لتسليط الضوء على الانتهاكات التي تتعرض لها النساء في القدس، وهو «فرصة لتسليط الضوء على انتهاكات الاحتلال ولتكوين موقف عربي للمطالبة بحماية المرأة الفلسطينية والمقدسية».