النساء يحكمن العالم – الرئيس القادم للولايات المتحدة امرأة

ونحن نكتب هذه السطور ما زال الجدل محتدما في المنطقة العربية، خاصة في السعودية، حول تحدي عدد من النساء الشجاعات يوم السبت 26 تشرين الأول /أكتوبر لتلك القوانين غير المكتوبة التي تمنعهن من قيادة السيارة. وبقدر ما يثير هذا الموضوع الأسى والمرارة حول القضايا التي تشغل الأمة في هذا الزمان الصعب، إلا أنه يبعث الأمل في النفس على أن الشعوب الحية لا تقبل الظلم إلى الأبد ولا ترضح لقوانين عفا عليها الزمن، وأن جرعة التحدي مثل كرة الثلج تبدأ صغيرة ولا تلبث أن تكبر وتكبر وحركتها تصبح أسرع وأقوى، لدرجة أنها تجرف من يقف في طريقها أو يعترض مسيرتها الهادرة.
تذكرت جدلا شبيها بما يجري اليوم لكن من دون وسائل تواصل اجتماعي آنذاك لنشر الأخبار بسرعة البرق، حول النزاع بين صفوف المحافظين السعوديين والمنفتحين عندما تم تدشين أول محطة تلفزيون يوم 17 تموز/يوليو 1965، حيث قرر المحافظون أن يمنعوا إطلاقه ولو بالقوة بحجة أنه سيخرب الأخلاق ويستحضر ثقافة غربية للمجتمع السعودي المحافظ وينشر الصور المجسمة للإنسان، وذلك محرم أصلا من وجهة نظر المؤسسة الدينية. لكنهم فشلوا بعد أن أصر الملك فيصل آنذاك على إطلاق المحطة وقال، إنها ستساعد في التصدي للدعاية من دول الجوار (وكان يقصد الرئيس جمال عبد الناصر). وها هي السعودية تكاد الآن تسيطر على كافة القنوات الفضائية. وقد يأتي وقت ليس ببعيد تصبح السعودية بلدا منتجا للسيارات والدراجات والقوارب والطائرات المروحية وغيرها. كل ما تحتاجه لتنفيذ ذلك إرادة صلبة وآلية سليمة لاتخاذ القرار، وشعب يلعب دورا حقيقيا في إدارة شؤون بلاده ويراقب كيف تصرف هذه المليارات بطرق سليمة وشرعية وإنتاجية وليست استهلاكية فحسب.

عالم تحكمه النساء

أقارن ما يجري في بلادنا وما يجري في هذا الكون، حيث يدخل مع مرور الزمن مزيد من النساء معترك الحياة السياسية ويترشحن لمنصب رئاسة الدولة أو رئاسة الوزراء، وكثيرات منهن يفزن في الانتخابات ويتبوأن هذا الموقع الرفيع، لثقة غالبية أبناء شعوب تلك الدول في حكمة المرشحة وقدرتها على قيادة البلاد بشجاعة ودراية عاليتين، والقناعة بأن الحكمة في القيادة الفذة ليست حكرا على الرجال، بل قد تتقنها النساء وبطريقة أفضل من الرجال على طريقة القيادات (الذكورية) في المنطقة العربية. ونود أن نقدم هنا شيئا من الحقائق والإنجازات التي حققتها نساء عظيمات جلسن خلف مقود القيادة فأبدعن وما زلن.
باستعراض سريع لخارطة المواقع الرئاسية في العالم، نجد أن هناك نحو 14 دولة تجلس النساء فيها على كرسي الرئاسة، منها دول عظمى كالبرازيل ورئيستها الفذة ديلما روسيف، التي قرّعت الرئيس الأمريكي أوباما في الجمعية العامة، بسبب التجسس على بلادها، وفي عهدها دفشت البرازيل بريطانيا من الموقع الاقتصادي السادس في العالم لتجلس مكانها وتتراجع بريطانيا إلى الموقع السابع. ونذكر كذلك رئيسة الأرجنتين كريستينا فرناندز، التي تتفاخر بتوسيع سوق العمالة وتخفيف الديون عن بلادها وتمرير قوانين عديدة لحماية الأطفال. ورئيسة كوريا الجنوبية كون هيه بارك وإنجازاتها الضخمة وموقفها الصلب أمام تهديدات جارتها كوريا الشمالية، التي يعاني 70′ من سكانها من المجاعة، بينما يحتل بلدها الموقع الاقتصادي الرابع عشر في العالم، بالإضافة إلى صربيا وسويسرا وكوستا ريكا ولثوانيا وليبيريا وملاوي وكوسوفو.
كما أن منصب رئيس الوزراء، كأعلى سلطة في الهرم الحكومي تحتله نساء في بلد مثل ألمانيا، حيث تعتبر أنجيلا ميركل أقوى قائد في أوروبا بدون منازع، يتذلل تحت قدميها قادة كثيرون لتسعف اقتصادياتهم المنهارة، وقد صنفت أقوى امرأة في العالم لسبع سنوات متواصلة من قبل مجلة ‘فوربس’، بالإضافة إلى بنغلاديش وترينداد وتوبيغو وتايلند والدنمارك وجاميكا وسلوفينيا والنرويج. ولو جمعت الدول التي شهدت انتخاب رئيسة أو رئيسة وزراء لزاد العدد عن 70 دولة، من بينها أيضا دول عظيمة مثل الهند وباكستان وتركيا وايرلندا وسري لانكا، وطبعا لا نستطيع إلا أن نتذكر رئيسة وزراء إسرائيل غولدا مائير صانعة الحروب، ورئيسة وزراء بريطانيا المرأة الحديدية مارغريت ثاشر، ورئيسة وزراء الهند العظيمة أنديرا غاندي، التي اغتالها إرهابيو السيخ عام 1984، كما اغتال إرهابيو وادي سوات بن ظير بوتو في باكستان عام 2007.
ومن مراجعة للقائمة هناك نساء من كل الديانات وكل القارات وكل الأعراق إلا المنطقة العربية التي قفزت عنها هذه الميزة العالية ليس لانعدام وجود نساء مؤهلات، بل لتمكن العقلية الذكورية القبلية المتحجرة، التي ما زالت تعتبر صوت المرأة عورة ووجهها فتنة ودورها محصور في الطبخ والنفخ والتفريخ، وتلغي دور العقل فيها وتعتبرها مخلوقا ناقصا، وما زال الجدل بين هؤلاء الذين ينتمون للعصور الماضية يدور حول سن الزواج وغسل العار بقتل الأنثى وحقها في السفر بدون محرم وحقها في الجلوس خلف مقود السيارة وهل يمكنها أن ترد على الهاتف وهل تعطي الجنسية لأبنائها، وغير ذلك من قضايا كان يجب أن نتجاوزها منذ زمن.
ومن المؤكد أن عدد النساء في مواقع القيادة في العالم سيزيد كل عام، وذلك لأسباب موضوعية ثلاثة: أولا، لأن عدد النساء في العالم يزيد قليلا عن عدد الرجال، وهذا أمر مؤكد بسبب الحروب وتعرض الرجال لحوادث القتل وأمراض القلب والجرائم المنظمة والمغامرات الخطيرة. وثانيا، لأن معدل أعمار النساء يزيد عن أعمار الرجال في كل بلدان العالم تقريبا، فبينما يصل معدل أعمار الرجال في معظم الدول الصناعية المتقدمة إلى نحو 78 سنة، يقفز معدل أعمار النساء فوق 81 سنة.
والسبب الثالث أن العصر الذي كان الرجل هو مصدر الدخل الأوحد انتهى، وأن عدد النساء العاملات والكاسبات لأرزاقهن والمعيلات لأولادهن يرتفع عاما بعد عام، مما يزيد من فرص استقلالية النساء في اتخاذ القرارات بعيدا عن هيمنة الذكر، بما في ذلك النشاط السياسي.

الولايات المتحدة والرئيس القادم

مع أن القوانين على الورق لا تميز ضد المرأة في هذه البلاد، إلا أن النساء ما زلن يناضلن من أجل الوصول إلى المساواة التامة في فرص العمل والتقدم في السلم الوظيفي والكسب المتساوي مع الرجل عند أداء نفس الوظيفة. وعلى المقاس العالمي فالولايات المتحدة تحتل الموقع 22 في تجسير الهوة بين الجنسين، بينما تحتل نيكاراغوا الموقع 9 وجنوب أفريقيا الموقع 16 ومصر الموقع 126 والسعودية الموقع 131 واليمن 135، وهي آخر دولة على هذا السلم. وجاءت دولة الإمارات كأفضل تصنيف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لتحتل الموقع 107، وهو كارثي أيضا بامتياز مقارنة مع الدول الأخرى.
لقد كانت المرأة الأمريكية لغاية وقت قريب عزوفة عن ميدان السياسة، ولا تجد في مجلس الشيوخ إلا عددا قليلا جدا من النساء، وأكثر قليلا في مجلس النواب (17′ الآن). وبينما خبرت معظم أرجاء أوروبا تقريبا وبعض الدول الآسيوية قيادة المرأة للبلاد، دخلت المرأة الأمريكية مؤخرا مواقع الوزارت السيادية، عندما عين بيل كلينتون السيدة مادلين أولبرايت وزيرة للخارجية، لتكون أول امرأة تحتل هذا الموقع الرفيع.
ويعتبر الرئيس أوباما أكثر رئيس يعين نساء في مواقع مهمة في تاريخ الولايات المتحدة، بحيث تحتل النساء ثلث وزاراته – وللعلم فإن عدد الوزارت في الولايات المتحدة 16، بما فيها موقع رئيس العدلية، ليس مثل وزارة المالكي في العراق أو وزارة محمود عباس في رام الله.
ومن النساء اللاتي احتللن وزارات في دورتي أوباما، هيلاري كلنتون وزيرة للخارجية في الدورة الأولى، وسوزان رايس مستشارة الأمن القومي، وسمانثا باور سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، بالإضافة إلى وزارات العمل والداخلية والتجارة والصحة والأمن الوطني.
إن انسحاب هيلاري كلينتون من وزارة أوباما الثانية جاء عن قصد وترتيب وتخطيط، استعدادا للترشح للرئاسة عام 2016. وهي الآن شبه مختفية عن الأنظار تعمل على إعادة صياغة نفسها جسميا وذهنيا وعاطفيا استعدادا لحملة الرئاسة القادمة. وسأسمح لنفسي في هذا الوقت المبكر أن أتوقع أن الرئيس القادم للولايات المتحدة سيكون امرأة وهي هيلاري كلينتون، إلا إذا حدث ما لم يكن في الحسبان ولم تترشح وهذه هي الأسباب:
أولا- لقد تجاوز الشعب الأمريكي مسألة اللون والدين والجنس، ولم يعد ينظر إلى المرشح إلا من خلال الكفاءة والبرنامج الانتخابي؛
ثانيا- الجسم الانتخابي الأساسي مكون من الأقليات والسود والمثليين وجيل الشباب ومعظم هؤلاء أقرب إلى الحزب الديمقراطي؛
ثالثا- يفتقد الحزب الجمهوري إلى قيادات ذات وزن ثقيل وقياداته التقليدية ما زالت تفكر بأمريكا البيضاء النقية التي يحكمها أغنياء الأنكلو ساكسون التقليديون؛
رابعا- ما زال الشعب الأمريكي مهووسا بحب بيل كلينتون، وقد كانت كلمته الرئيسية في مؤتمر الحزب الديمقراطي الأخير بيضة القبان في فوز أوباما لولاية ثانية. وكما قال عن نفسه في حملته الانتخابية عام 1992: ‘إشتر واحدا وخذ الثاني مجانا’، وكان يقصد هيلاري تستطيع هيلاري الآن أن تعيد ترديد مقولة زوجها وتقول: ‘صوّت لي وستكسب واحدا إضافيا بالمجان’.
خامسا- تمتلك هيلاري كلينتون من الخبرة ما يمكن أن تقزم بها أي مرشح آخر فقد جمعت المجد من أطرافه، البيت الأبيض ومجلس الشيوخ ووزارة الخارجية؛
سادسا- سيقف أوباما خلف هيلاري داعما لرد الجميل للزوجين على تأييده أثناء سنواته الرئاسية الثماني، مما يزيد في حظوظها؛
وسابعا- بعد اختيارها لنيويورك سكنا دائما تحظى بدعم اللوبي الصهيوني المؤيد لإسرائيل؛
وأخيرا- ستلعب النساء دورا عظيما في ترجيح كفة هيلاري وسيخرجن بالملايين لممارسة حقهن الانتخابي من جهة، وليشعرن بنوع من الكبرياء لمساهمتهن في فوز أول امرأة رئيسة لأقوى دولة في العالم.
كم أتمنى على علماء المسلمين، خاصة في السعودية أن يعيدوا النظر في تأويل آي الكتاب الحكيم ليس فقط للسماح للمرأة بقيادة السيارة، أسوة بكل دول العالم بما في ذلك أكثر من 55 دولة إسلامية، بل للمساواة التامة انطلاقا من الآية الكريمة التي تقول: ‘إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله والذاكرات، أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما’ (الأحزاب 35). أهناك مساواة أكثر من هذه؟

‘ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية