دمشق – «القدس العربي»: تتحضر الدول الفاعلة في سوريا لجولة جديدة من محادثات أستانة بنسختها الـ13، بعدما أُجهضت الجولة السابقة واعتبرت نقطة تحول خاصة على صعيد فشل الدول الضامنة في حسم الملف السياسي بعيداً عن مقررات جنيف والقرارات الدولية، حيث طفت الخلافات بين تلك الأطراف وتباينت مواقفها الميدانية تجاه الأوضاع السورية، ما عرقل الوصول إلى الاتفاق والمأمول، فيما يتوقع اليوم إحداث اختراق وحيد يتعلق بالإعلان الدستوري المرتقب.
وتحتضن العاصمة نور سلطان، يومي 1 و2 أغسطس/آب، مباحثات أستانا، بحسب ما أعلنت وزارة الخارجية الكازخستانية، بمشاركة وفدين من لبنان والعراق لأول مرة.
وقالت الخارجية في بيان لها، تستضيف مدينة نور سلطان الجولة الدورية الثالثة عشرة للملتقى الدولي رفيع المستوى حول سوريا بصيغة أستانا. ومن المخطط مشاركة الدول الضامنة وهي إيران وروسيا وتركيا، إضافة إلى النظام السوري والمعارضة السورية المسلحة، وكشف البيان عن مشاركة هي الأولى من نوعها لمراقبين يمثلون الأمم المتحدة والأردن، إضافة إلى لبنان والعراق، للمساعدة في تسيير المحادثات.
وأوضح أن الجولة ستركز على بحث مستجدات الوضع في سوريا، خاصة في إدلب وشمال شرقي البلاد، والإجراءات اللاحقة لتعزيز الثقة بين الأطراف المتنازعة وتحريك العملية السياسية، بما فيها قضايا تشكيل وإطلاق عمل اللجنة الدستورية.
مشاورات تمهيدية
ومن المقرر أن يشهد اليوم الأول من المباحثات سلسلة مشاورات تمهيدية ثنائية ومتعددة الأطراف، بمشاركة وفد المعارضة السورية والنظام، فيما ستعقد الجلسة العامة في اليوم الثاني.
إلى ذلك، أكد المتحدث العسكري باسم وفد استانا الرائد «ياسر عبد الرحيم» مشاركة وفد قوى الثورة والمعارضة السورية بـمباحثات «استانا 13» معتبراً أن الهدف من المشاركة هو المطالبة بوقف القصف على مناطق إدلب وحماة، ولبحث ملف اللاجئين السوريين.
ولفت خلال مؤتمر صحافي عقده في مدينة عفرين شمال سوريا، إلى ضرورة «الدفاع عن الشعب السوري الذي يرزح تحت قصف النظام وروسيا، وتخفيف الضغط عنه»، مشيراً إلى أن معركتهم السياسية في نور سلطان تتزامن مع معركة عسكرية يخوضها الثوار على الأرض لصد هجمات النظام وروسيا. واعتبر المتحدث العسكري أن روسيا «مجرمة» وأنهم يشاركون في مباحثات أستانة لـ«فضحها أمام العالم»، مؤكدا أنهم سيقومون بأي شيء لتخفيف معاناة السوريين الذي يتعرضون للقصف.
وأوضح عبد الرحيم أن مسألة «مصالحات الاستسلام» التي سبق وجرت في عدد من المناطق في سوريا لن تتكرر في إدلب، إذ إن فصائل المعارضة ستقاتل حتى الرمق الأخير، كما تحدث عن محاور المباحثات المرتقبة في نور سلطان، والتي تركز -بحسب قوله- على عدة محاور، أهمها الوقف الفوري للقصف، وملف المعتقلين، وملف النازحين الذين تجاوز عددهم 600 ألف نازح ويعيشون في ظروف إنسانية صعبة، كما سيتم تناول موضوع اللاجئين والتأكيد على عدم عودتهم في ظل عدم توفر بيئة آمنة في سوريا.
وفي إشارة ضمنية إلى دعوة رئيس هيئة التفاوض «نصر الحريري» بمقاطعة مباحثات أستانا، قال عبد الرحيم إن عدم الذهاب إلى مباحثات أستانة سيتيح المجال للنظام للتفرد بالطاولة، مؤكداً أنه في «حال فشلت المفاوضات فإن قتال النظام وروسيا سيتواصل».
ويبدو الحل السياسي أكثر تعقيداً من الأوقات السابقة، مع فشل ثلاثي المسار من بلورة خطوطه العريضة، وابتعاد العملية السياسية عن المظلة الدولية ووفق قرارات مجلس الأمن 2254، ومتابعة الالتفاف الروسي على مخرجات مؤتمر جنيف، كما تعتبر الدول الثلاثة الراعية لمسار أستانا لها مصالح كبيرة في سوريا، وهي متداخلة بين عسكرية اقتصادية وجغرافية وسياسية وعرقية ودينية. الباحث السياسي، طلال عبد الله جاسم، اعتبر أن مسار أستانا أمام تحد هو الأكبر منذ تأسيسه، وكلّ يريد ضمان مصالحه الاستراتيجية وينتظر عائد التضحيات التي بذلها، كما تواجه الدول الثلاث تحديات كبرى في سوريا لاسيما مع عدم وجود أي تحالف استراتيجي بين هذه الدول المكونة للمجموعة، «بل هناك تنافر فيما بينها في مجالات عدة، ويمكننا أن نصفه بتحالف الحاجة والضرورة، حيث إن هذه الأطراف تتحكم بنسبة كبيرة في الحراك المسلح على الأرض السورية بالتواجد المباشر أو عبر الفاعلين المحليين السوريين». إن مسار أستانة تم إحداثه بناء على توافق دولي من أجل إدارة الصراع السوري وضبطه من قبل الدول المتدخلة عسكرياً في هذا الصراع، حيث تم تكليف موسكو بهذه المهمة. وبالرغم من التناقضات الكثيرة بين الدول الراعية لمسار أستانا، إلا أنها حققت الكثير من أهدافها، بل أصبح هذا المسار مهدداً لمسار جنيف ومرجعياته بعدما شارك فيه قسم كبير من المعارضة السورية والنظام والفصائل المسلحة والأمم المتحدة وحتى ممثلين لكل الدول المنخرطة في الصراع السوري بشكل رسمي أو بصفة مراقب. والآن بعد انضمام لبنان والعراق، كمراقبين في أستانا، إضافة إلى وجود الأردن كمراقب، يرى المتحدث لـ»القدس العربي» أن دول الجوار السوري جميعاً موجودون على الطاولة مع وجود التنسيق الروسي الإسرائيلي. وكذلك التنسيق بين روسيا والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات، وبذلك لن يغيب أي طرف عن المشاركة في هذا المؤتمر. من خلال مسار أستانة، تم وقف القتال في مناطق عديدة وإجراء ما سموه بالمصالحات أو التسويات، حيث تمت تسويات كثيرة وبضمانات روسية، ومن لم يوافق على هذا النوع من التسويات والمصالحات تم تهجيره قسراً من منطقته إلى إدلب، ولكن هذه المرة بات الأمر مختلفاً لأن المعركة معركة وجود، فليس أمام المعارضة السورية عسكرية أم سياسية إلا المواجهة أياً كان الثمن. ويضيف الباحث السياسي، في مسار أستانا تم طرح مواضيع مهمة تتعلق بالمعتقلين والمختفين قسراً، وكذلك بتشكيل اللجنة الدستورية التي كانت أهم منتج -بحسب وصفه- معرباً عن توقعه أن تشكيل اللجنة الأمر الوحيد الذي يمكن لمؤتمر أستانة أن يحقق فيه تقدماً. ورغم أن إنشاء هذا المسار كان بهدف عسكري أمني إلا أنه قد تحول إلى مسار سياسي بعد تعاطي أطرافه ببرغماتية مع مصالحهم المتناقضة في سوريا واستطاعوا إدارة الخلافات الكبرى بينهم، «وبعضها ما زال ينسق مع بعض، واتضح ذلك الدور بمحاولتهم فرض الحصة الثالثة في اللجنة الدستورية التي من المفترض أن تسميها الأمم المتحدة، وبذلك لم يعد من خيار أمام السوريين إلا التعامل مع هذا المسار سياسياً وعسكرياً».
لا بد من التفاوض
وبات واضحاً بحسب رؤيته- أنه لا بد من التفاوض ومحاولة إيجاد تسويات تسمح بإيقاف الحرب، ثم الانتقال للمرحلة الأصعب، وهي إعادة بناء الدولة السورية، معتبراً أن المسألة شائكة لدى الأطراف الثلاثة وهي ما تملكه من تصورات متناقضة عن سوريا المستقبل وشكل الحكم فيها، ومفهوم السيادة، وهو ما لا ينسجم مع ما يريده السوريون كشعب ومعارضة. لا يوجد لدى روسيا أي مجال للتنازل في إدلب، بحسب ما يقول المتحدث، فيما تحارب تركيا شمال غربي سوريا وعينها على تل رفعت ومنبج وشرق الفرات، إذ إن «لروسيا في تل رفعت النفوذ الكبير، بينما منبج وشرق الفرات النفوذ للأمريكان، حيث تبذل تركيا الجهد الكبير لتحقيق اتفاق ما مع الأمريكان ولكن يبدو الأمر أصعب مع دخول الفرنسيين والإنكليز على الخط، وليست السعودية والإمارات ببعيدة عن هذا الملف الذي يعتبر الأهم بالنسبة لتركيا».
ولتركيا مصالح مستدامة وآنية ذات بُعد داخلي ودولي، وهي الأكثر نفوذاً على الفصائل المسلحة السورية، ولها جمهور سوري كبير يعول عليها في أي حل قادم. أما إيران، فيقول الباحث السياسي طلال عبد الله جاسم، إنها الشريك الثالث في أستانة، وهي في صراع مع روسيا على النفوذ في سوريا عسكرياً وأمنياً وسياسياً واقتصادياً، وعينها على ممر إلى المتوسط وعلى صراع إرادات مع أمريكا وإسرائيل ودول محيطها العربي، كما أنها تمتلك قوة عسكرية إضافة إلى المليشيات الشيعية وحزب الله، ولها تشكيلات في الدفاع الوطني وقوات النظام أيضاً.
وتبدو روسيا أكثر قوة من أي وقت مضى لفرض ما تريده، بعدما أظهرت نفوذها على مفاصل أجهزة الدولة السورية الأمنية والعسكرية، كما تربطها بـ «قسد» علاقات متينة رغم تحالفهم المرحلي والمصلحي مع الولايات المتحدة وحلفائها لحرب داعش، وستعود هذه العلاقات بشكل جلي في أي تغيير في العلاقات بين موسكو وأنقرة، بحسب المتحدث.