دمشق ـ “القدس العربي” ـ من أنور بدر: في كل عام يقف القاريء العربي في سورية أمام معرض الكتاب، وقفة مليئة بالحذر وعلامات الاستفهام، وان كانت تغلفها رغبات من نوع آخر، فهذا المعرض بدأ عام 1984 كمعرض خاص بالكتاب السوري، ثم تطور إلي معرض الكتاب العربي، وأخذ الصفة الدوليةً لاحقا فهذا العام تشارك فيه تسع دول أجنبية.
هذا العام وجدنا أنفسنا أمام 29 ألف عنوان و450 دار نشر، والسؤال الأساسي: ماذا نستطيع أن نشتري من هذا الكم الهائل؟ وكيف نفاضل بين هذه العناوين المثيرة والمثارة أمامنا؟ عادة ما يكون المعرض فرصة لاقتناء الكتاب بسعر أرخص نتيجة الحسومات التي تقدّم في المعارض، هذا العام كانت الحسومات شبه وهمية في اغلب دور النشر، أحسسنا بلعبة تشبه أوكازيونات التسوق في محلات الصالحية وشارع الحمراء، حيث يرتفع سعر القطعة المعروضة للبيع، ثم بعد إجراء حسومات تصل إلي (20%) يبقي سعر المبيع الفعلي، اكبر من السعر الحقيقي لهذه القطعة، وكنا نأمل في أن لا يتحوّل الكتاب إلي مُجرّد قطعة كأي حذاء أو تي شرت مثلاً.
أحد مسؤولي النشر قال لي: أنا ادفع ستين ألف ليرة بدل عشرة أيام ولمساحة تكاد لا تتجاوز ستة أمتار مربعة، وهو بدل إيجار مرتفع بكل المقاييس العالمية، وعليّ أن أحصّل في نهاية المعرض ثمن الكتب المباعة وتكلفة النقل إضافة لبدل الإيجار هذا. ونفقات أخري لا تقل عن ذلك، وفي المحصلة أنا كناشر أؤمن بالكتاب لكنني لا أرغب بالخسارة.
الدكتور علي العائدي مدير مكتبة الأسد الجهة الراعية للمعرض، يؤكد أنّ المكتبة لا تتقاضي أيّة ريعية من دور النشر، لا توجد رسوم تدفع هناك، فقط بدل نقدي يحدد علي الخزانة، وهذه الخزانة بدعة سورية، فكل المعارض تتقاضي بدل إيجار للجناح، لكننا في معرض دمشق قررنا أن نأخذ بدل إيجار للخزانة المؤلفة من مجموعة رفوف معدنية، إلاّ أنّ هذه التعريفات لا تغيّر شيئاً في أنّ دور النشر تدفع ما بين (40) و(60) ألف ليرة عن مساحة صغيرة، مما اضطر بعض دور النشر الكبيرة لأن تحجز لنفسها وللوكالات التي حصلت عليها من دور أخري مساحات إضافية بلغت خمس أو ست أجنحة، وهذا بدوره أدي علي مشكلة أخري تجلت في ضيق المكان، حتي أنّ بعض دور النشر وجدت نفسها علي الرصيف خارج ممرات المكتبة. دون أن يُغيّر ذلك شيئاً من بدلات الإيجار.
هذه المسألة أثارت اعتراض البعض الذين حصّلوا لأنفسهم أماكن بديلة، فيما بقي قسم كبير ممن لم يُجدْ فن الاعتراض، فاستمر المقام به علي الرصيف.
الدكتور العائدي يقول: وزعنا الأجنحة حسب ترتيب تسجيل الاشتراك فيما يؤكد كثيرون عدم صحة ذلك، ويتساءلون: لماذا يُقام معرض الزهور مثلاً في حديقة تشرين المقابلة لمكتبة الأسد، ويبقي خيار معرض الكتاب محصوراً بين هذه المكتبة وممراتها، أو بين الذهاب إلي مدينة المعارض الجديدة علي طريق المطار. خياران أحلاهما مُرّ.
بعض الناشرين أعاد غلاء سعر الكتاب إلي غلاء أسعار المواد الداخلة في صناعة الكتاب، لكن إذا اعتبرنا أنّ الورق هو المادة الأساسيّة في صناعة الكتاب إضافة للطباعة، فإنّ تصوير أي كتاب يكلف نصف سعره تقريباً، وهذا يفتح علي سوق موازية لبيع الكتب التي تقوم علي عمليات التصوير غير الشرعية، لكنها تؤمن المادة المقروءة بسعر مناسب.
في جولة سريعة ضمن أروقة المعرض نستطيع أن نكتشف أنّ الكتاب الديني ما زال مُسيطراً مع رواج أقل للكتب السياسية التي تتابع الحدث خصوصاً في المنطقة، فكتب الصراع مع الإمبريالية الأمريكية وحروب حسن نصر الله ضد إسرائيل تلقي رواجاً أيديولوجياً. لكنّ الكتاب الديني بحكم أنه مدعوم من مؤسسات تكفل عرضه بسعر زهيد مقابل الطباعة الفاخرة والتجليد الأنيق، يؤمن له مبيعاً بسعر اقل من سعر التكلفة كما أشار أحد العارضين المنافسين، ناهيك عن جمعيات ومدارس وهيئات دينية تؤمن رحلات تسوق شبه منظمة لهذه الأجنحة، ومبيع بأسعار اقل من ذلك بكثير. ومعرض الكتاب الدولي في دمشق يبتعد قدر الإمكان عن التوثيق، ولا توجد إحصائيات رسمية للكتب المباعة وحتي المعروضة، لكنّ المؤشرات تؤكد أنّ الكتاب التراثي والسلفي يُشكل ما بين (65) إلي (80) بالمئة من الكتب المعروضة، وغالبيتها يعود لقرون خلت، رغم إصرار الجهة المنظمة علي أن تكون الكتب المعروضة من الإصدارات الحديثة ما بين 2000 ـ 2007، ويُشير أكثر من ناشر ومتابع الي أنّ الكتب الحديثة الإصدار حقيقة لا تتجاوز (7 ـ 10%) من الكتب المعروضة.
مع ذلك يُمكن تسجيل اهتمام متزايد بالكتب الموسوعية، ففي موسوعات التراجم نجد موسوعة إتمام الأعلام لخير الدين الزركلي، وموسوعة أعلام سورية في القرن العشرين لسليمان البواب، بالتوازي مع الموسوعة الصادرة حديثاً باسم رواية اسمها سورية بإشراف نبيل صالح. وهناك الموسوعة العربية التي يتولي إدارة هيئتها العامة الدكتور محمد عزيز شكري، أصدرت حتي الآن سبعة عشر مجلداً، لكنها لا تتمتع بحضور مواز في هذا المعرض. وكلها تقف عاجزة عن المنافسة مع الموسوعات الدينية من حيث العدد أو الإصدارات وصولا إلي المبيع. الملاحظة الثانية هي كثرة الأجنحة التي تهتم بالكتاب الإلكتروني، وتعرض كتبها علي أقراص (C.D) مدمجة، وهي رخيصة نسبياً، بحيث يُمكن لها أن تنافس جداً في سعر الكتاب الورقي، لكنّ الأستاذ محمد صالح من دار ميديا بروتك المصرية يؤكد عدم وجود منافسة بين الكتاب الورقي والكتاب الإلكتروني، فلكل منهما قارئ خاص. وهذه النوعية من الكتب لم تعد محصورة بالقواميس والكتب الموسوعية، بل تعدت ذلك إلي القرآن الكريم، ومصاحف التجويد وكتب التفاسير، وربما هي في هذا المجال غدت الأكثر انتشارا من المجالات الأخري.
الكتاب السوري يتحرّك في بحر محيطه العربي، فأغلب أعلام الثقافة والأدب في سورية خلال النصف الثاني من القرن الماضي كانوا يتعاقدون علي طباعة مؤلفاتهم في لبنان وأحياناً في مصر، وذلك لأسباب تتعلق بحرية الطباعة، وحرية التوزيع أيضاً. مع ذلك يوجد في سورية حوالي /400/ دار نشر مُسجلة في وزارة الإعلام، بعضها محدود النشاط، وأكثرها يتركز في العاصمة دمشق، وأهمها هي الجهات العامة كمديرية التأليف والترجمة والنشر في وزارة الثقافة أو اتحاد الكتاب العرب، ونلاحظ مطبوعات مديرية التأليف والترجمة التي بدأت عام /1960/ بثمانية كتب، لم تتجاوز حتي الآن (150) كتاب سنوياً، وبالطبع دور النشر الأخري تطبع ما هو أقل من ذلك بكثير. وحتي نقف علي وهمية هذه الدور السورية، يكفي أن نقارن عددها بعدد دور النشر الكلية المشاركة في هذا المعرض حتي نكتشف تطابق الرقمين تقريبا، بالمقابل تغص المكتبات السورية بالكتاب اللبناني أولاً والمصري ثانياً، بينما نجد عدم وجود أي تشجيع لتصدير الكتاب السوري، لذلك نقول أنّ هذا الكتاب الذي يطبع في المتوسط /1000/ نسخة فقط لا يُمكن له أن يصل إلي سوق الكتاب العربي البالغ /300/ مليون مستهلك إلا عبر المشاركة في معارض الكتب والتي تكون مكلفة لدار النشر ما بين إقامة وبدلات إيجار وصولاً إلي تكلفة السفر وبدلات الشحن.
وفي حين أن وزارة الثقافة ما زالت تتخبط بين قرار إحداث الهيئة العامة السورية للكتاب وإشكالات مديرية التأليف والترجمة فيها، نجد أنّ قراراً بإعفاء الكتاب السوري المصدر والمستورد من الضرائب والجمارك التي توضع علي أي سلعة استهلاكية أو كمالية، يمكن له أن يدعم هذا الكتاب ويُشجع القراءة أكثر بكثير من القرارات الإدارية السابقة.
علينا الاعتراف بوجود إشكالية ما بين القارئ والكتاب، البعض يعزوها لأسباب مادية بحتة، البعض يعزوها لضغط الأزمات المعيشية والعامة التي يعاني منها المواطن، البعض يتحدث عن دخول وسائل الاتصال الرقمية والفضائيات المكثفة علي جدول اهتمامات ذلك القارئ، وقد يكون لكل مما سبق نصيب في الأزمة التي يتحدث عنها الجميع، لكن دعونا نعترف حقيقة أنّ اشتغال المؤسسات الثقافية علي إعادة طقس القراءة في المدرسة أو المنزل غائب، وشبه غائب أيضاً تشجيع المواطن طفلاً وشيخاًُ علي ممارسة القراءة وعلي الاهتمام بالثقافة والمعرفة، سوي ما اختص منها بالأصولية السلفية. ونأمل ألا يكون القادم أعظم.