النسيانُ شبهةٌ

حجم الخط
0

وليد هرمز1 ستونَ تمًّا، بمِحفَّاتٍ من خديعةِ السماوات تعبرُ غيوم النِّسْيان؛ تعبرُ الأرخبيلات الصامتة؛ تعبرُ سواحلَ الألم إلى سواحلِ الألم. ستون تمًّا خُرسانَ ستُخطئ عُمري، ربما، بعد عام. ستُخطئ ظلِّي الصَّالِحَ لخِذْلانِ الشَّمسِ. ستُخطئ عدَّ شروخي الذابلةِ، كلذائِذ الخريف. سيَّانَ عندي إنْ أخطأت، مرَّةً أو ثانيةً ستُخطئ.2 ستون تمًّا، على سِماطٍ واحدٍ، بقلوبٍ تلهثُ من حصار العضَل. وريشٌ يزدَردُ ألمهُ ويسفحُ طريقاً مغسولاً بنديفِ الغيم النقي. صبَّحكِ الله بالخير، ياطارقاتِ النجمِ. مسَّاكِ الله بالخير، ياطيورَ التَّمِّ. يا ذاكرة القصب عند حافات المَصَبِّ. والنهرُ في غيبوبةٍ، يا أصابعَ من قصب، نسيتْ أسماءَها الخمسة. الذاكرةُ شُبهةٌ 3 لا قصب هنا، أيها التَّمُّ. يا ذاكرتي التي أنكرتني. صباحي، هنا، ملغَّمٌ بثلجٍ يكره الملح. ويكرهُ القيَّافين المشرَّدينَ في الليلِ. مسائي، هنا، بلا أصابع ترتجف حين يحل كانون الثالث. مساءٌ فائضٌ من الأصابع الغريبة. أصابعُ يُدغدِغُ بعضها بعضاً، ويُطَقطِقُ بعضها بعضاً، ويُراقب بعضُها أظافَرَ بعضٍ. بلا أكفِّ تُلوِّحُ لكم مخافةَ الإغراء. لاتحُطِّي. لا تَمْتثلي: العبورُ العبثُ رحيلٌ عبثٌ. الإغراءُ شُبهةٌ 4 أنا الوصيُّ على خيالِ الهواءِ وشقيقته الريح. ربَّما أقودُ المُهجَّرينَ من أرض المراثي ـ عشبِ السَّواد ـ إلى حتفي. رهينٌ، بكاملِ جنوني إلى زهرةٍ لم تتفتح بعدُ، وعطرها منذورٌ للصمتِ، بعدُ. فياترابُ السَّواد اتبَعْني. العُشبُ فكرةٌ، العشبُ شَعرُ التُّراب. فياترابُ اتبَعْني: سأمسحُ عن وجهكَ غبارَ العواصف، وأُنسيكَ المجازرَ التي وطأتكَ، وأُنسيكَ صواعِقَ الغرباءَ بأسلحتهم وهرطقاتهم. سأُمسِّدُ شعركَ بزيتِ اليقطينِ وأُلبِسُكَ قميص حبيبتي الفيروزيَّ؛ قميصها الذي خاطتهُ أناملُ جذوركَ. وأحلجُ لها بدلاً منه رماد الكتَّان من جبل ‘بَعْشيقة’. الخيالُ شُبْهةٌ 5 في هذا الخِتامِ القارصِ، عقاعقُ تصنعُ الخيانات. تنقرُ الكرز الناضجَ المتساقط من شجر أصابعي، وتذرقُ على أشجار المغيب. تبتَسِمُ النادلِةُ الشقراءُ بمريولها الأسودِ في مقهى ‘سلوتسكوكن’. تُناولني كأسَ النبيذ، وتقول: ـ احذر العقاعق. 6ستونَ تمَّا خُرسانَ، بصفيرٍ خافتٍ، تميلُ نحو انكِساري.

تُشبه غفلتي. تُشبهُ شهواتي المتأخرة ستونَ عصفاً.

تُشبه إخوتي الذين لايشبهونَ أبي.

تُشبه أخواتي اللواتي يَشبهنني.

تُشبه قَلَقَ ابنتي التي تشبهُني.

تُشبه ثرثرتي في الفجرِ الأخرس.

تُشبه أشْباحي التي اطمأنَّت إلى النسيان.

تُشبه انكِسارَ أبي ذاهباً إلى النهايةِ بلا ضجيجٍ.

تُشبه عزلةَ أمي بجبال الرَّنة.

تُشبه خساراتي التي بلا ذنوب.

تُشبه ارتباكي المتعثر بنظرات عشيقةٍ بيضاءَ كملاءة ظلٍّ. الشَّبهُ، شُبْهةٌ. 7هُم الحاملونَ رمادَ ريشهم في مجمرةٍ من شغافِ قلوبهميرتجفونَ صُحبةَ أدلاَّءَ يبيعونَ المُجازفات بقلوبٍ ميتةٍ.

قيَّافونَ، أدِلاَّءُ، بخرائطَ من هواتفَ نقَّالة.

مُهجَّرون.

مَنْ يصلَ، يصِلْ، ومن يرتبكَ في مسالكِ التهريبِ، أخيراً، يصل.

يُصنَّفون في المُقام الأبدي حسبَ وثائِقِ الميلاد.

يصنفونَ بالأرقام احتيالاً على الأسماء.

سيكتفونَ.

لا يتكيَّفون. سيتبادلونَ الأفأفةَ:

جنَّةٌ، بلا ناس، لاتُداسْ. الجنَّةُ شُبهةٌ 8صبَّحكِ الله بالخير، يا نواطيرَ الطَّميَ.

مسَّاكِ الله بالخير، يا طيورَ التمِّ.

الستون تمًّا، تعود.

الستون تمَّا، تُعاودُ الهجران.

يأخذون بقايا خذلان العمر إلى الهاوية.

سيدوِّنون في دفاترِ الرَّمل: الخُذْلانُ شُبْهةٌ* شاعر عراقي مقيم في السويد1ـ التِّمَّ: طير، هو الأوز العراقي طائر مائي كبير عنقه طويل يصدر نداءً كصوت النَّفير ويذكر في الأشعار وفي الأساطير، فيقال إنه يغني مرة واحدة في حياته ومرة أخرى حين يموت. إن سكان بلاد الرافدين كانوا يتكهنون بالطيور فقد استخدموا من طريقة طيرانها وسلوكها هذا الرمز للتعبير عن مفهوم المصير.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية