النصف الفارغ في تقرير بيكر

حجم الخط
0

جمال محمد تقي

لم يكن متوقعا اكثر من الذي وقع في تقرير بيكر ـ هاميلتون، فاللجنة وما تمخضت عنه تشير الي التوافق الديمقراطي الجمهوري للمعالجة الشاملة بمــــــا يخدم مصالح الطرفين دون النظر بالمصلحة العراقية، ودون الاعتراف بان شن الحرب علي العراق هو الجريمة الاولي التي يجب التوقــف عندها ومن ثم محاسبة المسببين لها وتعويض المتضررين بما يمكن ان يعيد للعراق وضعه الطبيعي!

فاللجنة من حيث الانتماء الحزبي لاعضائها وطبيعة مهمتها كانت حلا توافقيا نصح به حكماء واشنطن وعرافوها، وحدث ذلك قبيل الانتخابات النيابية الامريكية الاخيرة، نتيجة للانكسارات المتتالية في معارك القوات المحتلة مع المقاومة العراقية وفشل المشروع الامريكي في العراق، والارتفاع الفلكي لتكاليف الحرب الي ما يزيد عن الترليون دولار، والافتضاح كذب كل المبررات المعلنة لشن تلك الحرب غير الشرعية، وارتفاع الاصوات المطالبة بارجاع تلك القوات من العراق الي امريكا ذاتها، حيث لا مبرر لاستمرارها في خوض حرب غير مقنعة الاهداف والنتائج، وما ترتب علي ذلك من انحدار لشعبية بوش وادارته، ومن ثم توقع الحزب الجمهوري لخسارة كبيرة في الانتخابات، نتيجة للاستثمار الديمقراطي الناجح لورطة الادارة الجمهورية، هذا كله جعل الجمهوريين ينزلون من برجهم ويستجيبون مناصفة لمطالب الديمقراطيين المزايدة علي الجمهوريين خاصة بعد ان تم لهم نصر انتخابي مريح في مجلسي الكونغرس، وهم يشرعون نحـــــو طريق انتـــــزاع كرسي الادارة في البيت الابيض مستخدمين فشل بوش وادارته في العراق سلاحا فعالا علي هذا الطــــريق الذي سيســـتغرق عامين ونيف!

خطة لخارطة طريق الخلاص من العراق!:79 وصية مشتركة جمهورية ـ ديمقراطية ترسم الطريق للسياسة الامريكية المقبلة للعراق وجواره حتي اذا تم فوز الديمقراطيين بمنصب الرئاسة فان هذه التفاهمات صالحة لحكم الديمقراطيين ايضا، ولكنها ستكون بطعم مغلف بالمرونة وسعة البال والاعتماد علي وسائل الحرب الاخري اي الوسائل غير المباشرة، كالحصار ووسائل الضغط السياسي والاقتصادي!

كانت اقالة رامسفيلد وبولتون عربونا لهذه التفاهمات وضمانة لها، ثم تم تتويجها بالوصايا التي تحدد الاطر العامة للسياسة المقبلة مأخوذا بنظر الاعتبار عامل الوقت، حيث منح بوش عامين كاملين ليرتب اوراقه بما لا يورط امريكا بمزيد من المنزلقات، فكان تعيين روبرت غيتس وزيرا جديدا للدفاع هو ايضا بتوافق مع الديمقراطيين، وقد تعهد في معرض اجابته علي اسئلة لجنة الدفاع في الكونغرس علي انهاء التواجد الامريكي في العراق بسلاسة لا تسمح بالمزيد من الخسائر الكبيرة اضافة الي سقفها الزمني المحدد بعام 2008! لقد اقرت الوصايا ان الوضع في العراق خطير ومتدهور وان سياسة بوش غير قابلة للتنفيذ والكلفة متزايدة، وهي توجه السهام لاكثر من اتجاه ففي الوقت الذي تشدد فيه علي الحكومة العراقية بضرورة تبني سياسة مجدية ولا تثير الخلافات الداخلية تهددها ايضا بوقف الدعم عنها ان استسهلت ما هي عليه، وهذا يعني وحسب الوصايا تغيير مهمة القوات الامريكية بما يتيح سحبها بطريقة مسؤولة، بعد ان تكون قد انجزت مهمة اعداد قوات عراقية مناسبة بولاء عسكري غير طائفي او عرقي لسد الفراغ الذي ستتركه القوات الامريكية!

ثم توجه الوصايا سهامها الي ايران وسورية لتكونا جزءا من الحل وليس المشكلة، وحتي تكتمل معالم رفد الحل باكثر من جهد مساعد تنصح الوصايا بحل مرض للمشكلة الفلسطينية والسعي لانجاز سلام شامل بين العرب واسرائيل، هذا كله سيعطي بدوره زخما مشجعا لانغماس عربي واسع للمساهمة بانجاح التوجه الامريكي في العراق!

ان الاقرار بترابط الازمات والمسارات في الشرق الاوسط هو واقع تقره الوصايا لكن هذه الحقيقة تتذكرها امريكا متي ما احتاجت لها وتنساها عندما لا تجد فيها منفعة تخصها!

هيلاري كلينتون تستعد لمرحلة ما بعد الوصايا!

بالمختصر المفيد الوصايا توصي بضرورة بقاء نتائج الاحتلال كما هي مع بعض الرتوش غير الاساسية مقابل سحب تدريجي متزامن لعملية تاهيل للقوات العراقية طبعا بولاء امريكي فهو يقدم نفسه كحالة مطلوبة يتم التجاوز من خلالها علي الطائفية والعرقية التي تفور ملامحها في العراق كواحدة من نتائج تحطيمه للحمة الدولة العراقية ونهج اتباعه الاستقطاعيين والفدراليين، انهم يتعاملون من منظار الاندثار التدريجي للهوية العراقية باعتبارها جزءا من ارث النظام السابق! وحتي وصول رئيس جديد للولايات المتحدة الامريكية ستكون سياسة الخطوة خطوة قد اكملت وانجزت المطلوب منها، ومن المتوقع ان تكون كلينتون الزوجة هي من يتسلم ملف العراق بنعومة اكثر في حقبة ما بعد الوصايا حقبة ما بعد بوش!

اللقاء الاخير بين بوش وبلير ونتائجه تؤكد ما ذهبنا اليه من الوصايا بسهامها المتعددة هي خارطة للسياسة القادمة ازاء العراق وما حوله.

الوصايا لا تلبي الاهداف الاساسية للمقاومة العراقية ولا تستجيب للحقوق المشروعة للشعب العراقي بحقه الفوري في استرداد سيادته واستقلاله وتعويضه عن الاضرار الكارثية التي اصابته بسبب هذه الحرب وما تلاها من احتلال غاشم وتداعيات تقسيمية، لكنها بنفس الوقت تعترف بما تقوله المقاومة، وتقر بانها السبب الاول لفشل مشروعها الاحتلالي دون ان تسميها!

ان محاولة الوصايا الالتفاف علي المشكلة الحقيقية لتبرئة ساحة امريكا من اي تبعات مستقبلية، ومن ثم الاستجابة لبعض المطالب كالاعلان عن موعد محدد زمنيا للانسحاب دون جدولته، والتملص من تعهدات اعمار العراق او اي دور للامم المتحدة للاشراف علي الترتيبات الامريكية قبل انسحابها واستبعاد اي دور اممي في العراق وخاصة بعد دعوة كوفي عنان لعقد مؤتمر دولي بشانه تحضره كل فئات وقوي الشعب العراقي السياسية بما فيها المقاومة، يعني استمرار الانفراد الامريكي بمعالجة الموضوع العراقي وبذات الطريقة التي اعتمدت علي تسليط من يواليها وبكل الطرق لحكم العراق!

المقاومة العراقية المســــنودة من قوي شعبنا الرافضة والممانعة للحل الامريكي الذي يريد استبقاء تداعياته والتحكم بها عن بعد تقليلا لخسائره، سوف لن تحميه وصايا سياسيه بل ستصعد حميتها وتشد عليه لتجعله يعيد كتابـــــة وصيتة المفقودة والمتعلقة بالانسحاب المبكر ودون شروط مع الاقرار بمبدأ التعويضات، وما خاب الرجاء بمن عجل في اعتراف الخصم بالهزيمة غير المعلنة!

كاتب من العراق8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية