يحيل الوعي الفنيّ عند الكاتب إلى الحمولة التناصيّة التي اشتغل عليها بحرص شديد، واجتهاد جماليّ لافت، فبنظرة فاحصة، متأملة جسدَ المحكي، ستنكشف العملية التفاعلية الخلاقة لنصوص غائبة كثيرة، بعضها مكتوب، وبعضها مسموع، وبعضها مرئي… غير أن الرواية لا تنقل نصوصا بحذافيرها (التناص الخطي)، ولا تسعى إلى ذلك إطلاقا، بل يتم عجن المادة بشكل جديد، وقالب محوّر، بأسلوب يوحي بأنّ التفاعل تمّ على مستوى المخيلة، بعد الاشتغال عليه، ومدّه بالمتجدد، وتحيينه، من خلال إقحام بدائل جديدة، وتضمين أسئلة راهنة (التناص الواعي والخلاق)، وقد عمد الروائيّ، حرصا على الشفافية، إلى إيراد عدد كبير من المصادر والمراجع في نهاية الرواية، مثلما قدم شكره لكل م ساعده، من قريب أو من بعيد، في إثراء العمل، وإسناده بكل ما هو مفيد، حتى استقام في هذه الحلة.
يستثمر الروائي وليد علاء الدين متراكمه القرائي الروائي، خالقا معه نوعا من السجال على مستوى الفكرة، والتصور، والتقنية، وكأنه يراجع هذه الأعمال، ويناقشها نقديا عبر استحضار تجارب روائية تناولت الموضوع نفسه، أو أحالت عليه ضمنيا، وبالأخصّ الأعمال التي اتّخذت من شخصية كيميا، وشخصية مولانا «جلال الدين الرومي» محورين يرتكز حولهما فعل السّرد، ورؤية التشكّل، والرّؤية للعالم، وأعني بالذكر رواية «قواعد العشق الأربعون»، للروائية التركيَّة إليف شفاق، التي استحضرتْ شخصية «كيميا» المعروفة باسم «بنت مولانا»، باعتبارها شخصية هامشية ارتبطت بشخصية «شمس الدين التبريزي» الصديق الحميم لمولانا جلال، ثم الروائية البريطانية مورل مفروي التي استلهمت شخصية «كيميا» هي الأخرى، جاعلة منها محور السرد في روايتها «بنت مولانا»، بنظرة مختلفة عن الاستثمار السابق، غير أن وليد علاء الدين، من خلال اطلاعه على الروايتين معا، ومعايشته المتواصلة لمصادر، ومراجع المادة الصوفية الثرة، لاحظ وجود فجوات إنسانية وتقنية في البناءين، بدون أن يقلل من قيمتهما، لوعيه أن توظيف موروث رمزي، أو عنصر تراثي، أو شخصية تاريخية ينبثق عن تصور استراتيجي خلاق، ورؤية للعالم، ونسق فكري يندرج ضمن سيرورة تركيبية؛ يصعب عزلها عن نشاطات متداخلة في وعي الكاتب، لا تنفصل عن السياقات الإنسانية الآنية، وطبيعة انخراطه فيها، وتفكيره فيها، لذلك، فاستثمار الموروث الإنساني الصوفي هنا، سواء تعلق بشخصية «كيميا» أو باقي الشخصيات الصوفية المتضمنة في العمل الروائي، يخدم رسالة فنية، وخطابا فكريا واعيا، يعيد قراءة تصورنا حول المكتوب والمفكر فيه، ويراجع طبيعة تلقينا للمادة المعطاة سلفا، بدون إعمال العقل والمنطق، وبدون غربلة المقروء من الشوائب، والمفارقات، والنشاز، انسجاما مع أطروحة نقض الرؤية المطمئنة للمعطى، والتسليم الكسول بصحتها وواقعيتها، مع أن التنافر الصارخ يشوب كثيرا من مفاصل المعطيات، والبيانات التي تعرض علينا، يقول الراوي في «كيميا»: «عاطفتي تجاه كيميا مستمدة من كتابات أدبية. الروائيون كعادتهم يزيفون التاريخ ويتلاعبون بمشاعرنا تجاهه. لذا دعني أشاركك مصادري. شرارة اهتمامي بهذه المخلوقة المسكينة كانت في رواية «بنت مولانا» التي كتبتها الإنكليزية مورل مفروي – قبل سنوات من رواية التركية أليف شافاق «قواعد العشق الأربعون »- أخبرتَني أنك قرأت الأخيرة. كيميا عند شافاق شخصية ثانوية لا قيمة لها في ذاتها. عاملَتها كما عاملها جلال الدين؛ أداة لاستكمال الدراما. ادّعت أنها وقعت في حب شمس.
سعت كيميا بنفسها إلى جلال الدين وفاتحته في أمر الزواج! الرومي – الذي لم يكن يعرف أن جوهر خاتون باحت بسرّه – ظن في البداية أن كيميا راغبة في الزواج بعلاء الدين لأنه طلب الزواج بها من قبل.
ولكي تبرر عشق طفلة لرجل جاوز الستين، ماذا فعلتْ؟ صورت التبريزي رجلا «يجمع بين السحر والعذوبة، يمنحه شَعرهُ الكثيف المتهدل فوق عينيه وسمرة بشرته وسواد عينيه جاذبية تضاف إلى جاذبية نظرته الغامضة»، نظرة نسوية سخيفة وخيالية للمتصوف الأسطوري، مهدت لانجذاب كيميا إليه «كما تنجذب الفراشة إلى النور»! ولمزيد من البهارات جعلت شافاق «جوهر خاتون»، زوجة الرومي المتوفاة، روحًا تتجلى لكيميا وتحادثها. هي من أخبرَتها أن الرومي يتساءل إن كانت ترغب في الزواج بشمس؛ لأنه يخشى أن يغادر هذه المرة بلا عودة. وعليه، سعت كيميا بنفسها إلى جلال الدين وفاتحته في أمر الزواج! الرومي – الذي لم يكن يعرف أن جوهر خاتون باحت بسرّه – ظن في البداية أن كيميا راغبة في الزواج بعلاء الدين لأنه طلب الزواج بها من قبل. إلا أن «العاشقة الصغيرة» تفاجئه برغبتها في الزواج بشمس، الذي وصفته بأنه «قدرها». بل الأكثر من ذلك، يورد السارد مقاطع نقدية يتأمل فيه شخصيا، مضمون الروايات، ويساجل أصحابها، منتقدا أسلوب تعاطيهم مع الشخصيات، مراهنا على تجديد النظر في أطروحاتها. وهذا نموذج من السجال التناصي الذي يستضمره النص: «يؤسفني أن حظ كيميا في المصادر الفارسية المعاصرة لم يكن أفضل من حظها الشعبي!غابت كيميا يا صديقي عن المصادر كافة تقريبًا، ما عدا رواية كريم زماني المعروف بـ«مولوي شناس»، وهو لقبٌ يُطلَق على من يتخصص في دراسة شخصيةٍ والكتابة عنها، كما يقال في العربية «اختصاصي أو مختص في مولانا». وزماني مترجم ومفسر للقرآن، انشغل بشرح كتب جلال الدين الرومي كالمثنوي المعنوي، وكتاب «فيه ما فيه»، وغزليات ديوان شمس. له رأي لافت حول «كيميا خاتون» وردَ ضمن مدونته الإلكترونية ردّا على زائر سأله توضيح قصة شمس وكيميا. كانت إجابته كالتالي، أنقلها لك من الفارسية بتصرفات طفيفة لضمان وصول المعنى: الروايات التي تتعلق بحياة شمس وكيميا خاتون تخرج من مصدرين أصليين؛ الأول رسالة فريدون بن أحمد المعروف بـ«سبهسالار»؛ والآخر «مناقب العارفين» لشمس الدين أفلاكي. رسالة سبهسالار قصيرة، وهو من المقربين من مولانا. شهد أكثر الوقائع بنفسه، ما نقله عن كيميا خاتون لا يتجاوز الأسطر الستة، تحكي عن تقدم شمس للزواج بها، ثم زواجه بها ومجاورته لمولانا، ولا تتطرق أبدًا لا لموتها، ولا لحب علاء الدين لها).
من سمات رواية (كيميا) أيضا، التعدد والانفتاح، فمن جهة، تتعدد اللغات والخطابات في نص (كيميا)، حيث نجد تجاور الملفوظات المختلفة التي تنم عن حس إنساني شمولي، واستبطان معرفي عميق بالخصوصيات، والثقافات المتنوعة، والوعي بأهمية التعايش والتداخل والتضامن ضد الفوارق، والحساسيات المفرطة بالانتماءات المغلقة التي تسدّ الآفاق، انسجاما مع رؤية ديالوجية باختينية، تعمل على تهجين الخطاب، وتنويعه، وإغنائه بالمقولات الدالة على تفاعل الأنماط، والأنواع، وتحاورها، داخل نطاق المكتوب، ومن نماذج تداخل اللغات:
– (رحت أردد: just give me minutes)
-»التفتُّ إليه عندما لمحتُ صورته تتحرك صوبي في المرآة: «أنا كنت باحلم» بالمصرية خاطبته، فهز رأسه في حيرة».
– «دققتُ النظر في المرآة، ثلاث عبارات كُتبت بخط جميل متراقص على زجاجها المضبب: «سَن وليد علاء الدين سِن، بَن علاء الدين وَلد تر، سَن بِنم ترستر».
– «استمر هذا الغضب خلال حوارنا القصير جدًّا، قال:Aya Sofia Cami قلت ظنًّا أنه لم ينتبه Aya Sofia Church قال بحدة: «Cami .. Cami» وانتهى الحوار».
ومن جهة أخرى، نصطدم بتعدد خطابات لا حصر لها داخل هذا النص الروائي، وكل منها يؤدي وظيفته الدلالية والجمالية بدون أن يخلق ذلك، نشازا ما في المتن، إيمانا من الكاتب بخصوصية النوع الروائي الذي لا يتألق إلا داخل هذا التنوع، والتمازج والتوازي والتفاعلات بين أنماط بشرية ولسانية وسلوكية، وسيميائية واجتماعية وقيمية. ونجد من بين الخطابات المتضمنة، كما سبقت الإشارة لذلك، الشعر الصوفي، المقالة التحليلية، التأمل الفلسفي، الوصف، الترسل، النقد الأدبي، التشكيل البصري (التنويع بين الخطوط، وشكل الكتابة، وتوزيع البياض داخل الورقة)، خطاب الرحلة، خطاب اليوميات والمذكرات، الميديا، شخصيات روائية، شخصيات تاريخية، شخصيات صوفية، أبيات شعرية صوفية، مفردات عرفانية، مفردات سيكولوجية، مناصات… وغير ذلك من الخطابات المستضمرة نصيا، والتي لا يتحرج الروائي – الباحث عن التصريح بها داخل المتن أو خارجه (في حوارات صحافية مثلا) ، هادما الحدود بين الأنواع؛ بما لا يلغي الخصوصية، وجاعلا من الأنماط عناصر متآزرة في سبيل إبلاغ الرسالة النصية، ومعتمدا في الآن نفسه، منظورا تناصيا مجددا، يعجن المادة، ثم يعيد تركيبها بوعي دقيق يستحضر التاريخ، والواقع، ويجعل اسمنتَها الخيالَ الخلاقَ، مفككا الرؤية الفلسفية للتصوف؛ القائمة على السلطوية والأنانية، ومنطق التناقض والتحايل على روح القيم الإنسانية.
٭ ناقد وروائي مغربي