النص الكامل لوثيقة حيفا: حول حق العودة ودولة ثنائية القومية ومنح فلسطينيي الـ48 الحكم الذاتي:
المصالحةُ تتطلب الاعترافَ بحقّ العودة وَفقًا للقرار 194 وإنهاءَ الاحتلال، وإزالةَ المستوطنات من اراضي 1967ممارسات عنصرية ضد اهلنا والنكبة حولتنا من مواطنين اصلاء الي سكان بدون هوية قومية وبلا مساواةالنص الكامل لوثيقة حيفا: حول حق العودة ودولة ثنائية القومية ومنح فلسطينيي الـ48 الحكم الذاتي: اعداد: زهير اندراوس بعد أكثر من خمسين عاما علي النكبة الفلسطينية، قامت مجموعة من المثقفين الأكاديميين والناشطين الفلسطينيين، من مجالات مختلفة والتي تحمل وجهات نظر سياسية مختلفة، بالمبادرة الي نص وثيقة توافقية تشمل رؤية جماعية حول تصور الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل لوضعهم الجماعي. هذه الوثيقة، المعروفة بـوثيقة حيفا، هي مشروع بدأ عام 2002 تحت رعاية مدي الكرمل ـ المركز العربي للدراسات الاجتماعية التطبيقية ، في مدينة حيفا. وجاء في الوثيقة: مواطنتنا وعلاقتنا بدولة إسرائيل تتحددان، بقدر كبير، بحدث مؤسِس هو النكبة، وهو الحدث الذي حولنا إثره (نحن البقية الباقية من أصحاب الوطن الأصليين) الي مواطنين بدون مقومات حقيقية للمواطَنة، وعلي وجه الخصوص بدون مساواة. ولكوننا اقلية وطن هجر شعبها عن وطنه، ويعاني من الغبن التاريخي، فإن مبدأ المساواة (الذي يشكل أساس المواطنة الديمقراطية) يجب أن يعتمد العدل وتصحيح الغبن، والاعتراف بروايتنا وتاريخنا في هذا الوطن. هذه المواطَنة الديمقراطية، التي نبتغيها، هي الإطار الوحيد الذي يضمن المساواة الفرديّة والجماعيةَ للفلسطينيين في إسرائيل. إننا نري أن السياسات التي تطالبنا بـالخدمة المدنية، والخطوات التي قد تقود الي الانخراط بما له صلة بالعسكرة الإسرائيلية وتقاسم غنائم الحروب، تتعارض في حالتنا مع مبدأ المساواة، ذلك أنّها تشوه هويتنا وتتجاهل الغبن التاريخي. نحن نتطلع الي مستقبل تتحقق فيه المصالحة بين الشعب اليهودي الإسرائيلي والشعب العربي الفلسطيني. هذه المصالحةُ تتطلب اعتراف دولة إسرائيل بالغبن التاريخي الذي أوقعته بالشعب الفلسطيني جراء قيامها، وبمسؤوليتها عن النكبة التي حلت بجميع فئات شعبنا الفلسطيني، وعن جرائم الحرب وجرائم الاحتلال التي تقترفها في الأراضي المحتلّة. كذلك تتطلب المصالحة الاعتراف بحق العودة والعمل علي تطبيقه وفقا لقرار الأمم المتحدة 194، وإنهاء الاحتلال، وإزالةَ المستوطنات من جميع الأراضي العربية المحتلة منذ العام 1967، والاعترافَ بحق شعبنا الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المســـتقلة وذات السيادة، وبحقوق المواطنين الفلسطـــينيين في إســـرائيل المستندة الي كونهم أقلية وطن. حل الدولة الديمقراطيةوتابعت الوثيقة: إن حل الدولة الديمقراطية المؤسسة علي المساواة بين المجموعتين القوميتين (اليهود الإسرائيليين والعرب الفلسطينيين في إسرائيل) هو الحل الذي يضمن حقوق المجموعتين علي نحو عادل ومتساو. ويحتم ذلك تغيير المبني الدستوري، وتغيير تعريف دولة إسرائيل من دولة يهودية الي دولة ديمقراطيّة تتأسس علي المساواة القومية والمدنية بين المجموعتين القوميتين وإرساء أسس العدالة والمساواة بين كافّة مواطنيها وسكانها، وتأمين حق الفيتو في جميع الأمور التي تمس بمكانة وحقوق المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، وضمان حقّهم في إدارة ثقافيّة مستقلة، تكفل حقّهم في وضع سياسات شؤونهم الثقافية والتعليمية وإدارتها وصياغة مضامينها، وتوزيع الموارد وفقا لمبادئ العدل التوزيعي والتصحيحي. هذه المبادئ تكفل حق تقرير مصيرنا كأقلية وطن. وخلصت الوثيقة الي القول: نحن واثقون أنه في مثل هذه الدولة الديمقراطية تزداد مسؤولية المواطنين والسكان كافّة (يهودا وعربا وآخرين) للعمل علي بناء مجتمع ديمقراطي متعدد الثقافات، يضمن المساواة للأفراد والجماعات، ويضمن العدالة والحقوق الاجتماعية ـ الاقتصادية، لا سيما حقوق العاملين والحق في التعليم والصحة والضمانات الاجتماعية، وتلغي فيه كل أشكال التمييز. نحن نؤمن أن استيفاء كل شروط المصالحة التاريخية بين الشعبين (اليهودي الإسرائيلي والعربيّ الفلسطيني) التي توجب الاعتراف بحق شعبنا الفلسطيني في تقرير مصيره، وإحقاق حقوق الفلسطينيين في إسرائيل كأقلية وطن، سوف يخلق ظروفا سياسية تمكن من بناء الثقة والتعاون والاحترام المتبادل بين الدولتين المستقلتين والديمقراطيتين: الدولة الفلسطينيّة ودولة إسرائيل. كما نأمل أن يفتح آفاقا جديدة نحو بناء اتفاقيات ومعاهدات اقتصادية وعلمية وثقافية بينهما، تضمن لكافة مواطني وسكان الدولتين، حرية الحركة والتنقل والسكن والعمل في كل منهما. وفيما يلي النص الكامل والحرفي للوثيقة:نحنُ، أَبناء وبنات الشعب العربيّ الفلسطينيّ، الباقين في وطننا رغم النكبة، والذين تحوّلنا قسرًا إلي أقليّة في دولة إسرائيل بعد أن أقيمت سنة1948 علي الجزء الأكبر من الوطن الفلسطينيّ، نؤكّد في هذه الوثيقة علي أسس هُويّتنا وانتمائنا ونصوغ رؤيانا لمستقبلنا الجماعيّ، رؤيا تعبّر عن همومنا وطموحاتنا وتؤسّس لحوارٍ صريحٍ مع الذاتِ ومع الآخر. كما نعرض فيها قراءَتنا، نحن، لتاريخنا وتصوّرنا لمواطنتنا، ولعلاقتنا بسائر أجزاء شعبنا الفلسطينيّ، وبأمّتنا العربيّة، وبدولة إسرائيل، ونقدّم رؤيانا لتحقيق العيش بكرامة في وطننا، وبناء مجتمع ديمقراطيّ قائم علي أسس العدل والحرّية والمساواة والاحترام المتبادل بين العرب الفلسطينيّين واليهود في إسرائيل، ونقدّم تصوّرنا لشروط المصالحة التاريخيّة، وللمستقبل الذي نصبو إليه في العلاقة بين الشعب الفلسطينيّ والشعب اليهوديّ الإسرائيليّ. مقومات هويتناتقوم هُوّيتنا الوطنيّة علي القيم والحضارة الإنسانيّة، وعلي اللغة والثقافة العربيّتين، وعلي الذاكرة الجماعيّة المستمدّة من تاريخنا الفلسطينيّ والعربيّ والحضارتين، العربيّة والإسلاميّة، وتتنامي عبر التواصل الحيّ والتفاعل مع هذه المقوّمات، وتتغذّي باستمرار من علاقتنا المتواصلة بأرضنا ووطننا، ومن تجربة نضالنا المستمرّ والمتصاعد لتأكيد حقّنا في البقاء فيهما والحفاظ عليهما، ومن تواصلنا مع سائر أبناء وبنات شعبنا الفلسطينيّ وأمّتنا العربيّة. ورغم انتكاس مشروعنا الوطنــــيّ وانقطاعنا الجزئيّ، منذ النكبة، عن سائر أبناء شعـــــبنا الفلسطينيّ وأمّتنا العربيّة، ورغم محاولات تجهــــيلنا بتاريخنا الفلسطينيّ والعربيّ، وشرذمتنا إلي مجموعات طائفــــيّة، واختزال هُويّتنا إلي هُويّة عربيّة إسرائيليّة مُشـــــوَّهة، فإنّنا لم نَأْلُ جهدًا في الحفاظ علي هُويّتنا الفلســـــطينيّة وكرامتنا الوطنيّة، وفي تعزيزهما. وفي هذا، نجدّدُ تمسّكنا بانتمائنا إلي وطننا وشعبنا الفلسطينيّ وأمّتنا العربيّة، لغةً وتاريخًا وحضارةً، ونؤكّدُ علي حقِّنا في البقاء في وطننا والحفاظ عليه.تواصُلنا مع سائر أجزاء شعبنا الفلسطينيّ وأمّتنا العـــــربيّة هو تواصـــــلٌ مع فضائنا الطبيعيّ الذي حُرِمنا منه إثر النكـــــبة، وهو تجسيد للذات المتكاملة. إنّه حاجة إنسانيّة وحقّ طبيعيّ وإنسانيّ للأفراد والجماعات، غـــــير مشروط بوجود اتّفاقيّات سياسيّة بين الدول، تَضْمنه المواثيقُ الدوليّة المتعـــلّقة بحقوق الإنسان. نحنُ نصبو إلي تجسيد تواصلنا الفلسطينيّ والعربيّ علي مختلف الصُّعُد، ومن ضمن ذلك التواصل بين أبناء العائلة الواحدة والأهل والأصدقاء، والتواصل الحرّ مع مراكز الثقافة والفكر في العالم العربيّ. كما نصبو إلي تعميق التواصل وتوسيعه علي الصُّعُد السياسيّة والاقتصاديّة والمؤسّساتيّة. احتفاء بمقاومتنانحنُ ننظر باعتزازٍ إلي العديد من المحطّات المشْرقة في مسيرتنا الجماعيّة التي عزّزت هُويّتنا، ونثمّن دور النشاط السياسيّ والأهليّ والثقافيّ المستمرّ، الرامي إلي التمسّك بالأرض والوطن والحفاظ علي مجمل عناصر هُويّتنا القوميّة وتدعيمها. كما ننظر باعتزازٍ إلي مقاومة شعبنا وقياداته الوطنيّة للحكم العسكريّ، وإلي ما أبدعَه أبناؤه وبناته من فكرٍ وثقافةٍ أسهما في صيانة هُويّتنا وإثرائها، وإلي ما صنعوه من أيّام وطنيّة مجيدة – أبرزها يوم الأرض في آذار/مارس 1976 ويوم القدس والأقصي في تشرين الأوّل/أكتوبر 2000 – ومن محطّات تاريخيّة في مسيرة تنظيمنا الذاتيّ، أبرزها إقامة لجنة المتابعة العليا للجماهير العربيّة في إسرائيل ولجنة الدفاع عن الأراضي واتّحاد ولجان الطلاب العرب. نحنُ نتحمّلُ مسؤوليّتنا، مجتمعًا وأفرادًا ومؤسّساتٍ فاعلةً، عن مشاكلنا الاجتماعيّة. إنّ مجتمعنا كانَ، وما زالَ، يخضعُ، إلي مدي بعيد، لِبُني اجتماعيّةٍ عائليّة وطائفيّة ومحلّيّة تحدّ من حرّيّات الأفراد. نحنُ نحترم الأواصر العائليّة، ونحترم حقّ الفرد في العبادة والإيمان والمعتقَد، شريطةَ ألاّ تُستغلّ أيّة عقيدة أو انتماء للمسّ بحرّية الفرد وكرامته وحقوقه. كما نرفض التعصّب للطائفة، وكلَّ أشكال التعصّب الأخري، التي تبلغ أحيانًا حدَّ العنف الجسديّ، والتي تعيق إمكانيّات التكافل الاجتماعيّ الأوسع وبناء الهُويّة الوطنيّة.إنّ التمسّكَ بهذه البني الاجتماعيّة، والتعصّبات التي تنتجها، سهّل علي الحكومات الإسرائيليّة استغلال الانقسامات والتوتّرات للسيطرة علي شعبنا بطرق متعدّدة، حينما حاولت سلخ فئات من مجتمعنا عبر سياسة فرّقْ تسُدْ التي عزّزت بيننا خطابَ التعصّب، الطائفيّ والقبليّ والعائليّ والجِهَويّ. كذلك فرضت إسرائيل الخدمة العسكريّة الإجباريّة علي الشبّان الدروز من أبناء شعبنا، وسَعَت إلي تجنيد أوساط أخري من شبابنا، مُستغِلّةً التوتّرات التي تنشأ أحيانًا بين قطاعات من مجتمعنا، ومُنتهجةً سياسات الإغراء بنيل الامتيازات الفرديّة. كما نصّبت ودعمت قياداتٍ مواليةً لهذه السياسات، وعملت علي إنتاج مجتمعٍ تابعٍ وغير مكترث بالصالح العامّ، وعلي إعاقة مسيرة مجتمعنا السياسيّة والثقافيّة والاقتصاديّة.علي أبناء وبنات مجتمعنا أن يُصعّدوا رفضهم لهذه الظواهر كافّة، وأن يطوّروا أساليب مقاومتهم لها، وأن يساهموا بمشروع سياسيّ واجتماعيّ يشدّد علي الهُويّة الإنسانيّة والوطنيّة لمجتمعنا، ويزيد الاحترام لقيمة العمل السياسيّ الوطنيّ، ويضع نصب عينيه بناء مرجعيّة سياسيّة قياديّة، ويعمل علي تطوير مؤسّسات مجتمعنا واقتصاده. إنّ الالتفاف حول هذا المشروع السياسيّ والاجتماعي ودعمه هما الكفيل بخلق وعي بديل وثقافة مغايرة، يمكّنان من تغيير البني الاجتماعيّة السائدة، ومن وضع معايير أخلاقيّة توجّه العمل الجماعيّ، وترشّد التعامل بين الأحزاب الوطنيّة والمؤسّسات الأهليّة والمجتمعيّة.وضع المرأةرغم تقدّم مكانة المرأة، وازدياد الوعي والحراك الجماهيريّ والنسويّ نحو مساواة المرأة، تعاني غالبيّة النساء في مجتمعنا – لا سيّما أولئك المُنتميات إلي الطبقات المُتدنّية اقتصاديًّا – اضطهادًا متعدّد المركّبات: طبقيًّا وقوميًّا واجتماعيًّا وجنوسيًّا. من واجبنا أن نعمل علي إنهاء تهميش النساء والتمييز ضدّهنّ في الحيّز الخاصّ، وفي مجالات الحيّز العامّ، وخصوصًا مجالي العمل والتعليم، ومقاومة المحاولات التي ترمي إلي سلبهنّ الحقَّ في السيادة علي ذواتهنّ. كما علينا أن نعمل بحزمٍ علي مقاومة كافّة أشكال العنف والتنكيل والاستغلال التي تُمارَس علي الكثيرات منهنّ، والتي تبلغ أحيانًا حدّ القتل، علي خلفيّة ما يُسمّي شرف العائلة . إنّ من واجبنا العمل لوقف أشكال التمييز كافّة ضدّ النساء، وحماية حقوقهنّ، معتمدينَ مبادئ المساواة والعدل والتفضيل المصحّح.لا يقتصر التمييز والاضطهاد في مجتمعنا علي النساء فحسب، بل يطالان المسنّين والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصّة، الذين يعانون من التهميش الاجتماعيّ ومن المسّ بمكانتهم وحقوقهم وكرامتهم، ما يتطلّب الدفاع عن حقوقهم وعن حقوق كلّ الفئات الاجتماعيّة التي تعاني من التمييز. وعليه، فإنّنا ندعو إلي صياغة مشروع وطنيّ تقدّميّ وديمقراطيّ، يعمل علي بناء مجتمع يقوم علي التضامن الاجتماعيّ بين أفراده كافّة، يحترم حرّيّةَ الفرد وحقَّه في الاختلافِ والتفرّد، ويعتمد علي مبادئ العدل والمساواة والتعدّديّة.التجذر في الوطنإنّ وجودَنا في وطنِنا هو امتدادٌ لتجدّدٍ تاريخيٍّ دائمٍ واكَبَ الحقبَ والأحداثَ التي عرفَها الشرقُ العربيّ، في نهوضه وانتكاسه، ويقظته وحركة تحرّره، ومواجهاته للغزو والاحتلال والاستعمار. في أواخر القرن التاسع عشر، بدأت الحركة الصهيونيّة مشروعها الكولونياليّ-الاستيطانيّ في فلسطين.ولاحقًا، قامت، بتساوق مع الاستعمار العالميّ وبتواطؤ الرجعيّة العربيّة معها، بتنفيذ مشروعها الرامي إلي احتلال وطننا وتحقيق هدفها بتحويله إلي دولةٍ لليهود. في العام 1948، سنة نكبة الشعب الفلسطينيّ، ارتكبت الحركة الصهيونيّة مجازر بحقّ أهلنا، وحوّلت غالبيّة شعبنا إلي لاجئين، وهَدمت المئات من قرانا، وهجّرت من مدنِنا أكثريّةَ أهلها. وبعد ذلك منعت دولة إسرائيل عودةَ اللاجئين الفلسطينيّين إلي وطنهم، متحدّيةً بذلك قرار الهيئة العامّة للأمم المتّحدة 194 الصادر عام 1948، وقراراتها المتتالية بهذا الخصوص. ورغم تحويلنا إلي مواطنين فيها، واصلت دولة إسرائيل، بعد قيامها، ممارسات الاقتلاع والتهجير، فهجّرت الكثيرين منّا من مدنهم وقراهم، وحوّلت الكثيرين منّا إلي لاجئين في وطننا. كما مارست تجاهنا سياسات القمع، التي بلغت أحيانًا حدَّ القتل، مثلما حدث في مجزرة كفر قاسم في تشرين الأوّل/أكتوبر 1956. وفرضت علينا الحكم العسكريّ الذي امتدّ حتّي سنة 1966، ومنعت عودة المهجَّرين إلي قراهم ومدنهم، وما زالت ترفض حتّي اليوم الاعتراف بعشرات القري العربيّة في النقب، وتمارس سياسة سلب أراضي أهلنا هناك. وسنّتْ دولة إسرائيل قوانينَ الأراضي والهجرة والمواطَنة العنصريّة وغيرها من القوانين التي سَوّغتْ سلب أراضينا، والاستيلاءَ علي أملاك اللاجئين والمهجَّرين، كما سعت إلي تشويه هويّة أبنائنا وبناتنا بمناهج تعليم تُغذّي العدميّة القوميّة، وإلي تثقيفهم بما يتناسب مع الرواية الصهيونيّة، وأشاعت في جهاز التعليم العربيّ، الذي يُشْرف عليه جهاز المخابرات، جوًّا من التخويف. كما مارست ضدّنا التمييز المُمَأْسَس في مجالات الحياة المختلفة، من مسكن وعمل وتعليم وتطوير وتوزيع للموارد.في سنة 1967، احتلّت إسرائيل قطاع غزّة والضفّة الغربيّة، بما فيها القدس الشرقيّة، إضافة إلي أراضٍ مصريّة وسوريّة. وخلال فترة احتلال الأراضي الفلسطينيّة، المستمرّ حتّي اليوم، والتي تُعتبر من أطول فترات الاحتلال منذ الحرب العالميّة الثانية، مارست إسرائيل سياسات قمع واضطهاد تفوق ما مارسه حكم الأبرتهايد في جنوب إفريقيا، فاقترفت جرائم حرب ضدّ الفلسطينيّين، وقتلت وطردت الآلاف، واغتالت القيادات، وسجنت عشرات الآلاف – كثيرون منهم بأوامر عسكريّة وإداريّة – واستخدمت وسائل التعذيب الجسديّ والنفسيّ، وهدمت الآلاف من البيوت. كما مارست إسرائيل، خارقةً بذلك القانون الإنسانيّ الدوليّ، سياسة العقاب الجماعيّ مثل الحصارات العسكريّة وحظر التجوّل علي المدن والقري، فقطّعتْ أوصالَ الأراضي المحتلّة بمئات الحواجز، وقيّدت حرّيّة التنقّل بين المدن والقري والمخيّمات الفلسطينيّة، وصادرت الأراضي واقتلعت الأشجار ودمّرت البساتين وقطّعت أوصال العائلات، وسَنّت قوانينَ عسكريّة عنصريّة تمنع لَمَّ الشمل، وحرمت سكّانًا في القدس العربيّة المحتلّة من حقّ الإقامة في مدينتهم. كما استغّلت إسرائيل الموارد الفلسطينيّة الخاصّة والعامّة – كالأراضي والمياه – لغرض بناء المستوطنات وإنشاء الشوارع، لتكون في خدمة المستوطِنين اليهود، وأقامت جدار الفصل العنصريّ الذي قسّم القري وشتّت العائلات داخل الضفّة الغربيّة والقدس العربيّة. هذه السياسات والممارسات الإسرائيليّة في الأراضي المحتلّة تَطالُ ذاتَ كلِّ فردٍ فلسطينيّ في حرّيّته وكرامته، وتمسّ بقدر بالغٍ بحقوقه الأساسيّة. مواطَنتُنا وعلاقتنا بدولة إسرائيل تتحدّدان، بقدر كبير، بحدث مُؤسِّس هو النكبة، وهو الحدث الذي حُوّلنا إثْرَه – نحن البقيّة الباقية من أصحاب الوطن الأصليّين – إلي مواطنين بدون مقوّمات حقيقيّة للمواطَنة، وعلي وجه الخصوص بدون مساواة. ولكوننا أقلّيّةَ وطنٍ هُجِّر شعبها عن وطنه، ويعاني من الغبن التاريخيّ، فإنّ مبدأ المساواة – الذي يشكّل أساسَ المواطَنة الديمقراطيّة – يجب أن يعتمد العدل وتصحيح الغبن، والاعتراف بروايتنا وتاريخنا في هذا الوطن. هذه المواطَنة الديمقراطيّة، التي نبتغيها، هي الإطار الوحيد الذي يضمن المساواة الفرديّةَ والجماعيّةَ للفلسطينيّين في إسرائيل. إنّنا نري أنّ السياسات التي تطالبنا بـ الخدمة المدنيّة ، والخطوات التي قد تقود إلي الانخراط بما له صلة بالعسكرة الإسرائيليّة وتقاسُم غنائم الحروب، تتعارض في حالتنا مع مبدأ المساواة، ذلك أنّها تشوّه هُويّتنا وتتجاهل الغبن التاريخيّ. مستقبل افضلنحنُ نتطلّع إلي مستقبل تتحقّق فيه المصالحة بين الشعب اليهوديّ الإسرائيليّ والشعب العربيّ الفلسطينيّ. هذه المصالحةُ تتطلّب اعتراف دولة إسرائيل بالغبن التاريخيّ الذي أوقعته بالشعب الفلسطينيّ جرّاء قيامها، وبمسؤوليّتها عن النكبة التي حلّت بجميع فئات شعبنا الفلسطينيّ، وعن جرائم الحرب وجرائم الاحتلال التي تقترفها في الأراضي المحتلّة. كذلك تتطلّب المصالحةُ الاعترافَ بحقّ العودة والعملَ علي تطبيقه وَفقًا لقرار الأمم المتّحدة 194، وإنهاءَ الاحتلال، وإزالةَ المستوطنات من جميع الأراضي العربيّة المحتلّة منذ العام 1967، والاعترافَ بحقّ شعبنا الفلسطينيّ في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلّة وذات السيادة، وبحقوق المواطنين الفلسطينيّين في إسرائيل المستندة إلي كونهم أقلّيّة وطن. كما أنّ هذه المصالحة التاريخيّة بين الشعبين تندرج في إطار تغيير شامل للسياسة الإسرائيليّة، بحيث تكفّ إسرائيل عن القيام بدَوْرها الهدّام تجاه شعوب المنطقة، وبخاصّة في إطار سياسة الهيمنة الأمريكيّة التي تُؤازر أنظمة عربيّة في قمع مواطنيها، وسلب مواردها، وإعاقة تطوّرها، وعرقلة العمليّة الديمقراطيّة في العالم العربيّ.وتتطلّبُ منّا هذه المصالحة التاريخيّة، نحن الفلسطينيّين والعرب، الاعترافَ بحقّ الشعب اليهوديّ الإسرائيليّ بتقرير مصيره، والعيش مع الشعب الفلسطينيّ وسائر شعوب المنطقة بسلامٍ وكرامةٍ وأمان.نحن نعي تاريخ اليهود المأسويّ في أوروبا، والذي بلغ ذروته في إحدي أفظع الجرائم الإنسانيّة، وهي المحرقة التي أحلّتها النازيّة باليهود، ونعي المآسي التي عاشها الناجون منها. نحن نتعاطف مع ضحايا المحرقة، مَن أُبيد ومَن نجا.إننّا نري أنّ تسخير الكارثة ونتائجها لشَرْعَنة حَقّ اليهود في إقامة دولتهم، علي حساب الشعب الفلسطينيّ، يختزل قيمة العبر الكونيّة – الإنسانيّة والأخلاقيّة – من هذا الحدث الكارثيّ، والتي تخصّ البشريّة جمعاء.إنّ حلّ الدولة الديمقراطيّة المؤسَّسة علي المساواة بين المجموعتين القوميّتين – اليهود الإسرائيليّين والعرب الفلسطينيّين في إسرائيل – هو الحلّ الذي يضمن حقوق المجموعتين علي نحو عادلٍ ومتساوٍ. ويحتّم ذلك تغييرَ المبني الدستوريّ، وتغييرَ تعريف دولة إسرائيل من دولة يهوديّة إلي دولة ديمقراطيّة تتأسّس علي المساواة القوميّة والمدنيّة بين المجموعتين القوميّتين وإرساء أسس العدالة والمساواة بين كافّة مواطنيها وسكّانها. ويعني ذلك فعليًّا إلغاءَ جميع القوانين التي تُميّز، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، علي أساس قوميّ أو إثنيّ أو دينيّ، وعلي رأسها قوانين الهجرة والمواطَنة، وسنّ قوانين ترتكز علي مبادئ العدل والمساواة ومنع التمييز، وتطبيق المساواة بين اللغتين العربيّة والعبريّة كلغتين رسميّتين متساويتَي المكانة في البلاد، وتأمين مبدأ التعدّديّة الثقافيّة لجميع المجموعات، والمشاركة الفعليّة للأقلّيّة الفلسطينيّة في الحكم وفي اتّخاذ القرارات، وتأمين حقّ الفيتو في جميع الأمور التي تمسّ بمكانة وحقوق المواطنين الفلسطينيّين في إسرائيل، وضمان حقّهم في إدارة ثقافيّة مستقلّة، تكفل حقّهم في وضع سياسات شؤونهم الثقافيّة والتعليميّة وإدارتها وصياغة مضامينها، وتوزيع الموارد وَفقًا لمبادئ العدل التوزيعيّ والتصحيحيّ. هذه المبادئ تكــفل حقّ تقرير مصيرنا كأقلّيّة وطن. نحن واثقون أنّه في مثل هذه الدولة الديمقراطيّة تزداد مسؤوليّة المواطنين والسكّان كافّةً ـ يهودَ وعربًا وآخرين ـ للعمل علي بناء مجتمع ديمقراطيّ متعدّد الثقافات، يضمن المساواة للأفراد والجماعات، ويضمن العدالة والحقوق الاجتماعيّة-الاقتصاديّة، لا سيّما حقوق العاملين والحقّ في التعليم والصحّة والضمانات الاجتماعيّة، وتُلغي فيه كلّ أشكال التمييز. نحنُ نؤمن أنّ استيفاء كلّ شروط المصالحة التاريخية بين الشعبين ـ اليهوديّ الإسرائيليّ والعربيّ الفلسطينيّ – التي توجِبُ الاعترافَ بحقّ شعبنا الفلسطينيّ في تقرير مصيره، وإحقاقَ حقوق الفلسطينيّين في إسرائيل كأقلّيّة وطن، سوف يخلق ظروفًا سياسيّة تمكّن من بناء الثقة والتعاون والاحترام المتبادل بين الدولتين المستقلّتين والديمقراطيّتين: الدولة الفلسطينيّة ودولة إسرائيل. كما نأمل أن يفتح آفاقًا جديدة نحو بناء اتّفاقيّات ومعاهدات اقتصاديّة وعلميّة وثقافيّة بينهما، تضمن لكافّة مواطني وسكّان الدولتين، حرّيّة الحركة والتنقّل والسكن والعمل في كلٍّ منهما. 7