النص وأفق التأويل

كل كتابة تخييلية ليس الغرض منها قول الواقع، وإنما السعي إلى خلْق واقع متخيل انطلاقا من الواقع المحسوس للقبْض على واقع مُجرد، يتطلب الإيهام بحقيقة هذا الواقع، ما يجعل هذه الكتابة تحقق إبداعيتها الكامنة في الأثر، الذي تُخَلفُهُ في المتلقي. ومن تجليات هذا الأثر إثارة الانفعالات المتنوعة والمختلفة كافة، وهذا ما سماهُ أرسطو بالتطهير المرتبط بالطهر والنقاء عند الفلاسفة المسلمين كمتى بن يونس والفارابي وابن رشد وابن سينا، الذين سَعَوْا إلى تحويله إلى التخييل. إن جوهر الكتابة الإبداعية متمثل في قدرتها على الخَلْق، أي الجنوح صوب ما يثير اللذة بالمفهوم البارتي، إذ تجعل المتلقي يشعر بنوع من الانتشاء الداخلي، الذي يهزه أثناء اصطحاب هذه الكتابة/النص مصاحبة لا تكتفي بالسطح، ولكن بالعمق الممتد في أعماق النص.
فالنص حين يَترك الفراغات والفجوات؛ فهو يوجهُ دعوة مبطنة للقارئ لملئها، انطلاقا من خلفياته المعرفية، وبما يسمح له بالتأويل من مساحات للفهم وإدراك المسكوت عنه والوعي بأسراره. إن هذه الفجوات تسمح للمتلقي بتوظيف ذخائره الفكرية والفلسفية، المعرفية والتاريخية؛ لكي يجسر الهُوة بينه وبين النص المبتَدَع، وهذا يُوجِبُ على المبدع أن يكون أكثر حذاقة وفِطنة، وأوضح عبارة منسوجة بماء الخيال، لتمنح للنص بهاءه الجمالي والفني، فعبقرية المبدع لا تتمظهر في التعبير البسيط والعادي، ولكن في القدرة على جعل اللغة طازجة، وذات قوة خيالية تبُث روح المهابة والجلال في النص.
فاللغة الإبداعية تُضْمِر المخْفي والمنْسي من تراث وحضارة أمة من الأمم، لكونها حمالة دلالات وعلامات تمتد في الذاكرة المشتركة بين أفراد مجتمع ما، الأمر الذي يتطلب مِنا الحَفْر في النص المبدَع واستبطان ما تزخر به اللغة من ظلال وإيحاءات؛ تخفي وراءها غابة من الترسبات التاريخية والاجتماعية والفكرية والتراثية بشكل عام، فاللغة يمكن اعتبارها الشجرة التي تخفي الغابة/ النص، ولاكتشاف هذه الغابة/النص ما على القارئ إلا اقتحام أدغالها/ عالم النص المتشكل من علاقات العناصر المكونة للخطاب. وبتعبير سعيد بنكراد إن اللغة تَخلُق وتُحيِي ما تشاء من الكائنات والأشياء، فالمبدِع وهو يصوغ نصه، إنما يُشكلُ ذاتَه أولا بكتابة تاريخها الفردي، وثانيا بالتعبير عن جماعته التي ينتمي إليها بكل ما تحمله من مُضْمَرَاتِ يَجْمُلُ بالقارئ العمل على نفْض الغُبار عنها، من خلال القراءة المتأنية والسابرة لأغوار مكنوناتها وأسرارها، والترحل بيْن الْفَجَوات بُغية مَلْئها عن طريق التأويل كآلية قرائية بإمكانها تحريك الجوانب التخييلية، وفَتْح أُفُق جديد للنص الإبداعي. ولعل ما خلفته الإنسانية من نصوص، منذ فجر الوجود، سواء كانت حفرا في الكهوف، أو نقشا على الجبال، أو خرافات وأساطير منسوجة بفعل الخيال، أو موسيقى تخلق إيقاع الحياة بأنفاس ملحنيها عبْر الربابات والنايات، والدفوف والغناء والرقص، والحكايات، وصناعة الأوثان والأصنام، أو كتابة على الجلود أو على وَرَقِ البَرْدي، وكل ما يتعلق بها، تكشف عن هذا المُضمر المتواري خلْف النص المدون، وأقْصد مُضْمر تاريخ الحضارة البشرية، فالعودة إلى الملاحم والأساطير، وسجْع الكهان والأغاني المبثوثة؛ في كل الأشكال الموسيقية والتعبيرية والأشعار والمتون المختلفة النسْج والْحَوْكِ لغة وتخييلا، تبرز للقارئ أن النصوص خزان لكل هذا الزخم الموروث من المعرفة والثقافة والحضارة، فهي النص بمثابة السجل الذي يحفظ آثار البشرية مُنْذ الْقِدَم. ولا غرابة في الأمر، لأن انشغال الإنسان لا ينْحصِر في المأكل والملبس، وإنما همه يتمثل في الكيفية التي بإمكانه التعبير عن هذا العبور، فكانت الكتابة والغناء والعمران والنحت والرسم تمظهرات لهذا العبور/ الأثر الذي يشتغل الإنسان عليه ماديا ومعنويا بالجَهْد والاجتهاد لنحت وجوده/ كينونته عبر لغة الإبداع.

النص حين يَترك الفراغات والفجوات؛ فهو يوجهُ دعوة مبطنة للقارئ لملئها، انطلاقا من خلفياته المعرفية، وبما يسمح له بالتأويل من مساحات للفهم وإدراك المسكوت عنه والوعي بأسراره.

إذا كانت اللغة وعاء لذاكرة الإنسان، ومن بين الوسائل التي يتحقق بها التواصل والتداول، فإن النص الإبداعي هو الحاضن لهذه اللغة، التي تخْلُقُ وجودها عبْر تحويل الأصوات الفيزيائية إلى مكتوب مخطوط حامل لثقافة الإنسان وتعبيراته المختلفة، وهذا لن يحصل إلا بامتلاك المبدِع المقدرة والكفاية على الصياغة لتحْويل تلك الأصوات إلى كائنات موجودة؛ بإضفاء طابع التخييل واستثمار الموروث بشتى تلاوينه وتعبيراته، وهنا مكمن الإبداع. فالكاتب المجدد يستطيع تَصْيِير هذا التراث، وجعله أكثر تعبيرا عن اللحظة التاريخية والحضارية، التي تحياها الذات المبدِعة. فالنصوص الخالدة استمدت ديمومتها ليس بالشكل أو القالب الفني، ولكن من خلال عملية التحبيك (من الحبْك ليس بالدلالة السردية، وإنما بمعنى النسْج) لتكون النتيجة تحقيق للنص إبداعيته وليبقى مفتوحا على أفق تأويلي.
فاللغة ذاكرة المجتمع /الإنسان، بعبارة أوضح تشكل تاريخه وهويته، فبدونها يستحيل إدراكهما والوعي بأهمية السابق على اللاحق. فالنص، في جوهره، عالم من العلامات والشيفرات الموحية والدالة على الإرث الحضاري، المتشكل من المُهْمَل والمُتلاشي، المُدهش والمُغري، القبيح والجميل، السطحي والعميق، الظاهر والباطن، ما يفرض على القارئ ضرورة البحْث والتنقيب عن المغيب والمتواري في طبقاته الجيولغوية للوقوف قدْر الممكن عن هذا المخلف من هذا العبور. فعملية العبور يجب الوعي بأهميتها، لأنها المرآة التي تنجلي فيها وعليها وبها صورة الإنسان، وتعكس حقيقة الكائن، الذي يتفنن في ابتداع أشكال تعبيرية تفضي به إلى التفاعل مع الوجود والكائنات، مع الأشياء والمبهم والملتبس، مع البسيط والمعقد، وتضخ طاقة متجددة لارتياد المغامرة بحمولاتها الفلسفية والوجودية والإبداعية.
فالنص يظل مفتوحا على المضمرات الثقافية والسيكولوجية والسوسيولوجية والتاريخية، التي تبقى في حكم الغياب، إذا لم يستطع القارئ تشريحها بمشارط قرائية تكون لها القدرة على الكشف عن المعنى الذي تحمله تلك المضمرات، والذي لن يتحقق إلا بوساطة شبكة من العلاقات التي تنتظم في ما بينها، استنادا إلى قوانين بنيوية خاصة، بلغة سعيد بنكراد، فعلى المستوى الدلالي تحمل اللفظة تمثيلا معينا، ولكنها داخل نسيج النص تخصب بدلالات وفق سياق ما، وضمن نسق تركيبي معين. فهذه الذاكرة المطموسة التي يحبل بها النص تبْقى جامدة؛ إذا لم يتم تحريك مياهها الراكضة بالقراءة المنصتة، والحافرة لأخاديد عميقة في منعرجات النص، ما ينْتج عنْها حياة جديدة متجددة لهذا النص.
إذا كانت وظيفة النص كظل للغة؛ تكمن في تجسير صِلات التواصل والتداول، فإنها تهدف إلى الوقوف على المخفي من الممارسات التعبيرية القائمة على أساس أسلوبي، بمعنى آخر كيفية القول والتشكيل، وأيضا من التراكمات المعرفية المتنوعة المنابع، فالغاية لا تكمن في المقول، وإنما في ما سكت عنه هذا المقول المشحون بظلال مبثوثة في طياته، وهنا تُصبح – كما قال عبد الله الغذامي- قيمة النص في ما تُحدثه إشاراته من أثر في نفْس المتلقي. وليس فيما تحْمله الكلمات من معانٍ مجتلبة من تجارب سابقة، أو دلالات مستعارة من المعاجم. وبالتالي فالنص الحي، حي بتلميحاته لا بتصريحاته، بما يخلفه من آثار تضيء المسكوت عنه، والنص الميت هو النص العاجز على تحفيز القارئ على اقتحام جغرافياته المجهولة، وعلى خوض مغامرة التأويل، الذي ليس ممارسة حرة لا تكثرت لإكراهات المنطوق الحرفي في النص، ذلك أن المعنى في هذا النص ليس طاقة حدسية، بل هو إفراز لترابطات قائمة بين مكونات ثلاثة، هي أساس مجمل التنويعات التي تلحق وجوده وتلقيه – كما يقول بنكراد. هذه المكونات الثلاثة تتمثل في التفسير والفهم والتأويل، فعبْرها يعلن النص كينونته اللانهائية، التي تبقى منفلتة المعنى، ولها قدرة مغناطيسية تجذب إلى حياضها القارئ، لمطاردته وهكذا إلى ما لانهاية.
وصفوة القول فالنص ذاكرة فردية وجماعية، لقراءته لابد من إعمال كل الآليات المُتاحة التي بِمُكْنِها تسليط الضوء على ذاكرة النص، والكشف عما تَحْبَلُ به من دلالات لها صِلَة بالتاريخ والمعرفة، بالثقافة والفلسفة، بالمعطى الاجتماعي والأثر الحضاري، وبكل ما يشكل هُويَتَهُ النصية، ما يسْتدعي من القارئ تفْكيك كل هذه الإشارات والشيفْرات، التي لا يقولُها النص، وذلك عن طريق عملية التأويل المنتجة، المفضية إلى ارتياد المجاهل المعتمة، والمكنونات الغامضة والملتبسة في النص.

٭ شاعر من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية