أصحاب التفاؤل بالوصفات السحرية السياسية يرون عدم الحاجة الفلسطينية للنضال في وجه الاحتلال الإسرائيلي، باعتبار أن الاحتلال لا بد أن يندثر ضمن معايير حتمية داخلية وظروف اقتصادية واجتماعية وايديولوجية ستؤدي إلى انتهاء الاحتلال وزواله واستسلام إسرائيل لواقعٍ لطالما رفضته.
ينطلق هؤلاء من القناعة الكبيرة بأن التركيبة السكانية الإسرائيلية وحجم التناقضات واختلاف الرؤى والعبء الذي يشكله المتدينون ومدارسهم الدينية على الخزينة الإسرائيلية، واختلافهم المبدئي والمعنوي مع بقية المجتمع، وتململ الطبقات الاجتماعية الأخرى من حاجة تلك الطبقات للتضحية بمساهماتها الضريبية والمادية، والمساعدات الخارجية باتجاه تحمل أعباء هؤلاء المتدينين، سواء من باب تحفظهم على المشاركة في الجيش أو إصرارهم على استغلال موارد الدولة باتجاه خدمة مواقفهم وتصرفاتهم العقائدية، ستؤثر مجتمعة وبصورة سلبية على نسيج الاحتلال وحظوظه في الاستدامة. ناهيكم عن التركيبة الطبقية التراكمية لمخرجات الهجرات اليهودية المتعاقبة والتمييز الاجتماعي والصحي والاقتصادي بين اليهود القادمين على اختلاف منابتهم. وعليه فإن دولة الاحتلال لا تستطيع أن تنكر حجم التناقضات القائمة بين اليهود المنحدرين من أصول أوروبية وأمريكية، وأولئك المنحدرين من أصول افريقية وعربية والبقية المنحدرة من دول المعسكر الشرقي سابقاً.
وقد شكلت ظواهر الشقاق المجتمعي القائمة على التفرقة الاجتماعية والخدماتية وحرب التحاصص المالي، قناعة دفعت زعماء الدولة العبرية للحديث في الخفاء والعلن عن عوامل التفكك، وخطورة ربط مواطني الدولة وبقائهم في إسرائيل بقدر الدعم المادي المتاح، واعتمادهم في تجانسهم على وفرة الامتيازات والتسهيلات والفرص التي تقدمها الدولة لمستوطنيها ومواطنيها ومتدينيها، وتأثير ذلك على الولاء للمشروع الصهيوني برمته. أمورٌ لو استفحلت لأدت كما يرى هؤلاء إلى تفوق ظاهرة الدولة الانتفاعية المصلحية على نظرية الدولة العقائدية الأيديولوجية.
وأمام الصراع الطبقي وحــــرب المصالح ومعارك المتدينين مع المجتمع والعبء الذي يشكله المستوطنون وقناعة العالم بتضاؤل التقبل السابق لحجة بقاء الاحتلال، كلها مجتمعة، تشــكل قناعة راسخة أمام البعض بأن إسرائيل ستصل إلى نتيجة تلقائية بضرورة تصفية احتلالها للتركيز على لملمة أمورها الداخلية وترابط مجتمعها خشية من انهيار مشروع الدولة بأكمله.
ومع تفكك الأحزاب الكبيرة واضطراب الحياة السياسية بظهور أحزابٍ مؤقتة وتشرذم الأحزاب التقليدية وتحكم الأحزاب الدينية المتعصبة في تكوين الحكومات، فإن مشروع الدولة الحلم سيواجه تحدياً كبيراً، بل ان البعض يرى انه لولا الانقسام الفلسطيني لكانت المعركة الديموغرافية بين الفلسطينيين والاسرائيليين قد أثرت على طبيعة الصراع، باعتبار أن الكتلة البشرية الفلسطينية ما زالت موحدة ومتجانسة في رغبتها بإنهاء الاحتلال، لكن فصائلها ممزقة ومنقسمة بصورة أدت إلى تشتيت الرسالة وضياع القدرة على التركيز على إنهاء الاحتلال، خاصة في ظل الزمن الذي نعيش وما يملكه من تجليات أخرجت الناس عن صمتها وخضوعها للظلم وطلاقها لترددها السابق في إدارة المعركة بصدورها العارية لا بترسانتها المسلحة. لذا فان وصفة النضال بلا نضال ربما تكون وصفة سحرية لتصفية الاحتلال، لكنها حتماً لن تتم في ظل الانقسام والشرذمة الفلسطينية، وفي ظل استدامة الدعم المالي المتدفق على دولة الاحتلال مدعوماً بقوى الضغط المختلفة المالكة للقرار والمال والنفوذ… النضال بلا نضال في ظل بقاء مجمل المنغصات الحالية لن يكون إلا كحلمٍ لأبليس في جنة لن يطالها!
كاتب فلسطيني