النضج… لعبة الحياة بعيدا من المجاز

النضج استمتاع بالعزلة. نسيان الوقت، والتلذذ برؤيته يسيل من لوحات دالي إلى يديك، من دون النية لإيقاف جريانه بصورة واحدة. أو بتعبير الكاتب شيزار بافيزي«النضج هو العزلة المكتفية بذاتها» المتصالحة مع وحدتها بكل محمولاتها. لتدرك لاحقا أن الحياة سلسلة من الأخطاء، التي لا تنتهي، سلسلة من محاولات تبريرها، تجاوزها.
النضج أن تدرك أن المبررات كلام وفعل. هو كف البحث عن الكلمات الملائمة لتبرير أي شيء. كف الفعل الذي يتقدم خطوة لمحو خطوة، فالكلام حركة، لا تقدم أو تؤخر في هذا الجريان الأصم. ومن ثم تمر في مراحل ثلاث: «ظنك بأنك ستغير العالم، إيمانك بأنك لن تغير العالم، ويقينك من أن العالم قد غيرك». وما لم يضفه سارتر إلى هذه المراحل، بأنك لن تأبه بما تركه وما غيره، لأن ظنك وإيمانك يقينك بلا جدوى. فتتعلم القواعد الذهبية للنضج:
آراء الناس عنك للناس وحدهم، لستَ معنيا بذلك.
لا شيء يدوم إلى الأبد ولا نملك إلا اللحظة.
الأمل أخطر أنواع المهدئات.
عليك بممحاة دائمة في الجيب لا بأس ببعض أقلام التلوين. قد يكون النضج لفظا بلا معنى، ربما يكون قناعا لتبرير مزاجية الطفولة التي لا تكبر في الإنسان، وتبرير تبني آراء متناقضة في مراحل مختلفة.
الخيوط التي تنسج في سترة الصوف، ليست هي الخارجة منها بعد حين.. الخطوط التي تشكل حرفا فكلمة، ليست هي بعد النطق بها. الحجارة التي تبني بيتا، لا تبقى على حالها بعد هدمه، هكذا ما بعد النضج ليس كما قبله:
التنازل يصبح هربا من كلام بلا طائل، الصبر يتحول إلى إقرار بالعجر، الانخراط في لعبة الحياة ينقلب إلى عزلة، ينتقل المرء من مرحلة التعلق إلى اللاتعلق، ليعي أن الحياة تمرين طويل على الموت، لذلك غالبا ما يتحول الغضب تدريجيا إلى حزن فعزلة فصمت طويل. لا بأس حينذاك إذا تدحرجت الأسئلة من جيبك وارتطمت بالأرض فتحولت إلى حجارة. أما الإجابات التي خبأتها في يديك، فستتحول إلى الما لا تدري في يد الساحر. في مرحلة ما من نضجك، تدرك أن الحياة منزل بلا جدران. أبواب كثيرة فقط، يلتقي فيه العابرون بلا ميقات! الداخلون ينظرون بدهشة إلى الجهات الممكنة للإقامة، لكن الإقامة سفر بلا عودة.. الصدفة تحدد الباب الذي ترميك منه والمنعطف! ربما هذا ما قصده كامو بموت تافه بعد حياة تافهة!
من قواعد النضج أيضا أن تصارح أناك الآخر، من دون استعارات. فالمجاز قد يعينك على المصالحة مع العالم الخارجي. أما في الداخل فعليك ان تصالح الأنا التي تنخرط في لعبة الحياة مع الأنا التي تؤثر الانكفاء والنظر من البعيد، كلما تجالسا وتصارحا بلغة شفيفة، لا تأويل فيها، كان العبور إلى الرماد بسيطا وهنيئا!
للنضج ألوان قوس قزح تظهر بعد انكسار الضوء.
له رائحة الصعتر عند عناق المطر.
له صوت المعنى المريح للـ«مضى» و«الآتي».
له ظل الحقيقة، تمشي بيننا لكننا لا نراها إلا في السطر والأخير…
هو أن تصغي أكثر إلى نصيحة صمويل بيكيت في نهاية اللعبة: «فكر فكر أنت على الأرض ولا علاج لذلك».

أكاديمية وروائية من لبنان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية