حازم مقدادي تمضي الأيام ثقيلة على الأردن، شعبا ونظاما، وكلاهما ينتظر حَسْمَاً لا يبدو أنه أقرب من أي وقت مضى. فبعد أن بدا الأمس واعدا نوعا ما، تسارعت الأحداث فجأة لتلقي بظل ثقيل لا يجهل كثيرون ملامحه، وكأن عنوان المرحلة أصبح: ‘ليس بالإمكان أفضل مما كان، ومما يجب أن يبقى كائنا’. ويبدو ذلك جَلِيَّاً بعد أن إنحاز النظام الأردني لخياره الأثير في إستخدام وجوهٍ تم تجريبها من قَبْل، فكانت أنموذجا لا مثيل له في الطواعية والتبعية والإنصياع لرؤى النظام ورغباته دونما أدنى تفاعل يُذْكَر، أو فهم واقعي لمتطلبات الوطن ومصالحه العليا. ويأتي هذا في سياق توجيه الأزمة نحو مزيد من التأزيم بدلا من محاولة الإقتراب من إنفراج بات بعيدا. تمضي الأيام على الأردنيين وتتوالى الحكومات في وطن أصبح في طليعة البلدان في تجريب الحكومات وإقالتها دونما مرجعية واضحة أو مُسَوِّغَاتٍ كافية. وفي الوقت الذي فيه يكتنف الغموض تشكيل حكومة وإقالة أخرى، بينما تبقى الأسئلة حول إختيار شخصيات بعينها مثار جدل لا نهاية له، تبدو الحالة مختلفة بعض الشيء بالنظر لآخر حكومتين لجأ لهما النظام الأردني في خِضَمّ أزمته التي أصبح الآن يجهل كيفية الخروج منها. فالمجيء بحكومة القاضي المنقضية ولايته كان بهدف تقديم وجه جديد للشارع المُنْتَفِضِ منذ حين، وجهٍ مشهود له بنزاهةٍ ومصداقيةٍ تفتقدهما معظم وجوه وخيارات النظام التقليدية. فكان إختيار القاضي الدولي مُوَفَّقَاً إلى حد كبير، خصوصا بعد أن إستطاع ذاك القاضي أن يحصل على تعهدات من رأس النظام الأردني، بأنه سيتمتع بصلاحيات رئيس الوزراء كاملة دونما إنتقاص أو تدخل من أي جهة أخرى إلا بمقتضى الدستور الذي يوفر قنواتِ وآلياتِ التفاعل بين دوائر القرار المختلفة. أضف إلى ذلك أن الرئيس المستقيل كان يحمل رؤاه الخاصة المُنْفَلِتَةِ تماما من رؤى النظام وعُقَدِ رجالاته المخضرمين، وبروتوكولاته الهزيلة، فالرّجُلُ يؤمن بمفاهيم التعدد وبوطنية المعارضة، ولا يزايد أو يقصي أحدا، أضف إلى ذلك إلتزامه بهذا التصور كأساس في علاقته مع جميع الأطياف، مؤكدا في غير مرة رفضه القاطع لِشَيْطَنَةِ المعارضة الأردنية أو التشكيك في نوايا الحراك الشعبي ووطنيته وعدالة مطالبه على النقيض تماما من توجهات أركان النظام المحافظة. وبرغم عقلانية هذا الخطاب وعدالة ذاك الطرح، غير أن خروجه عن المألوف ما لبث أن أصبح نشازا عند مسامع بعض أزلام النظام إن لم يكن معظمــــهم، فلم يلق القبول عندهم لتضاربه مع مصالحهم الشخصية والفـــئوية بعــــيدا كل البعد عن مصلحة الوطن وسَوِيَّة مصيره. وعلى الرغم من عدم إرتياح النظام للطريقة التي إنتهجها رئيس الحكومة المستقيلة في التعامل مع القصر الملكي ورؤاه، إلا أن مقدرة تلك الحكومة على امتصاص الفورة الشعبية وتنفيس الإحتقان كانا سببا كافيا للإبقاء على الحكومة والمَدِّ في عمرها. إن أهمية المشروع الإصلاحي الذي يواجهه الأردن اليوم، بكل تحدياته، تنبع من أن الإصلاح بمفهومه الشامل بات مطلبا شعبيا وإستحقاقا جماهيريا لا يجوز ولا بأي حال من الأحوال تشويهه أو إختزاله أو الإلتفاف عليه. ولكن هذا التعثر الواضح في تلك العملية الإصلاحية المزعومة يثير الكثير من التساؤلات والمخاوف في ظل قناعة راسخة لدى المعارضة مفادها أن النظام لا يستطيع الإتيان بأي إصلاح يُذْكَر. فهذا التعثر لازَمَ ما يسمى بعملية الإصلاح منذ إنطلاقتها، إذ إعتمد النظام على آليات ومؤسسات فاقدة لأدنى متطلبات الشرعية في مرحلة حرجة كهذه المرحلة، تؤسس لمستقبل الوطن بكل تفاصيله، بدلا من الإحتكام لمؤتمر وطني عام يحدد جوهر الإصلاح وآلياته ومواقيته بناء على توافق وطني، على إعتبار أن الشعب الأردني هو المرجعية العليا وصاحب الشرعية المطلقة في تقرير مصير البلاد، وكأن النظام هنا يحاول ‘إعادة إختراع العجلة’ ومن المُفارقات المُلْفِتَةِ هنا أن نرى النظام الأردني، وهو الذي إنبرى مختارا لقيادة عملية التحول الإصلاحي تلك، نراه كيف تجاوز أبسط مفاهيم الشرعية عندما مارس ضغوطه على بعض وزراء حكومة القاضي عون الخصاونة أثناء غياب رئيسهم، لإتخاذ قرار مخالف تماما لما نسَّبَ به رئيس الحكومة، والقاضي بفض الدورة العادية لمجلس الشعب، وفقا لحقه الذي كفله له الدستور. وفي الوقت الذي كانت فيه عملية تغيــــــير ذاك القرار منسجـــــمة تماما مع النص الدستوري، غير أنها مخالفة لروح النص وفاقدة تماما للشـــرعية بســــبب ما مورس من ضغوط على بعض أعضاء تلك الحكومة، مما يجعل ذاك القرار أيضا فاقدا لشرعيته برغم دستوريته، بل ويثير تساؤلا محوريا حول مدى جدية نظامٍ ينتهك الشرعية في الحفاظ على ذاك الدستور وتعزيز تلك الشرعية. و بعد أن جاء رد رئيس الحكومة المستقيلة مُدَوِّيَاً وحاملا في ثناياه إحتجاجا ورفضا صارخا لإنتهاك الشرعية والإلتفاف على إرادة الحكومة صاحبة الولاية العامة بموجب الدستور، يذهب النظام الأردني ليُقَلِّبَ خياراته التي تصب في تعزيز التَفَرّد في الحكم وإجهاض الإصلاح المزعوم، فيلجأ لتكليف رمزٍ محافظٍ لا يمتلك أيما رؤية للإصلاح أو التصويب، بل ويرفض التعددية والحوار كأساس للعلاقة مع كل الأطياف السياسية في الأردن، بالإضافة إلى دفاعه عن تورطه في مفاوضات معاهدة ‘وادي عربة’ المشؤومة. وليس هذا بغريب إذا ما أدركنا أن النظام الأردني بدأ يسعى لتحقيق الإصلاح بمفهومه الخاص، وهو زيادة قاعدة المشاركة الشعبية في الحكم بعيدا عن تصويب طريقة الحكم نفسها، فما كان يسمى بعملية الإصلاح في الأردن، لم يعُد يتعدى عملية ترميم لملامح النظام مع الإبقاء على جوهره الفَرْدِ بمضمون ثابت لا يتغير.
و اليوم أصبح من الواضح أن معركة إستعادة الولاية العامة التي يخوضها الأحرار من أبناء الأردن، والتي حَمَلَتْهَا حكومة القاضي الخصاونة على عاتقها، هي معركة ضد الأعراف والبروتوكولات السائدة أكثر منها ضد النصوص الدستورية المُشَوَّهَة، إذ أن تعديل النص الدستوري لا يعني الكثير في ظل عقلية مُتَيَبِّسَةٍ دَأَبَتْ دائما على تهميشه وتوظيفه بمزاجية وإزدواجية لتحقيق مطالب مَصْلَحِيَّةٍ وفِئَوِيَّةٍ ضيقة. فقد بات من المعروف، بل ومن الجَّلِيّ، أن جهاز المخابرات العامة في الأردن ودائرة الديوان الملكي ليستا هما فحسب أهم التحديات أمام مطالب الشعب الأردني ورغبته في إستعادة الولاية العامة وتنظيم العلاقات بناء على الدستور، فالأزمة في الأردن هي كما عبّرت عنها المعارضة- أزمة حكم.’ كاتب اردني