النظام الإنتخابي اللبناني

حجم الخط
0

عناية جابرإكتسبت النقاشات الدائرة في بيروت حول ما سمي االمشروع الارثوذكسيب أهمية تجاوزت ومن بعيد الدوائر السياسية البيروتية وحدها. فبعد أن كشفت الإنتفاضات العربية ما كان غَلُقَ على المراقبين من حقائق إجتماعية متشابهة في طول وعرض العالم العربي، وغدا االموديلب اللبناني الذي جرى التصديق عليه في مدينة الطائف السعودية، في 30 سبتمبر عام 1989، هو النموذج الواجب الإتباع إذا أردنا تجنب الحروب الأهلية المستطيلة، صار تطوير هذا النموذج همّا ذ داخليا- بمعنى ما، لجميع المتشابهين في الدول العربية. المشروع الارثوذكسي وللإختصار يسعى بكل بساطة الى سن نظام إنتخابي ينسجم مع مضامين االطائفب الدستورية والميثاقية التي تقول بمساواة المسلمين بالمسيحيين أيا كان العدد الإجمالي والحركة الديموغرافية للطوائف. التناصف هو القاعدة. وإذا صح ذلك على الصعيد النظري فإن الوقائع بينت شيئا آخر، إذ تم االتحايلب على المبدأ بواسطة نظام انتخابي أتاح إنتاج التساوي بالعدد لكن عبر نواب مسيحيي الولادة إسلاميي النسب السياسي. لحل هذه المعضلة االبسيطةب في سوء التطبيق جاء المشروع الارثوذكسي فاقترح إنتخاب كل طائفة لنوابها من ضمن نظام نسبي يتيح للمعارضة في كل طائفة أن تتمثل في المجلس النيابي الجديد. وبمعزل عن رأينا ككتاب أو كعلمانيين بالنظام الطائفي ككل علينا أن نقر أن ما يطرحه هذا المشروع هو الأقرب الى العدالة الموعودة ، بمعناها الطائفي طبعا، أي بما أُتفق أن يسمى – الديمقراطية التوافقية- بين الجماعات لا الأفراد. والحال أثار الطرح الارثوذكسي المستند شكلا الى وجهة نظر الميثاق الطائفي الداعي الى العدالة والمساواة بين الطوائف أثار عاصفة من الإعتراض طــــالت قوى من داخل النظام الطائفي وخارجه. وهنا يمكن عرضا ملاحظة ظاهرة تتكـــــرر مــــنذ زمن طويل وتتمثل بتطابق موضوعي في الموقف والمعارضة بين نخب العلمانية والتقدمية وبين بعـــض قوى الجماعات الطائفية من المسألة الطائفية. طبعا التطابق يطال النتائج لكن المنطلقات غير موحدة. فرفض التقدميين ينطلق من اعتبار الطائفية ذ مرضا- يستخدمه الحكام من أجل تضليل الجمهور عبر نظام الإنتخاب والحكم عامة يكفي لتجاوزه ذ إقناع- أهل الحكم الطائفيين أنفسهم بعدم جواز استعمال هذا المرض لما يسببه للمجتمع من أضرار جانبية.ففيما تتمسك النخب المتنورة برفض أي تكريس للنظام الطائفي تلتقي في موقفها مع المواقف الطائفية الرافضة هي أيضا لتعديله ولكن لأسباب أقل مبدئية وأكثر واقعية. فهذه القوى ترفض التعديل لا لأنه يكرس النظام الطائفي بل لأنه يقود الى إنقاص وزنها الخاص في هذا النظام. فلو طُبق هذا المشروع فعلا لفقدت قوى الإسلام السياسي في لبنان بشقيها أكثر من 20 نائبا مسيحيا. ولهذ السبب بالذات استنفر بعض القوى في لبنان كل حججه لكي يتصدى لهذا التعديل. فرأى فيه ذ تكريسا للطائفية- و ذ وزيادة في التشرذم ذ وميل نحو ذ نظام الفدراليات ذ وزيادة في الإقناع مشروعا ذ سوريا ذ فيما يعرف الجميع أن المشروع قديم جدا وكان أعده الباحث الحقوقي الدكتور وائل خير وحمله المحامي لطف الله خلاط أمين عام – التجمع اللبناني الارثوذكسي- الى مقر لجنة الوزير فؤاد بطرس في العام 2006 وليس اليوم حيث تمت مناقشة أهدافه مع أعضاء اللجنة يومها كما تمت مقاربته من خلال آواليات التطبيق والنتائج. لكن الحساب السياسي له منطقه وأولوياته وهي ليست بالضرورة حسابات المنطق الرياضي والدستوري ولا طبعا حساب العدالة و حسن التمثيل. وصحيح أن تطبيق المشروع الارثوذكسي يتناسب مع ذ وعد- الدستور والميثاق بالمناصفة لكن الصحيح ايضا أنه والحال هذه يكون قد ظلم ميزان القوى الفعلي الديمغرافي والسياسي للقوى الإجتماعية الحقيقية على الأرض. فالعدالة في هذه الحالة تخضع لأي منطق؟ منطق الوعد الدستوري أم منطق موازين القوى الفعلية؟ مع ذلك نجح هذا المشروع في تعرية التناقض بين نصين لا يزال اللبنانيون ذ والعرب اليوم من وراءهم ذ يتأرجحون بينهما. نص دستوري مكتوب وآخر غير مكتوب ذ الميثاق- بين نص رسمي وآخر فعلي. ففيما يغش الدستور المكتوب ما يكفي من النخب العصرية المطمئنة الى وجوده، تمارس نخب الطوائف من جهتها ميثاقها الشفهي الذي يتبين يوما بعد يوم مدى قوته وانغراسه في مجتمعاتنا. وسواء كان الحكم بيد جماعة واحدة ام محاصصي فإن بلادنا العربية ما تزال تدار عملياً بالنص الشفهي الذي يعكس حقيقتنا الإجتماعية وبنص آخر ذ مودرن- شكلي يغطي هذه الحقيقة التي لا أدري سبب خجل الناس بها عندنا. ما العيب أن يكون طائفياً من هو كذلك وليس عيباً أن أكون من آل فلان وعلتان أو من عشيرة أو طبقة العمال أو البورجوازية؟ ما العيب في الإنتماء الإجتماعي كما هو؟ تريدون المناصفة وتطالبون بالمساواة بين الجماعات إذا أعطونا حق انتخاب ذ جماعتنا- يقول المشروع الارثوذكسي. فيرفض من وعد البرّ بوعده متذرعا بحجج واهية لأنه يرفض وبكل بساطة اخراج النص الفعلي الى العلن. فالمجتمع المؤلف من طوائف لها وزن فعلي ديموغرافي لا يمكن أن يقايضه بمساواة إلا إذا كانت شكلية. وما المشروع المطروح إذا إلا محاولة يائسة لإيقاع الطوائف الغالبة عبثاً بشرك النص الشكلي، وعد المساواة. لماذا لا يقول العرب نصّهم؟ لماذا يحكمون بمــــا لا يقولون ويقولون بما لا يحكمون؟ لماذا لم تنتبه النخبة الى هذه اللعبة؟ لماذا لا نعترف باجتماعنا كما هو فنتعاطى معه وفقا لمنطقه وبانسجام يوفر علينا حروباً رهيبة وصراعات عبثية نكتشف بعدها النص الحقيقي؟qlaqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية