الدوحة ـ”القدس العربي”:تراهن المؤسسة العسكرية، التي ما زالت اللاعب الرئيسي والأساسي في ميدان الحكم في الجزائر، على ضمان استمرارية النظام القائم، من دون السماح بأي تغيير حقيقي في البلد، في تحد لإرادة ملايين الجزائريين، الذين ما زالوا يخرجون في مظاهرات سلمية، لأشهر متواصلة.
وتسعى عصب المتنفذة المسنودة من قيادة الأركان، على الالتفاف على مطالب الجماهير، والتي تمكنت حتى الآن من تحقيق مكاسب استراتيجية، وأهمها، وأد مسار تتويج الرئيس المخلوع عبد العزيز بوتفليقة، بعهدة خامسة.
خطة النظام الحالية، لا تحيد كثيراً عن الممارسات السابقة في منظومة الحكم القائم منذ استقلال البلد عن الاستعمار الفرنسي، والتي تجد عند كل أزمة مخرجاً، تؤمنه بنفض الغبار عن رجالاتها، يُلجأ لهم لتجاوز المطبات.
رهان السلطة الأوحد
وتدعم قيادة أركان الجيش، مسار تنظيم الانتخابات الرئاسية المقررة يوم 12 كانون الأول/ديسمبر، مؤكدة تصريحات الحكومة، بكونها الحل الوحيد الذي يكرس الخيار الدستوري. وتعتبر ذلك السبيل الوحيد للخروج من أزمة الفراغ السياسي المؤسساتي منذ 2 نيسان/ابريل الماضي، تاريخ استقالة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة.
ويراهن رئيس الأركان، الفريق أحمد قايد صالح، على هذا المسار، واضعاً حتى الآن كل بيضه في سلة الانتخابات، مؤكداً أنها: أي الانتخابات، قرار لا رجعة عنه.
تحليل المشهد الجزائري بشكل معمق، يكشف تفاصيل الخطة التي تسير وفقها السلطات، وتشي بمحاولاتها المستمرة، الاحتفاظ بالوضع الحالي، من دون أي تغيير، ورفض المطالب الاجتماعية المؤكدة على ضرورة سقوط كل الرموز السابقة.
يتضح جلياً، من حركات اللاعبين على رقعة شطرنج اللعبة السياسية، أن النظام يعمل حالياً على إعادة تدوير شخصيات من محيطه. بضعة رجال يثق فيهم، ويدرك جيداً أنهم لن يحيدوا عن المسار الذي يُحدد لهم، ولن يشكلوا أي خطورة على استقراره، وتكون محصلة ذلك استمرارية منشودة.
الوصول إلى هذه الحقيقة البينة، يعتمد على خطوة بسيطة، وهي تحليل السير الذاتية للمرشحين الخمسة، الذين اعتمدت أسماؤهم لإدارة اللعبة الانتخابية، ومعها تتضح بشكل جلي، رهانات النافذين في الحكم، وتطلعاتهم للعبور الآمن، نحو المرحلة المقبلة من دون مخاوف.
الاستمرارية برجالات بوتفليقة
وعملت آلة النظام بشكل بسيط، على نفض الغبار عن شخصيات من محيطه، فجل المرشحين كانوا إلى وقت قريب، يعملون ضمن ماكينة الدولة، وتحديداً مع فريق الرئيس السابق، الذي أصبح يرمز له من قبل هيئة الأركان، بالعصابة.
أولى الشخصيات التي اتضح للعيان أنها تتمتع بدعم قيادات الجيش، عبد المجيد تبون، الذي دخل المنافسة مرشحاً مستقلاً، وهو قبل ذلك كان رئيس وزراء في فترة حكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، ووزيراً في عدد من الحكومات التي شكلها منذ اعتلائه سدة الحكم في 1999. وسعت ماكينة الدعاية الترويج للرجل على أنه ضحية معارضته لأقطاب السعيد بوتفليقة، ولوبيات الفساد، مع أن اسمه، واسم نجله، وردا في ملفات فساد وفضائح شهدها البلد مؤخراً.
المرشح الثاني الأقرب إلى دوائر الحكم، هو المحامي والقانوني، علي بن فليس، هو أيضاً كان رئيس وزراء سابق في عهد بوتفليقة، وشغل منصب رئيس ديوانه، ومسؤولاً في حملة ترشحه في العهدة الأولى، ووزيراً مع عدد من الرؤساء السابقين.
وبالمقابل تقف فعاليات سياسية وحزبية من حزبي السلطة، وهما حزب جبهة التحرير الوطني، والتجمع الوطني الديمقراطي، مع عز الدين ميهوبي، وهو أحد وزراء بوتفليقة لسنوات، ومن أشد المدافعين عن
نظامه.
المرشحان الآخران وهما عبد القادر بن قرينة، المحسوب على الإسلاميين من تيار إخوان الجزائر، وهو وزير سابق في عهد بوتفليقة، وعبد العزيز بلعيد أحد أقطاب التحالف المساند لبرنامج الرئيس المخلوع، يبذلان جهوداً واضحة، لاستمالة دعم أقطاب النظام.
عصب النظام
المعطيات التي تشهدها الجزائر حالياً، بسعي النظام إعادة تدوير رجالاته، لضمان الاستمرارية، ليست الاستثناء، وعلى مدار تاريخ البلد، سُجلت محاولات مشابهة، وكان عنوانها الأبرز، تنفيذ العصب الحاكمة لسيناريوهات مماثلة.
بعد أحداث تشرين الأول/أكتوبر 1988 والتي سجلت مظاهرات شعبية واسعة، طالبت فيها جموع الشعب، بإصلاحات سياسية واقتصادية، واجهها النظام بالمراوغة، ومنع صقوره أي انتقال ديمقراطي، وتم إفشال أي مسعى حقيقي، يمنح السلطة للشعب.
ولجأ حكام البلد مطلع 1992 عشية إيقاف المسار الانتخابي، إلى الاستعانة بأحد كوادر جبهة التحرير، المجاهد محمد بوضياف، وكان أحد قادة ثورة التحرير، المهمشين والمغضوب عليه. لكن الرجل تعرض للاغتيال في أول خطوة حاد فيها عن الخط المرسوم، وبدأ يشكل قلقاً على من سعى لجلبه من منفاه في المغرب.
الخطوة اللاحقة، لعصب النظام، بعد الفراغ الذي أحدثه شغور منصب الرئاسة، كانت تشكيل مجلس دولة، من شخصيات محسوبة على النظام، في نفس المسعى، حتى يتم ترتيب أوراق اللعبة.
وعندما احتدت المنافسة بين أقطاب النظام سنة 1998 تم الاستنجاد بعبد العزيز بوتفليقة، وكان ضمن هذه الاستراتيجية، وهي منح الثقة دوماً لأحد رجالات النظام، دون غيرهم، والاستعانة بهم عند أي أزمة، لضمان استمرارية منظومة الحكم القائمة.
خطوة السلطة وحكام البلد حالياً، وعلى رأسهم قيادة الأركان، دافعها الأساسي كسب الوقت، ويحركها الرهان على عامل الزمن، لامتصاص غضب الجماهير، وتشتيت صفوفها، للحيلولة دون تركز مطالبها نحو مسار التغيير المرفوض.
فئات واسعة من الشعب الجزائري، ومقابل هذه المناورة، تدرك جيداً أن فرصة التغيير لاحت، وتراهن على قنصها، لتحقيق حلم الأجيال المتعاقبة وهو الانتقال الديمقراطي الحقيقي.
وينظر الجزائريون إلى المرشحين الذين تتراوح أعمارهم بين 56 و75 سنة، وجميعهم تقلدوا مناصب سياسية في عهد بوتفليقة، إلى أنهم مجرد ديكور، في بناء يسعى النظام لتشييده في محاولة لتجاوز المأزق الحالي.
ويشدد المتظاهرون الجزائريون وجلهم من الشباب، ومن الفئات التي عاشت في ظل حكم الرئيس السابق، وثاروا عليه وعلى رموز نظامه، أن هذه الانتخابات، هي محاولة تكريس للثورة المضادة حسب وصفهم، وعودة للنظام ورموزه على حساب المطلب الشهير للمتظاهرين وشعارهم “رحيل كل العصابة”.
ويطالب ناشطو الحراك بأن تكون هناك “مرحلة انتقالية حقيقية” لا يشارك فيها أي من رموز النظام السابق ومسؤوليه، وأن أي انتخابات يجب أن تشرف عليها سلطة تنفيذية مستقلة، تنبثق عن حوار شامل مع كل قوى المجتمع.
ماذا لو لم يصوت الجزائريون؟
ترى دراسة حديثة نشرها موقع “فورين أفيرز” أن قيادة الأركان، وأقطاب النظام يواجههم سؤال مؤرق، ماذا لو أجريت الانتخابات ولم يصوت أحد؟
وأشادت الدراسة بسلمية الحراك الجزائري الذي اعتبرته فريداً، مقارنة بمسارات احتجاج أخرى شبيهة، على غرار ما يجرى في هونغ كونغ من مواجهات، ومحاولات الكتالونيين نيل مطالبهم.
واعتبر الموقع أن الأيام المقبلة ستكون كفيلة بتحديد مستقبل الجزائر، ومدى قدرة الحراك على الحفاظ على المسار السلمي، حتى تحقيق مطلب انتقال ديمقراطي حقيقي.
من جانبها تعتبر “فورين بوليسي” في دراسة منشورة حديثاً، عن الانتخابات الرئاسية المقبلة في الجزائر، أن الرهان الرئيسي، يتعلق أساساً بتحد رئيسي، كون الرئيس المقبل لن يترأس البلد فعلياً.
وشددت على أن منصب رئيس الدولة في بلد يتمتع بموارد طبيعية جيدة، هو أقرب إلى المدير الليلي للفندق، وليس الحاكم الفعلي، لأنه ببساطة سيكون مسؤولاً عن أشياء هامشية، ولن يحصل في الحقيقة على الكلمة النهائية في معظم القضايا الرئيسية.
وتمضي الورقة البحثية في تحليل طبيعة النظام السياسي الجزائري، مؤكدة أن البلاد يدير دفتها خلف الستار لاعبون كثر، يتشكلون من قادة الجيش، وضباط المخابرات، وعدد من السياسيين المقربين.
وتتفق جل القراءات للمشهد الجزائري، أن المحتجين سيظلون متشبثين بمطالبهم الأساسية، وهي إصلاحات حقيقية، لضمان انتقال ديمقراطي أصيل.
وفي المقابل يعمل الحكام الفعليون على تشديد قبضتهم الحديدية، لمنع أي تحول يمس بصلاحياتهم وسيطرتهم على الوضع، وتصوير الأشهر الثمانية الماضية، على أنها تحول سياسي فعلي.
وسيكون عامل الوقت كفيلاً بجس مدى صبر كل طرف، فإذا استمر المحتجون في حراكهم، سيكون قائد الجيش أمام تحد جوهري. إما المضي قدماً نحو انتخابات مفروضة من فئات واسعة من الشعب، وهو ما يدخل البلد في مسار ضبابي، أو التراجع خطوة للوراء لإعادة النظر في الأمر.
يذهب المتفائلون إلى أن الفريق قايد أحمد صالح قد يضطر في نهاية المطاف، في حال فشلت كل مساعيه للترويج لخيار الانتخابات إلى مراجعة حساباته، والسعي مجدداً لاستمالة شموع الشعب، مثلما اقتنص فرصة الحراك ليسير في فلكه، ملقياً بفريق الرئيس السابق خارج المركب.