النظام الرسمي العربي.. نحو الزوال

حجم الخط
0

وضعت الهبات الثورية، التي تجتاح العالم العربي ومنذ إنطلاق شرارتها الأولى في جيوب الفقر بالجنوب التونسي، الحسابات والرهانات الامبريالية في إرتباك سياسي وأخلاقي يتعمق بمقدار فقدان عملائها المحليين السيطرة لمجرى أحداث جارفة وحاسمة تخطو بعزم نحو إقامة أسس جديدة تعتمد على إختيارات شعبية وبدائل جذرية ستفصل في قضايا تتعلق بمفاهيم ومضامين السلطة، الثروة، السيادة، الحرية، الكرامة والابداع الإنساني.

شكل الاستثناء العربي أحد ركائز الهيمنة الامبريالية عنوانه الكبير هو إذلال الشعوب وسحق إرادتها والحفاظ على المصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين. وسيصبح النظام العربي وهو ذلك المزيج من الملكيات المتخلفة والجمهوريات الفاسدة التي أتى بها الاستعمار الجديد لإجهاض طموحات التحرر الوطني والإستقلال الفعلي، البنية السياسية الساهرة على ضمان الإستبداد والإستقرار، وسيعتمد هذا النظام العربي في بقائه على العمالة لقوى إستعمارية غربية تجرعت ضربات المقاومة الوطنية. وكانت حرب الريف وحرب التحرير الجزائرية إحدى أبرز ملاحمها البطولية أعطت لشعوب العالم وحركاتها التحررية نموذجا في الدروس القتالية مسرحه جبال الشمال الإفريقي. ويمدنا التاريخ في لحظات وفترات معينة بتجارب جسدت روابط شعوب المنطقة وقواسمها المشتركة تفاعلت فيها طموحات الوطنيين ضذ الهيمنة الإستعمارية، فكانت حرب التحرير في منطقة الريف بقيادة عبد الكريم الخطابي هي المرجعية التي سيتبناها النضال الوطني بقيادة فوزي القواقجي في منطقة حامة السورية لمواجهة التدخل الفرنسي ومؤامراته وستشكل إشارة الإنطلاقة لكفاح الوطنيين السوريين في مواقع أخرى. وفي ظل التناقضات الدولية والتقاطبات الجديدة لما بعد الحرب العالمية الثانية وتجاذبات الحرب الباردة وبروز القضية الفلسطينية بقيادة منظمة التحرير سيتبنى جزء من هذا النظام العربي لغة الممانعة والقومية وسيتخذ من المؤسسة العسكرية جهازا تنمو حولها بيروقراطية طفيلية وطائفية تمارس النهب المافياوي والقمع الرهيب.

شكل النظام العربي نكسة لشعوب المنطقة وتطلعاتها وعمل على بتر كل إرهاصات التحرر والتنوير ووظف الفكر الرجعي والعقائدية المحافظة لفرض هيمنته الإستبدادية وتعميق الإستغلال من خلال بنية إقتصادية طفيلية وريعية مرتبطة بعلاقات التبعية للدوائر الرأسمالية العالمية تتداخل إمتداداتها في تجارة الأسلحة، المخدرات، تهريب الأموال وتبييضها عبر المضاربات التجارية والإستثمارات البنكية، وستبقى شعوب العالم العربي في وضع تتحكم فيه قوى إستبدادية وديكتاتورية لمدة تزيد عن ستة عقود بواسطة القمع والتزوير وإحتكار الحقل الإقتصادي على قاعدة إضعاف وكبح أي تطور طبيعي لقوى الإنتاج وجعل البطالة والأمية إحدى أبرز الخصوصيات العربية. وعملت عدة جهات مرتبطة بأفكار وأطروحات الإستشراق على ترسيخ نظرة مشوهة لتاريخ ومكونات المنطقة ووجدت بعض النخب في النكسات والحروب والهزائم فرصتها للإندماج في أجهزة النظام العربي والإنخراط في مؤسساته بإسم الواقعية والنضج الوطني.

وقفت شعوب العالم العربي شاهدة على أدق المراحل والفترات التي ستطبع صيروراتها وذاكرتها المشتركة تمتد من خيبات الإستقلال، التقسيم الإستعماري وإغتصاب فلسطين إلى الحروب الأهلية والمذابح الجماعية والإضطهاد العرقي ضد الأفارقة والأكراد مرورا بالإقتتال والنزاعات المسلحة في اليمن وإريتيريا والصحراء ولبنان والعراق والجزائر والسودان.

أمام تشاؤم العقل وتفائل الإرادة، ظلت الجماهير الشعبية وإتجاهات واسعة من قواها المخلصة الوطنية والديمقراطية والإسلامية مسلحة بتفائل العقل والإرادة معا؛ لترفع راية التحدي والصمود وتفتح معركتها بإنتفاضات الخبز وبقوة الإضرابات العمالية والإحتجاجات الطلابية والشبابية، تبلورت في تربتها تجارب نضالية عفوية أو منظمة، مسلحة أو سلمية، بإنقطاعاتها أوإمتداداتها، بإخفاقاتها أو نجاحاتها النسبية، كلها عوامل من بين أخرى أعطت للنضال الشعبي عمقا متعدد الأبعاد وتراكما يفتح آفاقا جديدة لبناء أشواط متطورة من الصراع ويعيد للجماهير دورها في صنع التغيير.

إستطاع الربيع العربي أن يضع المنطقة برمتها على إيقاع سيرورات منفتحة وجديدة بإخراج شرائحها المجتمعية من حالة الإلتباس والإرتباك ونقلها إلى وضع باعث عن الأمل يجعل من الشارع هو ميدان الحسم لقلب المعادلة القائمة. لقد وجدت عدة شعارات كانت قد أطرت في الماضي العديد من المحطات النضالية والمطالب الجماهيرية، راهنيتها على ضوء الممارسة العملية والخلاقة التي تقدمها لنا الدروس والتجارب الحالية وباتت جدلية الإستمرارية والتطوير متداخلة في تأطير وتفعيل وتجذير المخاضات الجديدة لحركات التغيير وفق خصوصياتها المحلية والوطنية.

المرابط محمد – مدريد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية