النظام السعودي ومعضلة الذكورية الخارقة
د. مضاوي الرشيدالنظام السعودي ومعضلة الذكورية الخارقةيجب التفريق بين الذكورية والرجولة فالاولي مصطلح ينبثق من معطيات طبيعية جسدية يحملها الانسان بحكم ولادته والثانية مفهوم يكتسبه وخصائص يمتلكها نتيجة لعلمية تربوية طويلة يتم فيها تلقين الفرد المعاني المرتبطة عادة بمفهوم المجتمع لمعني سلسلة طويلة من الصفات والافعال السلوكية التي تلتصق به وبشخصيته. ارتبطت هذه المصطلحات بالافراد والمجتمعات ولكن نجد ان الانظمة السياسية وخاصة التسلطية تتقمص ادوارا مكتسبة وتحاول ان تتلبس شخصية معينة تمدها بها يزودها به موروثها الاجتماعي او الديني او الثقافي.يطرح النظام السعودي نفسه كنظام ذكوري يحاول اثبات رجولته في طريقة تعامله مع المجتمع الداخلي والدولي والاقليمي. وبما انه نظام ذكوري بالمعني الحرفي للكلمة اي انه مكون من حلقة كبيرة من البشر الذين ولدوا ذكورا الا انه دوما يسعي الي تثبيت وتقمص معني الرجولة المرتبطة بالجسد الذكر.ويتضح ذلك من خلال السرد التاريخي لتأسيس الدولة وهويتها التي تجد طريقها الي الكتب المدرسية والاعلام والمحافل والمجالس والتي تستعرض يوميا لتذكر ليس فقط برجولة النظام بل ايضا بذكوريته. ويظهر النظام في هذه السرديات وكأنه يعاني من مشكلة ومعضلة الرجولة الخارقة المتضخمة اي hypermasculinity مما يؤدي الي تداعيات وخيمة ليس فقط علي المجتمع الداخلي بل ايضا علي علاقته مع محيطه العربي والاسلامي والعالمي.يتضح هذا التضخم في استعراض المراسم والطقوس السياسية التي تصور السلطة المذكرة وكأنها المثل الاجتماعي الارقي لمفهوم الرجولة حيث الوجاهة والابهة والخيلاء وكذلك في حلقات الاستجداء وخاصة في المجالس الرسمية عندما تتوسل الرعية وتقدم سلسلة من المطالب والمعونات من الرجل الشهم الكريم وكذلك في سرديات الكرم الذي توزعه السلطة علي الحكومات الخارجية ومنها ما ورد مؤخرا عن مساعدات سعودية لفلسطين ولبنان وتفسر هذه المساعدات ليس من باب الاستراتيجية السياسية بل من باب مسؤولية الرجولة المتمثلة في عدد قليل من المحتكرين للقرار السياسي. فالمكرمات الملكية تأتي من منطق تجسيد الرجولة وليس من منطلق الاستحقاقات الاستراتيجية وتوازن القوي في المنطقة.وتجد الرجولة الخارقة المكان الملائم لها في محافل افتتاح مشاريع التنمية والمراكز الثقافية والبنية التحتية حيث تتحول هذه الفرص الي مهرجانات لاستعراض بعض المفاهيم الثقافية المتعلقة بالرجولة كالعطاء اللامتناهي وخدمة الرعية وتوفير العيش الرغيد لافرادها وبذلك تتحول هذه المشاريع الاقتصادية والهادفة الي تنمية البنية البشرية والتحتية الي مهرجانات تذكر المواطن بذكورية النظام ورجولة السلطة. تماما كما يحصل في المجالس المعروفة والتي يظهر فيها صاحب السلطة بمظهر المعطاء الكريم صاحب الثراء اللامتناهي والذي يوزع ليس من مبدأ حق الرعية في هذا الثراء، وانما من مبدأ رجولة النظام ومتطلباتها.تصبح صور الرجولة في مثل هذه المحافل صورة محتكرة لعلية القوم الذين يملكون مادتها الخام والتي اهمها القدرة الاقتصادية اللامتناهية فتتحول الرجولة من مفهوم تراثي تربوي الي سلعة محتكرة من قبل اقلية معروفة تبرز وكأنها الوحيدة بين اطياف المجتمع وخاصة ذكوره الكثر القادرة علي تجسيد معانيها في السلوكيات المختلفة.احتكار السلطة لمفاهيم الذكورة والرجولة تتجسد ايضا في حفلات الاعراس حيث تظهر بشكل واضح وصريح للمشاهدين والمدعوين الذين يشهدون مهرجانات من نوع آخر كلها تصب في تكريس معان لها ابعاد اكثر من البعد الاحتفالي للاشخاص المعنيين بحفلات الزواج وتصبح حديثا للاستهلاك في المجتمع بكافة اطيافه وتمثيلا صريحا للسلطة المذكرة.هناك تداعيات اجتماعية حقيقية وواقعية يشعر بها المجتمع كشاهد او متفرج علي مهرجانات السلطة الذكورية بكافة انواعها بدءا من أخبار المعونات الاقتصادية المصدرة الي الخارج او المستهلكة في الداخل ومحافل المكارم الملكية وافتتاح مشاريع التنمية.اولا: تخلق مهرجانات السلطة الذكورية حال احباط شديد في نفوس ذكور المجتمع والذين يقيسون رجولتهم بمقياس السلطة وبما انهم لا يستطيعون مجاراة الاستعراض اليومي الذي يجسد معاني الرجولة يشعر هؤلاء بالتقاعس وعدم القدرة علي الوصول ولو الي بعض درجات الرجولة. ليس لهؤلاء القدرة الاقتصادية لتحويل مفهوم الرجولة الي حقيقة يعيشونها خاصة وانها تحولت الي سلعة لا يقدر الجميع علي استهلاكها والتباهي بها.ثانيا: تحجم السلطة الذكورية رعيتها بل هي تنفيها من مجالات اثبات الذكورة والرجولة المرتبطة بها لانها تتصدر دوما المحفل اما بشكل مباشر او عن طريق حلقات صغيرة من المرتبطين بها. ويتسابق هؤلاء كل حسب رتبته وموقعه في هرم السلطة لاثبات ولو بعض من رجولته والتي تأتي عادة عن طريق تقلد المناصب. ويشتد التنافس بين المؤهلين لهذه المناصب لا للارباح الاقتصادية التي تأتي مع المنصب بل لاثبات رجولتهم واستعراضها علي الملأ تماما كما يحصل في اعلي الهرم. وبما ان حلقات السلطة ضيقة عادة نجد ان التنافس علي الوصول الي منصب ما يحتد ويشتد كلما كان المنصب يوفر لصاحبه اكبر قدر من الاستعراض. يبحث المتنافسون دوما عن ذلك المكان الذي يوفر اكبر قدر من الاستعراض ويعيش الكثير من هؤلاء علي امل الوصول الي السلطة عندما يتم لهم ما يطمحون اليه. وفي حالات الطفرة الاقتصادية كالتي تشهدها السعودية حاليا نجد ان الطموحات الاقتصادية والاثراء قد يتوفران للكثير من الذكور ولكن يبقي اثبات الرجولة المستعرضة حيزا ضيقا لا تناله الا اقلية تتسلق الهرم بصعوبة وبعد معاناة طويلة وقد يعيش المرء فترة طويلة وهو يعلل النفس بمنصب قد يناله او قد يتجاوزه لصالح ذكر آخر.ثالثا: السلطة ذات الرجولة الخارقة المستعرضة يوميا تؤثر علي العلاقات الشخصية بين الافراد وخاصة بين الرجال والنساء حيث يتبني الجميع النمط المستعرض ويطمح هؤلاء ان يصبح هذا النمط معمما علي الجميع.عندما تتحول الرجولة الي سلعة لا يطمح الرجل فقط بأن يمتلكها ويستهلكها بل تطمح النساء ايضا في ان تتوفر معطياتها في الحلقة الصغيرة من الرجال المحيطين بهن. وهنا تصبح رجولة السلطة مطلبا تبتغي النساء ان يتحقق في الاب والزوج والاخ لانهن ايضا يتبنين مفاهيمه بدون وعي ومن خلال كونهن مشاهدات للاستعراض الذكوري ومستهلكات لصوره وسردياته وسلوكه، وان لم يستطع الرجل العادي ان يقلد رجولة السلطة ويقتبس بعض مفاهيمها نراه يصبح هو نفسه سلعة غير مرغوب فيها وليس لها ثمن مرتفع في سوق الذكور. ونلاحظ ان ارتفاع نسبة العنوسة وحالات الطلاق والتفكك الاسري الذي تشهده السعودية بالاضافة الي ارتفاع نسب الادمان والهروب من الواقع وكذلك حالات الشذوذ المعلنة وغير المعلنة تمثل انماطا وسلوكيات اجتماعية تعكس مأزق الرجولة المفقودة في بعض خلايا المجتمع. وقد يلجأ الشباب الي سلوكيات خارقة كالتفحيط والمطاردات لاثبات رجولة معاكسة لتلك الرجولة السلطوية النمطية التي يفرضها النظام من خلال اعلامه وادبياته واعلاناته الروتينية، يبحث هؤلاء عن فتوة جديدة تقلب مفاهيم الرجولة بشكل عكسي قد يؤدي الي الجريمة والمخدرات وتدمير النفس بحثا عن اثبات الذات خاصة وان انسدت المرافق الاخري لاثبات الرجولة المثالية والتي تحتكرها السلطة ذاتها.رابعا: من انعكاسات رجولة النظام الخارقة التي تمولها ارقام واردات النفط الخيالية البحث المستمر في اطياف المجتمع الشابة عن قنوات اخري لاثبات المرجلة بالتعاطف مع تيارات معادية للسلطة تعتمد في ادبياتها علي الطعن في السلطة الذكورية والتشكيك في رجولتها. ونري ذلك في بعض الادبيات الجهادية والتي تفكك مفهوم رجولية السلطة بالتذكير بعدم قدرة السلطة الرجل علي الدفاع عن الارض والحريم في الجزيرة حيث يكثر ذكر مركزية استباحة الارض والمرأة في بلاد الاسلام نتيجة تخاذل السلطة السياسية واعتمادها علي الغريب. وبينما تصور السلطة ذاتها وكأنها حامية للعرض والارض نري ان الادبيات الجهادية تقلب هذه المنظومة رأسا علي عقب وتظهر ان السلطة الذكورية نفسها هي المنتهكة للعرض والارض. تلقي هذه الادبيات صدي بعيدا في نفوس من يطمح ان يخلد رجولته علي ساحة ضيقة محتكرة من قبل السلطة ورجالها فهي تخلق حيزا مستقلا لاثبات الذات في سوق اختطفتها السلطة واشترت معظم اسهمها. وان لم يحصل لها الفرصة ان تثبت رجولتها في السوق المحلية نجد انها تهاجر الي مواقع اخري بحثا عن ساحة خارجة عن حدود السلطة وهي تعرف جيدا ان بطولاتها ستتناقلها وسائل الاعلام التقليدية والجديدة التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.تكريس النظام السعودي لمفهوم الرجولة الخارقة واحتكاره لهذه الرجولة من خلال امبراطورية اقتصادية واعلامية خلق وضعا متشنجا يعيشه المجتمع بكافة اطيافه وطبقاته الاجتماعية وقد افرز هذا الاحتكار افرازات غريبة علي صعيد العلاقات الاجتماعية والسياسية ولن تخف حدة التشنج الا اذا كانت هناك محاولة جادة من قبل السلطة والمجتمع لتخفيف حدة التضخم والاحتكار للرجولة بمفاهيمها المعقدة. هذا التخفيف يعتمد اولا واخيرا علي كسر الاحتكار.9